أعادت حادثة إقدام امرأة في مقتبل العمر على إضرام النار في جسدها، اليوم، وسط مدينة سيدي بوزيد، إلى الواجهة ذاكرة المدينة التي ارتبط اسمها قبل نحو 16 عاما بحادثة الشاب محمد البوعزيزي، التي تحولت من واقعة فردية إلى شرارة احتجاجات واسعة انتهت بسقوط نظام زين العابدين بن علي.
وبحسب المعطيات الأولية المتداولة، فقد أقدمت المرأة على إضرام النار في جسدها وسط المدينة، قبل أن يتدخل الحاضرون والجهات المعنية ويتم نقلها إلى المستشفى الجهوي لتلقي الإسعافات اللازمة.
ولم تتضح، حتى الآن، الأسباب التي دفعتها إلى الإقدام على ذلك، كما لم تصدر ـ وفق المعطيات المتاحة ـ رواية رسمية تفصيلية تكشف خلفيات الحادثة أو دوافعها. ومن ثمّ، فإن الربط بين الواقعة الحالية وأسباب اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية محددة يظل سابقا لأوانه، في انتظار ما ستكشفه الجهات الرسمية والتحقيقات والمعطيات الميدانية.
لكن مجرد وقوع الحادثة في سيدي بوزيد، المدينة التي شهدت في 17 ديسمبر 2010 إضرام محمد البوعزيزي النار في جسده، يمنحها دلالة خاصة في الذاكرة التونسية.
من عربة خضار إلى شرارة ثورة
في 17 ديسمبر 2010، أضرم الشاب محمد البوعزيزي النار في جسده أمام مقر ولاية سيدي بوزيد، بعد خلافات مرتبطة بمصادرة عربة كان يستخدمها لبيع الخضار والغلال.
وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى أن الحادثة جاءت في سياق احتجاج على مصادرة عربة البوعزيزي، وأنها أعقبها تصاعد للاحتجاجات على ظروف المعيشة والبطالة والفساد.
أما تفاصيل الواقعة نفسها، وخصوصا ما إذا كانت شرطية قد صفعته، فقد ظلت محل روايات متباينة؛ إذ نفت الشرطية فادية حمدي، في تصريحات لاحقة، أن تكون قد اعتدت عليه، بينما ظلت رواية الإهانة التي تعرض لها البوعزيزي حاضرة بقوة في السردية الشعبية والإعلامية للثورة.
وتوفي البوعزيزي في 4 يناير 2011 متأثرا بحروقه، بعد أيام من إضرام النار في جسده.
غير أن تأثير الحادثة تجاوز مصير صاحبها بكثير. فقد تحولت الاحتجاجات التي بدأت في سيدي بوزيد إلى موجة احتجاجية امتدت إلى مناطق أخرى من تونس، ورفعت مطالب تتعلق بالعمل والكرامة والعدالة الاجتماعية والحريات.
وخلصت بعثة المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إلى أن الاحتجاجات بدأت في المناطق المهمشة، ولا سيما سيدي بوزيد والقصرين، وأنها استفادت من انتشار مقاطع الفيديو والرسائل عبر شبكات التواصل الاجتماعي، قبل أن تمتد إلى مختلف أنحاء البلاد. وانتهت الأحداث بمغادرة بن علي تونس في 14 يناير 2011.
كما وثقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أن احتجاجات الشوارع التي أعقبت إضرام البوعزيزي النار في جسده في 17 ديسمبر 2010 انتشرت من مدينة إلى أخرى، وسط مطالب اجتماعية وسياسية متراكمة.
لماذا تظل سيدي بوزيد حاضرة في كل ذكرى؟
لم تعد سيدي بوزيد في الذاكرة التونسية مجرد مدينة داخلية تعاني من التفاوت التنموي، بل أصبحت رمزا للحظة التي خرج فيها الغضب الاجتماعي من نطاقه المحلي إلى المجال الوطني.
ومع ذلك، فإن التشابه في الوسيلة والمكان لا يعني بالضرورة تشابها في الأسباب أو النتائج. فحادثة البوعزيزي أصبحت مفهومة تاريخيا ضمن سياق أوسع من الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية التي سبقتها وتلتها، بينما لا تزال واقعة المرأة التي أضرمت النار في جسدها اليوم في بدايتها، ولا تتوافر بعد معلومات رسمية كافية تسمح بتحديد دوافعها أو وضعها ضمن سياق سياسي أو اجتماعي بعينه.
وهذا التفريق مهم، خصوصا في مدينة تحمل ذاكرة ثقيلة كهذه؛ إذ إن استدعاء البوعزيزي قد يكون حاضرا بقوة في الوعي الشعبي والإعلامي، لكن تفسير الحادثة الجديدة يتطلب انتظار المعطيات المتعلقة بالمرأة نفسها، ووضعها الاجتماعي والاقتصادي، وما سبق الواقعة من أحداث، وما ستكشفه السلطات والجهات الطبية والأمنية.
