محمد أعظم الندوي
كلما خطر بذهني شيخنا الجليل، الأديب الأريب، العبقري العصامي، فارس لغة الضاد ورائد الصحافة العربية الإسلامية في الهند، فضيلة الدكتور الشيخ سعيد الرحمن الأعظمي الندوي رحمه الله، جرى على لساني بيت من أبيات العلامة محمد إقبال، وكأنه صيغ في وصفه، وأفرغ في قالب حياته:
مرا ساز اگرچہ ستم رسیدۂ زخمہ ہائے عجم رہا
وہ شہیدِ ذوقِ وفا ہوں میں کہ نوا مری عربی رہی
(وإن ظلت قيثارتي تعاني من مضاريب العجم، ولكنني شهيد ذوق الوفاء، إذ ظلت نغمتي عربية)
وما أحسبني أبعدت النجعة إذا قلت: إن هذا المعنى كان عنوان حياته؛ فقد ولد في أرض الهند، ونشأ في ربوعها، وتلقى العلم في مدارسها، وورث تقاليد أسرة من أسرها العلمية، غير أن العربية ملكت عليه قلبه ولسانه، وأخذت بمجامع نفسه، فكانت لغة فكره وقلمه، وميدان أدبه وصحافته، ووسيلة تعليمه ودعوته؛ حتى صارت له، مع طول الصحبة وكثرة المران، كالسليقة الثانية، فقد رضع لبان العربية، وأشرب قلبه حبها، فنشأ عليها، وشب في أحضانها، ولقد شاء الله أن تكون ندوة العلماء، التي آوته طالبا ثم احتضنته أستاذا وأديبا ومربيا، منطلقا لصوتين عربيين كان له بهما أوثق الصلات: «الرائد» و«البعث الإسلامي»؛ فكان للرائد من اسمه نصيب في مسيرته، وكان للبعث من معناه حظ في رسالته؛ صحب الأول تحريرا وكتابة، وحمل لواء الثاني عقودا متطاولة، حتى غدا هو نفسه رائدا للبعث، وبعثا متجددا للعربية في أرض العجم، ومن هنا لم يكن عنوان هذه الكلمات مجرد وصف لرجل أو ذكر لمنصب تقلده، بل فيه تلميح إلى صحيفتين عربيتين خرجتا من رحاب الندوة، وامتد أثرهما في العالم العربي والإسلامي، وكان الشيخ من رجالهما، ثم أصبح أحد أبرز الوجوه التي اقترن بها تاريخهما، ولقد وهب الشيخ ندوة العلماء بكافة مناحيها وبخاصة مجلة البعث الإسلامي زهرة عمره وكهولته وشيخوخته، حتى تداخل تاريخ الرجل وتاريخ المجلة، وأصبح ذكر أحدهما يستدعي الآخر:
أبى الله إلا رفعه وعلوه
وليس لما يعليه ذو العرش واضع
وكان بلا أدنى شك أديبًا لا يشق له غبار، صاحب ذوق سليم، وقلم سيال، تأتيه العبارة عفوا، ويطاوعه البيان من غير تكلف، إذا كتب أعرب، وإذا تحدث أبان، وإذا ترجم لم ينقل كلمة من لغة المصدر إلى كلمة من لغة الهدف، بل نقل روحًا إلى روح؛ وغاية إلى غاية، وكان أسلوبه ثمرة طول مراسه بالعربية وعيون أدبها؛ يمتاز بجزالة اللفظ من غير غرابة، ورصانة التركيب من غير تعقيد، ووضوح المعنى من غير ابتذال، وكان يحسن اختيار المفردة ووضعها في موضعها، ويوازن بين طول الجملة وقصرها بحسب مقتضى المقام، ويؤثر الإيجاز حيث يغني، والبسط حيث يقتضيه المعنى، مع عناية بجرس الألفاظ وانسجام الفواصل، وقد استفاد من أساليب القدماء من غير أن يقع في أسر التقليد، واستوعب لغة العصر من غير أن ينحدر إلى الصحفية العابرة؛ فاجتمع في نثره أصالة العربية، وسلامة الذوق، وقوة البيان، وسهولة الأداء، وكأن لسان حاله يقول:
ولستُ بنحويٍّ يلوك لسانه
ولكن سليقيٌّ أقولُ فأعربُ
كان مولده في الرابع عشر من مايو سنة 1934م بقرية «إله دادفوره» من بلدة مئو، وكانت يومئذ من أعمال أعظم كره، ونشأ في بيت ضرب في العلم بسهم وافر؛ فأبوه الشيخ محمد أيوب الأعظمي بن الشيخ محمد صابر كان محدثًا فاضلًا، تخرج في دار العلوم بديوبند، ثم ولي إدارة جامعة مفتاح العلوم نحو خمس وعشرين سنة، وتصدر بها لتدريس الحديث نحو عشر سنين، ودرّس في دار العلوم لندوة العلماء مدة، ثم انتقل إلى جامعة تعليم الدين بدابيل من ولاية غجرات، فلبث شيخًا للحديث فيها إحدى وعشرين سنة إلى أن توفي سنة 1984م. فنشأ الشيخ سعيد الرحمن الأعظمي والعلم يكتنفه من جانبيه، والكتاب قريب من يده، ومجالس العلماء مألوفة لسمعه وبصره؛ ويعاونه على التعليم أخوه الشيخ الحكيم عزيز الرحمن الأعظمي وغيره من أفراد عائلته وتلاميذ أبيه.
