الحمد لله رب العالمين، وليِّ المؤمنين، ونصير العاملين، عَزَّ من التجأ إليه، وانتصر من احتمى بحماه، والصلاة والسلام على سيد البشر وخير الرسل، وناصح الأمة إلى سبيل عزها ومجدها، وبعد:
تمر أمتنا الإسلامية اليوم بمرحلة اشتدت فيها المحن وتكالب عليها الأعداء، وانتشرت مشاريع الهدم والإضعاف، وقد آن للأمة أن تواجه هذا الواقع؛ إذ لا مخرج من الملمات سوى أن تتمسك بعزتها، وتنهض بدورها، وتقوم بواجبها في استقلال إرادتها وتحرير أوطانها، مستشرفة مكانها الصحيح بدفع الظلم وحماية المقدرات؛ ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 251].
لقد مرت أمتنا الإسلامية منذ عصرها الأول بأحداث جسام، وخاضت معارك فاصلة في مواجهة الطغيان، فلم تتخلَّ في أحلك الظروف عن كرامتها، أو تنزع عنها رداء الإباء. ففي مثل هذا الشهر الفضيل –جمادى الأولى– سنة 8 هجرية، أرسل رسول الله ﷺ الصحابيَّ الجليل الحارث بن عمير الأزدي إلى بصرى الشام ليبلغ رسالة الإسلام، وما إن وصل حتى أمر حاكم بصرى شرحبيل بن عمرو الغساني بقتله، فلما بلغ ذلك النبيَّ ﷺ، أمر بتجهيز جيش ردًا على هذه الجريمة النكراء.
وقد تجهز للغزوة حينها ثلاثة آلاف مقاتل، وأمَّر النبي ﷺ عليهم زيد بن حارثة، وقال: «إن قُتل زيد فجعفر، وإن قُتل جعفر فعبد الله بن رواحة»، وقد واجهوا جيشًا قيل إن عدده بلغ مائتي ألف مقاتل؛ منهم مئة ألف من الروم، ومئة ألف من حلفائهم من قبائل العرب. وما كان للمسلمين أن يواجهوا كل هذه الأعداد إلا بقوة الإيمان التي تغلغلت في القلوب، وبعزة المؤمن وحميته على دينه وعرضه، واليقين بنصر الله عز وجل.
إن أمتنا اليوم حَرِيٌّ بها أن تستدعي سنن ربها، وتأخذ بكل الأسباب المؤدية للوحدة والاعتصام بحبل الله؛ لتحرير الأوطان والمقدسات من كل محتلٍ، والعمل الدؤوب دون يأس حتى يأتي الله بأمره ويتنزل عليها نصره.
أمتنا ومكامن العزة
لقد جُبلت أمتنا على مكامن العزة؛ فكما كانت في تاريخها التليد، أبت في تاريخها الحديث أن تخضع لقوى الاستكبار العالمي، فقاومت كما ينبغي لها أن تقاوم، ورفضت أن تُهان كرامتها، أو تُنتهك سيادتها، أو تُسلّم مقدراتها لغيرها. وكيف لها أن تفعل وقد سمعت قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8]، وسمعت قول الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: 10]؟!
وقد وضع الإمام حسن البنا مَعْلَمًا وَاضِحًا من معالم المشروع الإسلامي لنهضة هذه الأمة، ركز فيه على مسار تحرير الأوطان جنبًا إلى جنب مع مسار العمل الدعوي في بناء الفرد والأسرة والمجتمع، وجنبًا إلى جنب مع مسار العمل السياسي؛ حيث طالب الأمة في رسالة المؤتمر الخامس بالانخراط في: «تحرير الوطن بتخليصه من كل سلطان أجنبي غير إسلامي؛ سياسي أو اقتصادي أو روحي»، لِأَنَّ أَيَّ جُهْدٍ دعوي أو حراك سياسي سيبوء بالفشل ولن يؤتي ثمره أو يحقق مراده في ظل أي احتلال أجنبي.
