مصطفى عاشور

خلال عقدين من الزمان، تغيرت خريطة الرموز والقدوات عالمياً، فصعدت الرقمية من مؤثريها، على حساب القدوات التقليدية كالآباء والمعلمين والمثقفين والأدباء وعلماء الدين ووجهاء المجتمع.

تشير دراسة صادر عن مركز «بيو» الأمريكي عام 2018م، أن أكثر من 95% من المراهقين يمتلكون هواتف ذكية، وأن 45% منهم متصلون دائماً بالإنترنت، وفي دراسة أخرى صدرت عن المركز عام 2023م ذكرت أن 9 من كل 10 مراهقين يستخدمون موقع «يوتيوب»، وأنه المنصة الأكثر استخداماً شبابياً، ويؤكد 7 من كل 10 مراهقين أنهم يزورون الموقع يومياً، وحوالي 16% من هؤلاء يتواجدون على الموقع بصفة شبه دائمة، وحسب دراسة استطلاعية صدرت عام 2025م، فإن المراهق يمضي ما بين 4 - 7 ساعات يومياً ملتصقاً بشاشة هاتفه الذكي.

الوقت الطويل الذي يمضيه الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي أحدث تغيرات عميقة في خريطة القدوات والرموز، إذ تحولت قدوات الشباب ورموزهم إلى المؤثرين على الإنترنت، وتراجع تأثير الآباء والمثقفين ورجال الدين، إلا إذا كان لهم نشاط وحضور مؤثر في العالم الافتراضي.

قدوة بمعايير الرقمية

يعد التعلم والترفيه من أهم دوافع الناس في استهلاك ما تنتجه وسائل الإعلام، وكانت القدوات المطروحة في المجتمع ما قبل الرقمية، تكاد تدور حول هذين الدافعين، وكانت القدوات تغذي القيمة والمعلومة، أو الترفيه والسعادة البهجة.

لكن في العصر الرقمي، يُعاد تشكيل القدوات والرموز، فأصبح يُقاس الرمز بمقدار عدد متابعيه وما تحصل عليه منشوراته من إعجاب وإعادة نشر، وكلما زاد المتابعين والإعجابات تحول هذا الشخص لـ«مؤثر»؛ أي قدوة بمقاييس الرقمية، بغض النظر عما تحويه منشوراته من قيمة أو معلومة؛ بل قد تكون الخفة والسطحية الأكثر قبولاً في العالم الرقمي، لأنها تتلاءم مع روح العصر السريع في كل شيء، والباحث عن المتعة الموهومة في الوجبات السريعة والملابس الممزقة والأغاني الصاخبة.

لقد حدث تغيير في معنى القدوة، فبعد أن كانت سعياً وراء تجسيد الكمال والمثالية، لتصبح إظهاراً لبهجة الحياة وبريقها والقدرة الاستهلاكية ونمط الحياة المترف واللاهث وراء المتعة في السفر وإعداد الطعام واستعراض الملابس.

وهنا تحول التأثير التربوي والثقافي من الأسرة والأطر التقليدية، مثل المدرسة ومؤسسات الإعلام التقليدية والصحف الكبرى، إلى فئة مغايرة، وهم المؤثرون في العالم الافتراضي الذين يحظون بمصداقية لدى الشباب ليس لأنهم يعبرون عن تجسيد للكمال والمثالية، ولكن لأنهم يملكون قدرات كبيرة في التواصل مع الشباب، وخطابهم باللغة التي يفهمونها، ويبثون ما يرغب الشباب في متابعته ومشاهدته، فهم يتمتعون بفهم طبيعة الوسيط الرقمي وقدراته التواصلية الفائقة، ولذا أظهر هؤلاء المؤثرون أنفسهم بطريقة قريبة من أذهان الشباب تتسم بالود والتلقائية والطموح والرغبة في الانطلاق للاغتراف من متع الحياة دون الحرص على بناء صورة مثالية، فغذوا أحلام الترف والاستهلاك والانطلاق بلا قيود.

القدوة الرقمية أصبحت مرآة للذات الحالمة بالترف، ومع التعامل اليومي لساعات طويلة مع الشاشات، مع شباب في مرحلة التكوين وبناء الشخصية، انطمست الحدود بين الإعجاب والتقليد، وصارت القدوة نابعة من تأثيرات الصورة والمشاهدة، التي تغازل الأحلام والخيال، بما يفوق الواقع وإمكاناته، فكان الظهور أحد معايير القدوة في العصر الرقمي.