ففي سيدي بوزيد، يكفي أحيانا أن تشتعل النار في جسد إنسان حتى تستعيد المدينة صورة من ديسمبر 2010. لكن التاريخ لا يعيد نفسه بالضرورة بالطريقة ذاتها.
ويبقى السؤال الآن محصورا في معرفة ما حدث للمرأة، ولماذا أقدمت على فعلتها، وما إذا كانت الواقعة مجرد مأساة فردية أم أنها تعكس، بصورة ما، ظروفا اجتماعية أوسع. وهذه أسئلة لا يمكن الإجابة عنها قبل صدور المعطيات الرسمية والاستماع إلى رواية المعنيين بالحادثة.
أما المؤكد فهو أن اسم سيدي بوزيد سيظل مرتبطا في الذاكرة التونسية بيوم 17 ديسمبر 2010، حين أضرم محمد البوعزيزي النار في جسده، لتبدأ من مدينته سلسلة أحداث غيّرت تاريخ تونس الحديث.
حادثة جديدة في ظل أزمة متشابكة
وتكتسب حادثة اليوم أهمية إضافية لأنها تأتي في ظرف تونسي تتداخل فيه الضغوط الاقتصادية مع أزمة سياسية وحقوقية مستمرة. فعلى الرغم من تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية، لا تزال البلاد تواجه اختلالات مالية وضغوطا على التمويل والدين العام، فيما ظل التضخم وأسعار الغذاء يؤثران في القدرة الشرائية للأسر، بحسب أحدث معطيات البنك الدولي. وتشير بيانات البنك إلى أن الدين العام بلغ نحو 82.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، بينما بقي تضخم الغذاء أعلى من التضخم العام في مطلع 2026.
وفي الجانب السياسي، تتواصل تداعيات المسار الذي بدأ مع انقلاب قيس سعيّد في يوليو 2021، وما تبعه من تركيز واسع للسلطة وملاحقة عدد من المعارضين والمنتقدين. وتقول منظمة العفو الدولية إن السلطات واصلت خلال 2025 و2026 محاكمة شخصيات معارضة ونشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان، فيما صدرت أحكام بالسجن بحق عدد من أبرز وجوه المعارضة في قضايا تصفها المنظمة بأنها تفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة.
ومن بين الأسماء التي لا تزال حاضرة في هذا المشهد رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان السابق راشد الغنوشي، الذي تقول منظمة العفو الدولية إنه لا يزال رهن الاحتجاز منذ اعتقاله في أبريل 2023، وقد صدرت بحقه أحكام متعددة، بينها حكم بالسجن المؤبد في يونيو 2026 في قضية "الجهاز السري". كما شملت الأحكام شخصيات معارضة أخرى، بينها عبير موسي وأحمد نجيب الشابي وعياض الهمامي وشيماء عيسى.
ويضاف إلى ذلك استمرار توقيف ومحاكمة شخصيات سياسية وإعلامية وحقوقية، وهو ما دفع منظمات حقوقية إلى الحديث عن تضييق متزايد على المجال العام وحرية التعبير والعمل السياسي. وفي يوليو الماضي، قالت منظمة العفو الدولية إن أمين عام حركة النهضة العجمي الوريمي حُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، بينما ظل القيادي محمد الغنودي رهن الاحتجاز، في قضية قالت المنظمة إن السلطات ينبغي أن تسقطها.
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن الحادثة التي شهدتها سيدي بوزيد اليوم مرتبطة بهذه الأوضاع أو أن للمرأة التي أقدمت على إحراق جسدها دوافع سياسية أو اقتصادية؛ فلا تزال الأسباب مجهولة، وأي استنتاج من هذا النوع سيكون سابقا لأوانه. لكن توقيت الواقعة ومكانها يجعلانها محملة بدلالة أكبر في بلد لا تزال الأسئلة التي فجرتها أحداث ديسمبر 2010 ـ حول الكرامة والعمل والعدالة الاجتماعية والقدرة على التعبير والمشاركة السياسية ـ حاضرة في النقاش العام، وإن تغيرت طبيعة المشهد جذريا منذ ذلك الحين.
وهنا تحديدا تستعيد سيدي بوزيد رمزيتها: ففي المكان نفسه الذي تحولت فيه مأساة فردية قبل نحو ستة عشر عاما إلى شرارة احتجاجات أطاحت بنظام بن علي، تأتي اليوم حادثة فردية أخرى في بلد يعيش ضغوطا اقتصادية وتوترا سياسيا واسعا. وبين الواقعتين فارق كبير في السياق والدوافع والنتائج، لكن الذاكرة التي يحملها المكان تجعل السؤال حاضرا: ماذا تقول هذه الحادثة الجديدة عن المزاج الاجتماعي في تونس؟
وهو سؤال يبقى مفتوحا إلى أن تتضح أولا حقيقة ما دفع المرأة إلى فعلتها، وما إذا كانت الواقعة تعكس ظرفا شخصيا خاصا بها أم أنها، على نحو ما، تتقاطع مع أوسع مناخ اجتماعي واقتصادي وسياسي تعيشه البلاد.