شهدت العاصمة القطرية الدوحة، مساء أمس السبت تدشين «أكاديمية الإمام يوسف القرضاوي»، في انطلاقة لمشروع علمي وتعليمي طموح يسعى إلى إحياء الإرث العلمي والفكري للإمام الراحل، وتحويله إلى مسارات معرفية وتعليمية تصل إلى الأجيال الجديدة.
وتستلهم الأكاديمية منهج الإمام في الوسطية والتجديد، والجمع بين التأصيل الشرعي وفقه الواقع، وصولًا إلى إعداد جيل راسخ المعرفة، واعٍ بمتطلبات عصره، وقادر على حمل رسالة العلم والإسهام في النهوض والبناء.
وجاء تدشين الأكاديمية خلال حفل أقيم بمقر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بالتزامن مع الذكرى الرابعة لرحيل الإمام يوسف القرضاوي -رحمه الله-.
وشهد الحفل حضور نخبة من العلماء والمشايخ، يتقدمهم فضيلة الدكتور علي محيي الدين القره داغي، رئيس الاتحاد، ونائباه: فضيلة الشيخ محمد الحسن الددو، وفضيلة الشيخ الدكتور عصام البشير إلى جانب عائلة الإمام، وجمع من محبيه وتلاميذه والمهتمين بإرثه العلمي والفكري.
وفي كلمته، استحضر الدكتور علي محيي الدين القره داغي حديث النبي ﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، مؤكدًا أن من توفيق الله للإمام يوسف القرضاوي -رحمه الله- أن اجتمعت له هذه الخصال الثلاث.
وقال فضيلته إن تدشين الأكاديمية يأتي في الذكرى الرابعة لرحيل الإمام، وفي إطار السعي إلى إحياء علومه النافعة وتدريس موسوعته العلمية العظيمة، مشيرًا إلى أن 106 كتب تمثل خلاصة علم وتراث الإمام القرضاوي، جُمعت في «موسوعة الأعمال الكاملة للدكتور يوسف القرضاوي».
وأكد أن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، برئاسته وأمانته العامة ومجلس أمنائه وأعضائه، يبارك تدشين الأكاديمية، ويبدي استعداده الكامل لتطويرها، وصولًا إلى أن تكون في المستقبل جامعة باسم الإمام يوسف القرضاوي، تدرّس كتبه وعلومه وتخدم منهجه.
وأوضح أن موسوعة الإمام تمثل، بما تحويه من علوم متنوعة، أساسًا لعدد من الكليات العلمية، منها أصول الدين، والفقه وأصوله، والدعوة، والأدب والخطابة والشعر وغيرها، معتبرًا أن إحياء هذا الفكر لا يقتصر نفعه على الفقيد من حيث الأجر والثواب، بل يمثل حاجة للأمة الإسلامية في مواجهة الأفكار المتناقضة، ويمنحها ركيزة تحميها من الأفكار المتسيبة المترخصة، كما من الأفكار المتشددة.
القرضاوي.. وريثٌ حمل أمانة العلم
من جانبه، أكد فضيلة الشيخ محمد الحسن الددو أن الله اختار من البشر الأنبياء، ثم جعل بعد رسول الله ﷺ ورثة يحملون هذا الميراث ويبلغون رسالاته، مستشهدًا بحديث النبي ﷺ: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين».
وقال الددو إن الإمام يوسف القرضاوي -رحمه الله- كان من أبرز من حملوا هذا الميراث، حتى أصبح في مراحل متقدمة من حياته قائدًا لهذا العلم وسفينة الدعوة، مشيدًا برجاحة عقله وفهمه العميق للواقع واستيعابه لإشكالات العصر.
وأشار إلى أن القرضاوي لم يكتف بالتفنن في الأدلة الشرعية، بل سعى إلى فهم واقع الشعوب والحضارات، فسافر وعاش في بلدان مختلفة، واطلع على واقعها، كما درس أطروحات الفلاسفة والمفكرين، بمن فيهم من خالفهم، حتى يتمكن من نقدها والرد عليها.
مشاريع تركت بصماتها
واستعرض الشيخ الددو جانبًا من المشاريع التي أسسها الإمام أو أسهم في بنائها، مشيرًا إلى مجلس الإفتاء الأوروبي، وهيئة الأعمال الخيرية العالمية، وبرنامج «الشريعة والحياة» الذي قدمه عبر قناة الجزيرة، ووصفه بأنه كان من أنجح البرامج وأعمها نفعًا، إلى جانب الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي قال إن الإمام لم يؤسسه بفكرة عابرة، وإنما بعد سنوات من الروية والتفكير والتخطيط.
وأشار إلى أن الإمام ظل يرعى الاتحاد حتى شبّ، ثم سلّم رايته إلى الأيدي الأمينة، مبينًا أن وصيته للاتحاد ورؤيته له وفكره فيه ما تزال محفوظة في رسالة صوتية بعث بها إلى أعضائه خلال مرضه الأخير.
وأشاد الددو بجهود أسرة الإمام وأصحابه وتلاميذه في نشر تراثه، وصولًا إلى إطلاق أكاديمية الإمام يوسف القرضاوي، التي تسعى إلى شرح علومه وكتبه وتعريف الأجيال بمنهجه.
مدرسة في الاجتهاد والتجديد والوسطية
وأكد فضيلة الشيخ الدكتور عصام البشير أن بركة العلم تتمثل في أن يمتد عمر صاحبه بعد رحيله، فيغيب وجه العالم وتبقى أنوار علمه في العقول، وآثار تربيته في النفوس، وثمر غرسه في الحياة.
