يتجه الفيلم الوثائقي «نازا» إلى دور السينما الأمريكية، حاملاً شهادات جنود ومسئولين صهاينة سابقين بشأن عمليات الاستهداف في قطاع غزة، وما يقول صنّاعه إنها تكشفه عن آليات اختيار الأهداف واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي خلال الحرب.
ويأتي عرض الفيلم في الولايات المتحدة في وقت يتواصل فيه الجدل بشأن الدعم العسكري والسياسي الأمريكي لكيان الاحتلال الصهيوني، وفي ظل تصاعد الانتقادات الحقوقية الدولية للحرب على غزة وما رافقها من قتل واسع ودمار وقيود على إدخال المساعدات.
أكثر من 100 شهادة من داخل المؤسسة العسكرية
ويستند «نازا» إلى شهادات أكثر من 100 مصدر سري، بينهم عسكريون سابقون، تحدثوا عن عمليات شاركوا فيها أو شاهدوها خلال الحرب، فيما أخفيت هوياتهم وأصواتهم خشية تعرضهم للانتقام.
ويظهر عدد من المشاركين في الفيلم وهم يرسمون على الورق آليات عمل أنظمة الاستهداف التي يتحدثون عنها، فيما يؤكد صنّاع العمل أن الشهادات خضعت لعملية تحقق، وأن أصحابها طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم.
ويطرح الفيلم، وفق ما أورده المشاركون فيه، تفاصيل بشأن استخدام أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لمعالجة كميات ضخمة من بيانات المراقبة في غزة، واقتراح أهداف يشتبه الاحتلال بارتباطها بحركة حماس، إلى جانب أنظمة أخرى قيل إنها تقترح مباني ومنشآت يمكن استهدافها.
وبحسب الشهادات، أسهمت هذه الأدوات في إنشاء قواعد بيانات تضم عشرات الآلاف من الأهداف، فيما تحدث أحد المصادر عن عملية استهداف قال إن الموافقة عليها صدرت رغم تقديرات باحتمال سقوط نحو 500 مدني خلالها.
في المقابل، ينفي جيش الاحتلال هذه الرواية، ويقول إن أدوات الذكاء الاصطناعي لا تتخذ قرارات القصف بصورة مستقلة، وإن اختيار الأهداف يخضع لضباط استخبارات، بينما يتولى القادة الميدانيون القرار النهائي بشأن تنفيذ الضربات.
كما يؤكد جيش الاحتلال أن قواعد الاشتباك تفرض، وفق روايته، التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وأنه يتخذ إجراءات للحد من الخسائر في صفوف المدنيين.
شهادات جديدة تعيد فتح ملف الاستهداف
ولا تقتصر أهمية «نازا» على كشف معلومات لم تكن معروفة من قبل، إذ تأتي شهاداته في سياق سلسلة من التحقيقات الصحفية الصهيونية والدولية التي تناولت آليات الاستهداف واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي خلال الحرب على غزة.
وسبق أن تناولت تحقيقات صحفية استخدام تقنيات متقدمة لتحليل المعلومات وتحديد الأهداف، كما نشرت وكالة "أسوشيتد برس" تحقيقات حول استخدام الاحتلال نماذج ذكاء اصطناعي طورتها شركات تكنولوجيا أمريكية خلال الحرب، ضمن سلسلة تقارير حازت لاحقًا جائزة بوليتزر في فئة التقارير الدولية.
وأثار استخدام هذه التقنيات في الحرب جدلًا واسعًا، وصل إلى شركات التكنولوجيا نفسها؛ إذ قلّصت شركة "مايكروسوفت" وصول جيش الاحتلال إلى بعض منتجاتها في أعقاب الجدل المتعلق باستخدام التكنولوجيا في العمليات العسكرية.
من مهرجان فينيسيا إلى الشاشات الأمريكية
وكان «نازا» قد تم عرضه للمرة الأولى في مهرجان فينيسيا السينمائي، حيث حظي بتصفيق استمر نحو 25 دقيقة، قبل أن ينتقل الجدل الذي أثاره إلى الداخل الصهيوني.
ويواجه مخرجا الفيلم، يوفال أبراهام وراشيل زور، انتقادات وضغوطًا داخل الكيان الصهيوني، فيما وصف رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الفيلم بأنه "معادٍ للسامية"، بينما هدد وزير صهيوني بسحب الجنسية من صانعيه.
وقال أبراهام إنه يخشى ألا يتمكن من العودة إلى "إسرائيل”.
وخلال عرض الفيلم في مهرجان نيويورك السينمائي، تجمع متظاهرون خارج القاعة ورفعوا صورًا لهجوم 7 أكتوبر 2023. وأدان أبراهام الهجوم، لكنه شدد على أن ذلك لا يبرر، وفق موقفه، قتل المدنيين في غزة أو سقوط ضحايا في مواقع توزيع المساعدات.
الفيلم يفتح ملف المسئولية الأمريكية
غير أن «نازا» لا يكتفي بعرض شهادات من داخل المؤسسة العسكرية الصهيونية، إذ يحاول صنّاعه نقل النقاش إلى مستوى آخر، يتمثل في مسئولية الولايات المتحدة عن الحرب، بالنظر إلى الدعم العسكري والسياسي الذي قدمته واشنطن لـ”إسرائيل”.
ويقول أبراهام إن العمليات العسكرية للاحتلال ما كانت لتتم بالشكل ذاته من دون الدعم الدبلوماسي والعسكري الأمريكي، داعيًا الجمهور الأمريكي إلى النظر في الدور الذي لعبته حكومته في الحرب على غزة.
وتشير دراسة أكاديمية نُشرت العام الماضي إلى أن إدارتي جو بايدن ودونالد ترمب قدمتا ما لا يقل عن 21.7 مليار دولار من المساعدات العسكرية للكيان الصهيوني خلال أول عامين من الحرب.
ويأتي ذلك في ظل استمرار الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن الحرب على غزة، وسط اتهامات حقوقية لكيان الاحتلال بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الفلسطينيين، بينها اتهامات بالإبادة الجماعية، على خلفية حجم القتل والدمار والقيود المفروضة على دخول المساعدات.
عرض محدود.. ثم وصول أوسع للجمهور
ويتم عرض «نازا» في الولايات المتحدة من دون موزع سينمائي تقليدي، وبدأ عرضه في مركز “IFC” بمدينة نيويورك، بدعم من شركة الإنتاج والتوزيع الفرنسية المستقلة “MK2”.
ومن المقرر أن يصل الفيلم في 9 أكتوبر إلى مدن أمريكية أخرى، بينها أوستن وشيكاغو ولوس أنجلوس وسياتل، على أن يصبح متاحًا مجانًا عبر موقع صحيفة "الجارديان" في أواخر نوفمبر.
وتأتي هذه الخطوة بعد تجربة المخرجين ذاتها في فيلم «لا أرض أخرى»، الذي عُرض ذاتيًا في الولايات المتحدة وحقق أكثر من 2.5 مليون دولار في شباك التذاكر المحلي بعد فوزه بجائزة الأوسكار.
وبالنسبة إلى صنّاع «نازا»، فإن وصول الفيلم إلى الجمهور الأمريكي لا يتعلق فقط بعرض شهادات جنود جيش الاحتلال عن الحرب، بل بمحاولة وضع الدعم الأمريكي للحرب على غزة أمام جمهور تموّل حكومته جانبًا من العمليات العسكرية الصهيونية، وفتح نقاش أوسع حول ما جرى للفلسطينيين خلال سنوات الحرب.