أثار قرار حكومة الانقلاب، الأسبوع الماضي، زيادة أسعار الاستهلاك المنزلي للكهرباء (مقسّم إلى شرائح استهلاكية بالكيلوواط/ساعة)، بدءاً من الشريحة الثانية، بمتوسط بلغ 12% صدمة وغضباً كبيرين بين المواطنين، خاصة الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وأشعل موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الشعبية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، إذ اعتبروا الزيادة عبئاً إضافياً على أوضاعهم المعيشية الصعبة.
خلال الفترة السابقة تضاعفت الشكاوى في شوارع القاهرة والمحافظات، ولا سيما مع تزامن هذه الزيادات مع فترات الصيف التي يشتد فيها الاستهلاك رغماً عن إرادة الأسر. ويؤكد مواطنون أن الشحن المسبق لعدادات الكروت أصبح يُستهلك في أيام معدودة، مما يضطر الأسر إلى اقتطاع مبالغ إضافية من ميزانيات الغذاء والتعليم لصالح تسديد فواتير المرافق الأساسية، في واقع معقد يحوّل المرفق الخدمي إلى عبء مالي لا يطاق.
تنعكس الشكاوى الميدانية في صورة شهادات حية تعبّر عن ضائقة ممتدة بين الطبقتين الفقيرة والمتوسطة؛ إذ تشير أم محمد، وهي ربة منزل لأسرة مكونة من خمسة أفراد في منطقة باكوس بالإسكندرية شمال البلاد، إلى أن راتب زوجها الموظف الحكومي يذهب ربعه تقريباً لصالح فواتير الكهرباء والمياه والغاز. وتقول لـ"العربي الجديد" إنّ عدم رفع سعر الشريحة الأولى (حتى 50 كيلوواط/ساعة) لا يفيد غالبية المواطنين؛ لأنّ الاستهلاك الطبيعي لأي أسرة تستخدم ثلاجة وغسالة ومروحة يتجاوز حدود هذه الشريحة مبكراً في الأيام الأولى من الشهر.
وعلى المنوال نفسه، يشكو أصحاب الورش والمحال التجارية الصغيرة من زيادة أسعار الكهرباء التجارية بنسب مرتفعة، مما يحصرهم بين فكي تقليل هامش الربح المعدوم أصلاً أو رفع أسعار خدماتهم وسلعهم على مستهلكين ينكمش إقبالهم يوماً بعد يوم.
في المقابل، تدافع أذرع الانقلاب عن القرارات الأخيرة باعتبارها خطوة حتمية لتحقيق الاستدامة المالية لمنظومة إنتاج الطاقة ونقلها وتوزيعها. وتوضح بيانات وزارة الكهرباء أن استهلاك البلاد من المنتجات البترولية يتجاوز تريليون جنيه سنوياً، يذهب نحو 60% منه لتشغيل محطات التوليد. وتؤكد الحكومة أن الهيكل التسعيري الجديد يراعي البعد الاجتماعي، عبر تدريج نسب الدعم التي تتراوح بين 75% للاستهلاك المنخفض وتتراجع تدريجياً حتى تنعدم عند الاستهلاك المرتفع الذي يتجاوز ألفي كيلوواط ساعة شهرياً، حيث يتحمل المشترك هنا التكلفة الكلية دون أي دعم.
غير أنّ خبراء اقتصاد يرون في هذه التحركات عبئاً تضخمياً يمتد أثره المباشر وغير المباشر إلى الأسواق ككل. وتؤكد أستاذة الاقتصاد المنزلي روضة حمزة، لـ"العربي الجديد"، أن الأسر محدودة ومتوسطة الدخل باتت الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، حيث تلتهم المرافق الأساسية النسبة الأكبر من الدخل الثابت، مما ينفي قدرتها على الادخار أو مواجهة أي صدمات صحية أو ظروف طارئة، ويضعها تحت ضغط نفسي واقتصادي دائم يرسم ملامح نمط معيشي يعتمد على الحد الأدنى من البقاء.
وتضيف أستاذة الاقتصاد: "يتضح من مجريات المشهد أن معالجة عجز قطاع الطاقة عبر آلية السعر المباشر تضع الاقتصاد المحلي أمام معادلة صعبة؛ فبينما تسعى المالية العامة لتخفيف التزاماتها وضبط الموازنة وفق توصيات المؤسسات الدولية، تتزايد مخاطر ركود الأسواق المحلية نتيجة ضعف الطلب الكلي، وتقلص القدرة الشرائية للملايين".
ويقول الخبير الاقتصادي، أحمد تهامي، إن زيادة أسعار الطاقة لا تقف عند حدود الفاتورة الشهرية المنزلية، بل تتسرب فوراً إلى تكاليف الإنتاج والتخزين والتشغيل في مختلف القطاعات الاقتصادية. ويضيف الخبير: رفع أسعار الكهرباء على المصانع والسلع ومنافذ التجزئة يدفع المصنعين والتجار إلى نقل هذه التكلفة الإضافية إلى المستهلك النهائي في صورة زيادات متتالية في أسعار المواد الغذائية، والملابس، والخدمات المختلفة، مما يغذّي المعدلات التضخمية، ويؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للعملة المحلية بشكل متواصل.
وعلى الصعيد النيابي والرقابي، تصاعدت أصوات محذرة من خطورة الاستمرار في نهج تحميل المواطن التكلفة الاستثمارية والتشغيلية الكاملة لقطاع الطاقة. وشهدت جلسات البرلمان وتصريحات النواب تساؤلات حادة وجّهت للحكومة بشأن مدى وجود دراسات أثر اجتماعي واقتصادي حقيقية تقيس مسبقاً مدى قدرة المواطنين على تحمّل هذه الإجراءات وسط الظروف المعيشية الراهنة.