أكد مركز الشهاب لحقوق الإنسان أن مذبحة فض ميداني رابعة والنهضة، في الرابع عشر من أغسطس 2013، كانت نقطةَ تحوّلٍ فاصلة في تاريخ مصر الحديث؛ إذ لم تكن مجرد مواجهات سياسية عابرة، أو إجراء أمني تقليدي لاستعادة "النظام العام"، بل كانت اللحظة التي رُسم فيها "قالب النظام الحالي".
وأضاف المركز في بيان له اليوم، إن ملامح الحكم السلطوي، الذي وضع نفسه مجدداً فوق الدولة قد تجلت وتم الإعلان عنها، حيث أفرد سيطرته على كل مفاصلها ومؤسساتها، وبمنأًى عن النظامَين القانوني والقضائي، وتجاوز في قسوته وتغوّله جميع تجارب الحكم في البلاد، كما أنها أعادت هندسة العلاقة بين السلطة والمجتمع المدني على قاعدة القمع الممنهج، بعد تقويض كل المكتسبات الديمقراطية الهشة، التي تحققت للمجتمع، بعقود من النضال.
وهذا نص البيان:
تُعد أحداث فض ميداني رابعة والنهضة، في الرابع عشر من أغسطس 2013، نقطةَ تحوّلٍ فاصلة في تاريخ مصر الحديث؛ إذ لم تكن مجرد مواجهات سياسية عابرة، أو إجراء أمني تقليدي لاستعادة "النظام العام"، بل كانت اللحظة التي رُسم فيها "قالب النظام الحالي"، وتحددت ملامحه الهيكلية بوصفه نموذجًا للحكم السلطوي، الذي وضع نفسه مجدداً فوق الدولة، وأفرد سيطرته على كل مفاصلها ومؤسساتها، وبمنأًى عن النظامَين القانوني والقضائي، وتجاوز في قسوته وتغوّله جميع تجارب الحكم في البلاد، كما أنها أعادت هندسة العلاقة بين السلطة والمجتمع المدني على قاعدة القمع الممنهج، بعد تقويض كل المكتسبات الديمقراطية الهشة، التي تحققت للمجتمع، بعقود من النضال.
ففي الذكرى الثالثة عشرة للأحداث، ليس هناك خلاف على نجاح نظام 2013 في تصفية المعارضة السياسية برمتها، وتكميم الأفواه، ومصادرة الحريات، وإغلاق الفضاء العام تماماً، وتأسيس حالة مروعة من الاستقطاب المجتمعي الحاد.
في صباح ذلك اليوم، قبل 13 سنة، وقعت أسوأ مذبحة في تاريخ مصر المعاصر، جرى نقلها على الهواء مباشرة، وأمام أعين العالم بأسره، حيث تحول ميدان رابعة العدوية من ساحة للاعتصام السلمي إلى: "أكبر عملية قتل جماعي في التاريخ الحديث" بعد أن رفض الانقلابيون الحلول السياسية، واختاروا اللجوء للقوة الغاشمة.
وقد وثق المجلس القومي لحقوق الإنسان، سقوط 632 قتيلاً، مع تجاهل الجثث مجهولة الهوية، بينما وثقت منظمات حقوقية مقتل 817 شخصاً على الأقل في رابعة وحدها، مرجحةً تجاوز العدد الألف، بينما تشير تقديرات المستشفى الميداني وشهادات الناجين إلى سقوط أكثر من 2600 قتيل.
لم تكتفِ نيران المهاجمين الأمنيين بالبشر، بل التهمت المستشفى الميداني وجثث الموتى، في مشهد وصفه الناجون بأنه "محرقة" للأحياء والأموات معاً.
وقد وصفت منظمة "هيومن رايتس ووتش" الأحداث بأنها "جريمة ضد الإنسانية"، مكتملة الأركان وفق القانون الدولي، وذلك بناءً على المعايير التالية: النية المبيتة والتخطيط المسبق للقتل الجماعي، وعدم التناسب في استخدام القوة، فطبقاً لرواية وزارة الداخلية جرى ضبط (15 سلاحاً نارياً فقط) في ميدان يضم عشرات الآلاف من المعتصمين السلميين، مقابل هجوم واسع النطاق استخدمت فيه المدرعات والطائرات والأسلحة الثقيلة، مما يدحض سردية "الدفاع عن النفس" ويؤكد الطابع الانتقامي للهجوم.
أما منظمة العفو الدولية فاعتبرت المذبحة "نقطة تحول فاصلة" لحقوق الإنسان في مصر.
وعلى المستوى الإقليمي أصبح "نموذج رابعة" قالباً للطغيان الحديث، حيث أعطى الصمت الدولي ضوءاً أخضر، وإلهاماً، لأنظمة إقليمية وقوى احتلال لاستخدام " الحد الأقصى من العنف" ضد الشعوب بذريعة مكافحة الإرهاب.