وخلال تاريخها، بذلت جماعة "الإخوان المسلمون" جهودًا كبيرة في مواجهة الاحتلال الأجنبي، فقدمت أروع البطولات في مقاومة الاحتلال البريطاني في مصر، والاحتلال الصهيوني في فلسطين، بل وساندت كافة الشعوب العربية والإسلامية التي تعرضت للاحتلال؛ إدراكًا منها بأن تحرير الأوطان هو البداية الحقيقية لإعادة بناء الأمة وانطلاقتها نحو الاستقلال والريادة الحضارية.
إن اهتمام الأمة الإسلامية بالتحرر من قيود الاستعمار ورفض الاحتلال الأجنبي، وَعَدَّهُ قيدًا يتوجب كسره وحاجزًا ينبغي تخطيه، إنما هو حق ثابت أقرته كل الأديان والشرائع، وحظي بحضور واضح في كل المواثيق والقوانين الدولية، وهو ما ينسجم مع الفطرة الإنسانية السوية التي تأبى القيد، وتسعى إلى التحرر من ربقة الاستعباد والهيمنة.
بين نصر مبين وتطبيع ذليل
لقد كانت العزة هي الخيار الوحيد لدى الأمة الإسلامية عبر تاريخها؛ وَاقِعًا مَعِيشًا وحقيقة وافرة لا تخطئها عين ولا يحول دون إدراكها حجاب. وفي معارج التاريخ أيام فارقة لا تقاس بالأيام والأعوام، بل بما تُحدثه من تغيير في مسار الشعوب وما تحفره في وجدان الأمم.
ولم تكن تلك الأيام تاريخًا يَنْدَرِسُ، بل إن تاريخنا الحديث شهد صولات أضفت على هذا التاريخ نضارة ، فجددت رونقه وزادته بهاءً؛ فقد شهد تاريخنا الحديث صفحاتٍ ناصعة البياض كتبت بدماء الشهداء، كان في مقدمتها ملحمة "أكتوبر 1973"، التي لم تكن مجرد معركة عسكرية بين جيشين، بل كانت تجسيدًا حيًا لإنهاء أسطورة "الجيش الذي لا يقهر"، في لحظة التحمت فيها إرادة الشعب الأبي مع جهاد الجنود البواسل على ضفاف قناة السويس وفي خطوط المواجهة.
ولكن هيهات لهذه اللحظات المباركة أن يترك المبطلون الشعوبَ تتنفس عبقها وتستكمل بها طريقها، حيث قطعته انحرافات البوصلة تحت دعاوى التطبيع المذل؛ ففي عام 1978م تم توقيع اتفاقية "كامب ديفيد"، تلتها في عام 1979م اتفاقية السلام بين مصر والكيان الصهيوني، تهوينًا للتفاهمات مع المحتل. وفي السنوات الأخيرة جاءت موجة جديدة من التطبيع تحت شعارات واهية وخيالات مريضة وانحرافات فكرية وعقدية، فيما يسمى بـ "الاتفاقات الإبراهيمية"، والتي انضمت إليها أربع دول عربية هي: الإمارات، والبحرين، والمغرب، والسودان؛ ليصبح التطبيع تحالفًا صريحًا على حساب تضحيات الشعوب.
ورغم كل هذا الهوان بقيت للأمة صفحات من نور سطرها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23]، حيث انطلق الفلسطينيون يذودون عن حياض وطنهم ويدافعون عن شرف أمتهم بما يملكون، وما يملكون إلا القليل بعد أن تخلى عنهم القريب والبعيد؛ فكانت انتفاضة الحجارة عام 1987م (أو ما عُرف بأطفال الحجارة)، وكانت انتفاضة الأقصى عام 2000م، وصولًا إلى "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023م، في وقت كانت فيه مسارات التطبيع قد شهدت توسعًا ملحوظًا؛ الأمر الذي أعاد قضية الاحتلال والقضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد الإقليمي والدولي، مما يؤكد أن الشعوب ستقاوم الاحتلال مهما قلت إمكاناتها ومهما انفض عنها من كان يجب أن يقف بجوارها.