يلاحظ أن الشباب ينظرون إلى الرموز الجديدة في العالم الافتراضي على أنهم أقران لهم، وليسوا في مكان منفصل عنهم، وهذه الحقيقة تقوي التأسي والاقتداء؛ إذ يشعرون أنهم من نسيج واحد، وأنهم قادرون على تحقيق أحلامهم والصعود لعالم الشهرة مثل هؤلاء المؤثرين، ذكرت دراسة أن 70% من مستخدمي «يوتيوب» المراهقين يعاملون المؤثرين كأقران، وأن 60% من مستخدمي «يوتيوب» سيتبعون نصائح المؤثرين بشأن ما يجب شراؤه.

وهذا يعني أن المماثلة العمرية ذات تأثير في الترميز والاقتداء، نضف إلى ذلك أنهم ينظرون للمؤثرين في العالم الرقمي على أنهم أقرب للمشاهير الشعبيين الذين حققوا جزءاً من الشهرة والترميز من خلال التفاعل وليس الانعزال عن جمهورهم، ولعل هذا ما يجعل الشباب يعتبرونهم كأصدقاء وليسوا قديسين.

الشهرة مهنة

في كتابها «المؤثرون على الإنترنت» للباحثة السنغافورية كريستال عابدين، تشريح لعالم المؤثرين على الإنترنت، ومن الحقائق التي ذكرتها أن الشهرة على الإنترنت جزء من بنائها يكون على التفاعل المباشر، وأن المؤثرين يفوقون بكثير المشاهير السابقين على تحقيق حضور فاعل ومتفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية وبناء شبكات قوية من المعجبين والمتابعين، وبناء محتوى بسيط وجذاب ويسهل الوصول إليه.

لكن كريستال عابدين أشارت إلى مسألة مهمة، وهي أن الشهرة في العالم الافتراضي تحولت إلى مهنة تحقق أرباحاً كبيرة من خلال الإعلانات والرعايات، وأن هذه الشهرة لها قواعدها ويمكن بناؤها، فالمؤثر قد يصعد فجأة من خلال حدث أو فيديو أو موقف ليتحول من شهرة مفاجئة إلى شهرة دائمة، شهرة لم تأت عبر تراكم طويل، شهرة تخضع لسياقات التجارة والترويج الشبكي.

هل الآباء قدوة للأجيال الجديدة؟ هذا السؤال انشغال عالمي في ظل تراجع دور الأسرة في تنشئة الأبناء، وتراجع دور الأب كقدوة، وهذه ظاهرة عالمية، حيث أخذت تتلاشى مع الرقمية صورة الأب القوي الملهم، إذ بات الأبناء ينظرون لكثير من الآباء على أنهم قليلو المعرفة والخبرة بالتكنولوجيا الرقمية، كما أن معارف الآباء باتت أقل من الأبناء، وهذا ما وضع الآباء في مقارنة دائماً مع روح العصر، فيُنظر لنصائحهم أنها قيمية؛ ولذا فحديث الآباء عن القيم ومنظومات الأخلاق لا يجد آذاناً صاغية مع الروح الاستهلاكية والنزعة الترفيهية الغالبة، ومع تغلب ثقافة الصورة، يرى الشباب أن القيم قيود تعيق انطلاقهم.

أما الآباء، فمع انشغالهم الكبير لتوفير متطلبات الحياة، نجدهم غير قادرين على التكيف مع متطلبات التطور في التكنولوجيا الرقمية، وربما هذا ما حفز الأبناء للبحث عن رموز مغايرة يتشاركون معها مساحة الوعي والاهتمام والتطلعات، كما أن معاناة الآباء لا تحظى بمكان على الشاشات؛ ولذا لا يشعر الأبناء بأحقية في ترميزهم، ولا رغبة في الإصغاء إليهم.

وقد أظهرت نتائج استطلاع للرأي أجرته شركة «Deloitte» الشهيرة أن نصف المراهقين الأمريكيين أو ما يُسمى بـ«جيل زد» يعتبرون آباءهم قدوة لهم، كما أن الكثير من الآباء يعتبرون أنفسهم متأخرين خطوة عن الأبناء فيما يتعلق بالتكنولوجيا الرقمية.

من الحلول المقترحة لإعادة الرموز والقدوات التقليدية لعالم الشباب أو ما يسمى بـ«جيل زد» أن يتحول الآباء والرموز إلى العالم الرقمي ليكونوا مؤثرين ومتفاعلين في الفضاء الرقمي، وهناك حديث عن الآباء الرقميين، وأن عليهم أن يفهموا طبيعة الوسيط الرقمي، وألا ينتقلوا إلى العالم الافتراضي بنفس الأساليب التقليدية التي يستخدمونها في الواقع، لعل هذا يكون حلاً لخلق قدوات ورموز آمنة وملهمة للأجيال الجديدة التي تفتح وعيها على الإنترنت.

المصدر: المجتمع