ووصف القرضاوي بأنه إمام من أئمة الاجتهاد والتجديد، وفقيه موسوعي، وداعية بصير، جمع غزارة العلم إلى قوة البيان، ودقة الفهم إلى علو الهمة، واتسع مشروعه للعقيدة والعبادة والتزكية والأسرة والسياسة والاقتصاد والبيئة والمجتمع وقضايا الدعوة والنهضة.
وأوضح أن مشروع الإمام جمع بين فهم شامل للإسلام ورعاية مصالح الدين والدنيا، وربط صلاح الإنسان بصلاح العمران، فيما نذر حياته للوسطية، وأرسى معالمها، وأبان حجتها؛ وسطية تعتصم بالوحي، وتستنير بمقاصد الشريعة، وتجتهد في التعامل مع نوازل الواقع.
وأشار الدكتور البشير إلى أن القرضاوي فتح لأجيال من العلماء والدعاة طريقًا يجمع بين الأصالة في الانتماء وشجاعة التجديد، ورسـوخ العلم وسعة الأفق، كما حمل هموم أمته وصدع بالحق في قضاياها، وكانت فلسطين والأقصى حاضرين في دعوته ومواقفه.
وأكد أن الوفاء للإمام يقتضي إيصال هذا الخير إلى الأجيال المقبلة، علمًا يُدرس، ومنهجًا يُفهم، وعطاءً يُبنى عليه، مباركًا إطلاق الأكاديمية التي تسعى إلى تقريب تراثه إلى طلاب العلم، وتعريفهم بمنهجه في النظر والموازنة والترجيح.
من يوم الفقد إلى يوم استمرار الرسالة
وفي كلمة أسرة الإمام، عبّر الدكتور محمد يوسف القرضاوي عن عمق ارتباط الأسرة بوالدها، مستذكرًا انكبابه طوال حياته على الكتب والأوراق، وتأليفه للرسائل والكتب، وإلقاء المحاضرات والخطب، وسفره للمشاركة في المنتديات والمؤتمرات، مؤكدًا أن الأسرة بعد رحيله أدركت أكثر حجم عطائه وطول الطريق الذي قطعه.
وقال إن السؤال الذي ظل يشغل أبناء الإمام وبناته منذ وفاته هو: كيف يؤدون واجبهم تجاهه وتجاه تراثه ومنهجه ورسالته؟
وأشار إلى أن 26 سبتمبر، الذي كان أثقل يوم مر على الأسرة قبل أربع سنوات، أصبح اليوم أيضًا موعدًا لاستمرار الرسالة وتجدد العطاء، من خلال تدشين الأكاديمية في مقر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، المؤسسة التي أسسها الإمام مع إخوانه، ووضع أهدافها ورسالتها، وبذل من أجلها وقته وجهده.
وأوضح أن الأكاديمية ستعمل على دراسة كتب الإمام ونشر فكره وترسيخ منهجه القائم على الوسطية والتجديد والتيسير والتبشير والبذل والعمل، لا المراء والجدل.
وكشف عن جهود الأسرة في نشر تراث الإمام، ومنها طباعة موسوعة أعماله الكاملة وإهداؤها إلى مكتبات العالم الكبرى وجامعاته، إلى جانب إطلاق تطبيق الإمام القرضاوي، الذي يتيح محتوى الموسوعة بمجلداتها للقراء والباحثين، والعمل على تجديد موقعه الإلكتروني ونشر مقتطفات من تراثه عبر منصات التواصل الاجتماعي بما يناسب العصر وجيل الشباب.
وأكد أن المنصة الإلكترونية للأكاديمية تمثل نواة لمشروع مستقبلي كبير، يبدأ بمنصة تعليمية، ثم يتطور إلى كلية إسلامية شرعية، وصولًا إلى جامعة مفتوحة تحمل علم الإمام ومنهجه إلى الناس في مختلف أنحاء العالم.
أكاديمية للعلم وبناء الإنسان
وأكد فضيلة الشيخ د. سلطان الهاشمي أن تدشين الأكاديمية ليس افتتاحًا لمنصة تعليمية فحسب، وإنما إعلان رسالة وانطلاق مسيرة، وتجديد للعهد بأن العلم أمانة، وأن بناء الإنسان هو من أوثق طرق نهضة المجتمعات.
وأوضح أن الوفاء للعلماء لا يقف عند ترديد أسمائهم، بل يتجاوز ذلك إلى حمل العلم الذي وهبوا أعمارهم لإتقانه وتعليمه، والنظر في قضايا الناس في ضوء أصول الشريعة ومقاصدها.
وأعرب عن أمله في أن تكون الأكاديمية منارة للعلم، ومدرسة للحوار الرصين، وملتقى لتلاقح العقول، بحيث لا يقتصر الطالب على اختزان المعلومات، بل يفهمها ويتدبرها، ويميز بين الدليل والدعوى، ويعرف للاختلاف قدره وأدبه، ويحمل العلم بأمانة العالم وتواضع المتعلم.
من الميراث إلى المستقبل
ويأتي تدشين أكاديمية الإمام يوسف القرضاوي بوصفها منصة علمية تعليمية تسعى إلى تقديم المعرفة الشرعية والفكرية بمنهج أكاديمي معاصر، يجمع بين التأصيل وفهم الواقع، ويستهدف تحويل الإرث العلمي للإمام إلى مشروع معرفي متجدد، يقرّب علومه ومنهجه من طلاب العلم والأجيال الجديدة.
ويؤسس المشروع لمسار ممتد من الميراث إلى المستقبل؛ حفظًا للعلم، وإحياءً للمنهج، وتوسيعًا لدائرة الانتفاع بتراث إمام أفنى عمره في التعليم والدعوة وخدمة الأمة.