تحية إلى الصامدين خلف القضبان
وفي مصر، شهد المجال العام منذ الانقلاب العسكري تضييقًا غير مسبوق، وطالت الاعتقالات والمحاكمات قطاعات واسعة من المعارضين والنشطاء من كافة التيارات السياسية والفكرية ممن سعوا لنهضة أوطانهم واستقلال إرادتها، في ظل مناخ سياسي قاتم قيد المجال العام، وحجب حرية التعبير، وصادر كل رأي؛ فاكتظت السجون بالمخلصين من أبناء الوطن، وامتلأت بالمجاهرين بكلمة الحق والرافضين للظلم والساعين لإصلاح بلادهم.
لقد فاض الكيل بهذه النخبة الصابرة من المعتقلين أمام تعنت سلطة تأبى أن تعطي لهم حق الحياة، وتمنع عنهم أدنى الحقوق، وتفتح أمامهم مدد الاعتقال والحبس الاحتياطي لآماد غير منظورة، فكانت صرختهم التلقائية عالية مدوية في حركة الإضرابات الأخيرة؛ تؤكد أن نفوسهم التي أبت أن تصمت أمام الباطل خارج السجون لن تقبله داخلها، وأن التمادي في الظلم لن يكسر إرادتهم ولن يفلح في طمس معالم الجريمة التي ترتكب بحقهم.
وإلى هذه الثلة من الصامدين خلف القضبان، ممن قدموا التضحيات ودفعوا ضريبة الجهر بكلمة الحق فحُرموا حق الحياة، نقول لهم: إن ظلام السجون سيتبدد يومًا بضياء الحرية، وإن نورًا تتبدى ملامحه في نهاية النفق، فنحن أمة لا تعرف اليأس؛ ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87]، وإن عتمة الزنازين لن تطول، وستبقى معاناتكم شعلة في سويداء قلوبنا وقلوب أحرار العالم حتى تنكسر أغلال الظلم.
وعلى من يحملون قضية المعتقلين أن يواصلوا العمل السلمي والقانوني والإعلامي، والتعريف بأوضاعهم، والدفاع عن حقوقهم في المحافل الوطنية والإقليمية والدولية، مستفرغين الوسع في خدمة قضيتهم، بعيدًا عن اليأس أو الاستسلام، مستعينين بحول الله وقوته، إلى أن يأتي الفرج وتشرق شمس الحرية والعدالة من جديد؛ قال تعالى: ﴿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: 20]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21]. لقد علمتنا التجارب أن الظلم مهما طال لا يصنع استقرارًا دائمًا، وأن الأوطان التي تريد مستقبلًا أكثر أمنًا واستقرارًا تحتاج إلى مصالحة مجتمعية حقيقية، وإلى احترام الحقوق، وإلى قدرة على استيعاب الاختلاف بدل تحويله إلى خصومة دائمة.
خاتمة
إن العزة التي يمنحها الإسلام، والمخزون القيمي والروحي الذي يهبه لأتباعه، ليملأ الدنيا بكل معاني الحق والقوة والحرية، ويضيء مشاعل الكرامة للبشرية مهما أمعن الطغاة في الظلم والاستبداد. وإن التضحيات التي يقدمها الأحرار في سبيل الحق والعدل والحرية لا ينبغي أن تضيع، بل ينبغي أن تتحول إلى وعي، وإلى عمل، وإلى إصرار على بناء مستقبل أكثر عدلاً وكرامة؛ وأن الأمة التي تعرف قدرها، وتدرك مواطن ضعفها وقوتها، وتتمسك بقيمها، وتستفيد من دروس تاريخها، تستطيع أن تستعيد ثقتها بنفسها، وأن تصنع لنفسها مكانًا أكثر استقلالًا وتأثيرًا في عالم سريع التحول؛ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143]، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: 18]، ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40].
وفي نهاية الطريق، يبقى اليقين بالله، والعمل من أجل الحق، والصبر على الطريق، من أعظم ما تحتاجه الأمة في مواجهة محنها؛ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: 51].
والله أكبر ولله الحمد،،،
أ. د. محمود حسين
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة " الإخوان المسلمون "
الأحد 30 من ربيع ثاني 1448 هجرية - الموافق 11 من أكتوبر 2026م