ثلاثة عشر عامًا مرت على تلك الكارثة التي حلّت بمصر، عندما أقدم الانقلاب على إعمال آلة القتل المباشر التي استهدفت المصريين المسالمين في ميدان رابعة والنهضة وكل ميادين مصر، وما زالت تلك الذكرى حاضرة في وجدان الشعب المصري الذي آلمه إراقة الدماء واتساع دائرة الانقسام، سائلين الله أن يرحمهم جميعًا وأن يربط على قلوب ذويهم.
لقد احتشد المصريون بكل أطيافهم في ميادين مصر يطالبون بحياة كريمة، وينادون بحقهم في اختيار حكامهم وامتلاك إرادتهم، بين يدي تجربة ديمقراطية وليدة تمخضت عن انتخاب أول رئيس مدني والاستفتاء على دستور حظي بقبول شعبي واسع، فأيقظت في قلوبهم الأمل في غدٍ واعد ومستقبل راشد، إلا أن يد الغدر باغتتهم لتبطش بآمالهم وتهدر تطلعاتهم وتخلف مشهدًا يندى له الجبين، ويسجله التاريخ في صحائف سود.
إن هذه الجرائم التي ارتكبها الانقلاب في هذا اليوم وما تلاه من أيام، بل وما زال يرتكبها حتى يومنا هذا، لن تسقط بالتقادم، ولن يغفرها التاريخ، ولن تضيع هدرًا، وستظل لعنة على مرتكبيها في الدنيا والآخرة، ولن يتغاضى عنها الشعب المصري الذي ما زال حتى يومنا هذا يقدم المزيد من التضحيات والمعاناة من اعتقالات عشوائية وانهيار اقتصادي غير مسبوق وتردٍّ أخلاقي وفشل سياسي وأمني وتسليم لكامل مقدرات الوطن وانبطاح أمام رغبات العدو الصهيوني الذي بات على مرمى حجر من حدودنا المصونة.
إن هذه الجرائم التي ارتكبها وما زال يرتكبها الانقلاب بآلة أمنية إجرامية لم تصنع له شرعية، ولم ولن تكسبه شعبية، ولم تحدث استقرارًا في البلاد، ولم ينصلح بها حال العباد، بل تتزايد المآسي كل يوم، وتتعاظم الخطوب كل ساعة، فالظلم مؤذن بخراب العمران، والبطش قرين البؤس والدمار.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الأوطان لا تُبنى بالغلبة، ولا يستقر حالها بالإقصاء، وأن العدالة وسيادة القانون واحترام كرامة الإنسان هي الأساس المتين لاستقرار الأوطان، وهو ما جاءت به ثورة يناير المباركة التي استبشر بها الشعب، وخطى معها خطوات نحو التنمية والبناء.
إن جماعة الإخوان المسلمين، وهي تطالع المشهد المصري من الظلم والقهر والانهيار على كافة الأصعدة، لتؤكد أن الطريق الوحيد للخلاص من هذه الحقبة القاتمة من تاريخ مصر لن يتحقق سوى باحترام الحقوق والحريات لجميع المواطنين على كافة انتماءاتهم ومختلف توجهاتهم، وصون الكرامة الإنسانية، وترسيخ استقلال القضاء، وسيادة القانون، وإطلاق مسارات وطنية تُعلي المصلحة العامة وتفتح آفاقًا لمستقبل أكثر استقرارًا وعدلًا.
كما تؤكد جماعة الإخوان المسلمين على موقفها الثابت الذي أعلنه فضيلة المرشد العام الدكتور محمد بديع من فوق منصة رابعة، من التمسك بالعمل العام السلمي، ورفضها للعنف، وإيمانها بأن الإصلاح لا يكون إلا عبر الوسائل السلمية، واحترام إرادة الشعوب، والتعددية السياسية، والتداول السلمي على السلطة في إطار دولة القانون والمؤسسات.
إننا نؤكد أن التجارب الكبرى تستوجب من جميع القوى والتيارات السياسية عملية تقييم مسؤولة لكل التجارب التي مرت بها، وإننا نؤمن بأن أي حركة سياسية أو مجتمعية لا تتوقف عن تقييم أدائها، والاستفادة من دروس الماضي، وتطوير مؤسساتها وخطابها بما يمكنها من أداء رسالتها بصورة أفضل، وبما يحقق مصالح الأوطان ويستجيب لتحديات الحاضر.
وفي هذه المناسبة نتوجه إلى أبناء جماعة الإخوان المسلمين داخل مصر وخارجها بكلمة تقدير ووفاء لما تحملوه خلال هذه السنوات من ابتلاءات وتحديات، وهم ثابتون على مبادئهم غير مبدلين ولا مغيرين، لم يتخلوا، رغم ما لاقوه ويلاقونه، عن واجب الدعوة إلى الله وخدمة مجتمعاتهم، والعمل لصالح وطنهم وأمتهم.
كما نتوجه بكلمة إلى الشعب المصري الذي عانى وما زال يعاني من جراء الظلم والبطش والقهر، لنؤكد أن النصر مع الصبر، وأن الفرج قريب، وأن الأيام دول، ولن يغلب عسر يسرين، ولن يطول ليل الغدر، وسيزول الألم، وسيعود الأمل في مستقبل مشرق تنال فيه مصر مكانتها التي تليق بها وبشعبها الأبي، «فاصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون»، «والله معكم ولن يتركم أعمالكم».
أ. د. محمود حسين
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة "الإخوان المسلمون"
الخميس 29 صفر 1448 هـ - 13 أغسطس 2026 م