وبعد مرور عقد ونيفٍ على المأساة، تحول "قالب رابعة" إلى استراتيجية حكم مستدامة لإسكات المعارضة عبر ترسانة تشريعية تضمن تحصين النظام، وشرعنة سياسة الإفلات من العقاب، عبر قانون عام 2018 الذي منح قادة الجيش حصانة من الملاحقة القضائية عن الأحداث التي وقعت بين يوليو 2013 ويونيو 2014، وفي المقابل جرى سجن عشرات الآلاف من المعارضين، مع تفشي ظاهرة التعذيب، وممارسات "الاختفاء القسري" كأدوات للترهيب.
فيما ظلت الحالة المصرية أقرب إلى "معركة صفرية" بين نظامٍ قمعيٍّ ديكتاتوري مستبد، ومعارضةٍ أُقصيت تمامًا، في ظل انسدادٍ متعمدٍ لأفق العدالة؛ بهدف إغلاق باب المساءلة إلى الأبد، كما يجب التذكير مراراً، بأن من نجا من المذبحة المروعة في رابعة اقتيد إلى السجن، مع خطة قتل ممنهجة، فمن لم يمت بالإهمال الطبي أو التعذيب البدني الممنهج والمعاملة اللاإنسانية أو المُهينة قد يتم التخلص منه بالإعدام، ما دعا مركز الشهاب لحقوق الإنسان، لتجديد مطالبه بتحقيق العدالة للضحايا وذويهم، ودعوة الحكومة المصرية للاعتراف بمسئوليتها عن المذبحة، والانتهاكات التي تلتها.
توصيات مركز الشهاب
1/ فتح تحقيق مستقل وشامل ونزيه في أحداث فض رابعة والنهضة، يحدد المسؤولية عن إصدار الأوامر والتنفيذ وأي تستر لاحق.
2/ ضمان حق الضحايا وذويهم في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، وعدم اختزال الضحايا في مجرد أرقام أو إحصاءات.
3/ محاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن عمليات القتل أو الاستخدام غير المشروع للقوة، بصرف النظر عن منصبه أو رتبته أو انتمائه السياسي.
4/ إنشاء آلية دولية مستقلة لتقصي الحقائق وحفظ الأدلة، مع مماطلة السلطات الوطنية في إجراء تحقيق مستقل وفعال.
5/ دعوة المجتمع الدولي إلى استخدام أدوات المساءلة المتاحة قانونًا، بما في ذلك العقوبات الموجهة وقيود السفر وتجميد الأصول.
6/ إصلاح مؤسسات إنفاذ القانون ومراجعة قواعد استخدام القوة، وضمان خضوع الأجهزة الأمنية لرقابة قانونية وقضائية فعالة.
7/ ضمان عدم استخدام أجهزة الدولة لقمع المعارضة السياسية، واحترام الحق في الحياة والتجمع والتعبير والاحتجاج السلمي.
[8/14/2026 5:19 AM] خلف بيومي: 8/ حفظ ذاكرة الضحايا وتوثيق أسمائهم وقصصهم، والتأكيد على أن مرور الزمن أو الخلاف السياسي لا يسقط حقهم في العدالة، فالتوثيق المستمر هو فعل المقاومة الأول ضد النسيان.
9/ رفض سياسة الإفلات من العقاب باعتبارها انتهاكًا إضافيًا لحقوق الضحايا.
10/ إبقاء ملف رابعة مفتوحًا حتى تتحقق العدالة والمساءلة.
11/ الدعوة إلى مصالحة مجتمعية وسياسية شاملة، تبدأ بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، وتعويض الضحايا وأسرهم، واعتراف الحكومة المصرية بمسؤوليتها عن المذبحة، والانتهاكات التي تلتها، ومحاكمة المسؤولين عنها.
12/ إلغاء قانون يوليو 2018 فوراً، كونه يصادم قواعد القانون الدولي الآمرة التي تمنع التحصين في جرائم القتل الجماعي.
13/ تفعيل العدالة الانتقالية، و الالتزام بالمادة 214 من الدستور لإصدار قانون يكفل كشف الحقيقة، والمحاسبة، وجبر الضرر للضحايا مادياً ومعنوياً.
14/ إنشاء آلية دولية لحماية الشهادات والوثائق (الأرشيف الوطني المستقل) لضمان عدم تعرضها للتزوير أو الضياع.
15/ تعليق عقوبة الإعدام بحق المعارضين السياسيين، خاصة في قضية رابعة، والإفراج عن عشرات الآلاف من المعتقلين.
ختاما
بعد ثلاثة عشر عاماً، تظل مذبحة رابعة جرحاً نازفاً في الذاكرة الجمعية لمصر، وعائقاً أمام أي استقرار حقيقي.
إن محاولات السلطة "محو الذاكرة" عبر التغيير العمراني للميادين أو التحصين القانوني للجناة، لن تنجح؛ لأن الجرائم ضد الإنسانية تظل حية -لاتسقط بالتقادم- في وجدان الشعوب وفي سجلات القانون الدولي.
ستظل "ذكرى رابعة" رمزاً للشرخ الذي لم يلتئم في نسيج الدولة المصرية، و المحرك الملهم للمطالبة بالعدالة، فالعدالة المتأخرة هي عدالة غائبة، وذلك حتى لا تتحول آلام الضحايا إلى مجرد ذكرى بلا عائد.
مركز الشهاب لحقوق الإنسان - لندن 14 أغسطس - ذكرى مذبحة رابعة