وأتم دراسته العالية بجامعة مفتاح العلوم في مئو، فأتم قراءة الكتب الستة على أبيه الشيخ محمد أيوب، وعلى المحدث الكبير الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، والشيخ عبد اللطيف النعماني، وفرغ من دراسته بها في حدود سنتي 1950 و1951م، وكان الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي ممن كان لهم أثر بيّن في تكوينه، فقد قرأ عليه بعض كتب العربية وآدابها، ثم كان الانتقال إلى ندوة العلماء طورًا جديدًا في حياته؛ فالتحق بدار العلوم لندوة العلماء سنة 1952م في السنة الأولى من الدراسات العليا بقسم الأدب العربي، وجد في التحصيل، وأقبل على العربية إقبال المحب لا إقبال المكلف، حتى انتخب في السنة الثانية أمينًا عامًا للنادي العربي، وأخذ في الندوة عن طائفة من شيوخها، منهم المفتي محمد سعيد، والشيخ عبد الله عباس الندوي، والشيخ عبد الحفيظ البلياوي، والشيخ أبو العرفان خان الندوي، والمحدث شاه حليم عطاء، والشيخ محمد إسحاق الصديقي السنديلي، والشيخ محمد سميع الصديقي، والشيخ السيد محمد رابع الحسني الندوي، رحم الله الجميع، فكلهم في عداد الراحلين، وكانت له مع ذلك صلة خاصة بالإمام أبي الحسن علي الحسني الندوي؛ إذ لم يكن الإمام متفرغًا يومئذ للتدريس النظامي، لكن الشيخ يستفيد منه شخصيا، ويصغي إلى لغته وبيانه، ويلتقط منه دقائق العربية والأدب والبلاغة، فبدأت بين الشيخ والتلميذ صحبة لم تنقطع بانتهاء أيام الطلب، بل امتدت نحو نصف قرن، وأصبح أبو الحسن في حياته أكثر من أستاذ، وأصبحت هذه الصحبة مدرسةً قائمة بنفسها، ثم وفى التلميذ لشيخه بعد موته، وكتب ذكرياته معه في كتابه الأردي «48 سال شفقتوں کے سائے میں» (ثمانية وأربعون عامًا في ظلال العطف والرعاية)،
ثم التحق بقسم التكميل، وكانت الدراسة فيه يومئذ على قدر عال من السعة والعمق؛ وقرأ إلى جانب ذلك في التفسير والفكر الإسلامي ما وسع أفقه وربط الأدب عنده بالحياة والفكر، وكان وهو طالب في هذا القسم يدرس طلاب المرحلة الثانوية أربع حصص، وربما بلغت حصصه خمسًا أو ستًّا في اليوم، فاجتمع له التحصيل والتعليم في سن مبكرة؛ يقرأ ليعلّم، ويعلّم فيزداد قراءة، ويصحح للطلاب فيزداد هو نفسه إحكامًا للعبارة، وهكذا نشأ أستاذًا قبل أن ينتهي من طور التلمذة، وأديبًا قبل أن يتخذ الأدب مهنة، وكان هذا الجمع بين الدرس والتدريس من أسرار رسوخ العربية عنده؛ فإن اللغة التي لا تخرج من الكتاب إلى اللسان والقلم تبقى علمًا، أما إذا طال بها التدريس والكتابة والمحادثة صارت ملكة.
ثم كانت رحلته إلى بغداد سنة 1958م فصلًا بديعًا من فصول تكوينه؛ فقد بعثه الإمام أبو الحسن الندوي إلى العراق ليستفيد من العلامة المغربي الدكتور تقي الدين الهلالي المراكشي، فلبث عنده أحد عشر شهرًا، ولازمه ملازمة الطالب النهم لأستاذ وجد عنده بغيته، وقد ذكر الشيخ نفسه أن غرضه الأكبر من تلك الصحبة كان النحو والأدب والعربية، وأن الهلالي لما رأى حرصه وضع له برنامجًا خاصًّا، فقرأ عليه «شرح شذور الذهب» لابن هشام قراءة تحقيق وإعراب، يتتبع فيها دقائق الوجوه النحوية، وفروق المعاني، وما للنحو من أثر في بلاغة الكلام وصحة التعبير، وقرأ عليه «ديوان الحماسة»، وصحبه إلى الجامعة، وحضر دروسه في الحديث والتفسير ومحاضراته في العربية واللغة والإعراب، وكان يلازمه حتى يأذن له بالانصراف، فخرج من بغداد وقد زادت العربية عنده رسوخًا، والتقى علم الكتاب بحياة اللسان، واجتمع له ما تلقاه في الندوة من ذوق الأدب بما أخذه عن الهلالي من التحقيق اللغوي ودقة الإعراب، فاستقام له من ذلك مزاج خاص ظل يعرف به بقية عمره.
وكان رحمه الله من أفقه من عرفت باللغة وأسرار استعمالها؛ لا تمر به الكلمة فلا يسأل عن ضبطها وبنيتها وموقعها، ولا يرضى من المترادفات بمجرد تقارب المعنى، بل يتتبع الفروق بينها، ويعرف لكل لفظة موضعها وظلها وجرسها، وكان غزير الأدب، كثير الاستحضار للشعر والشواهد، واسع الاطلاع على القديم والحديث، حتى كانت العربية تجري منه مجرى الطبع، وربما كان يتكلم بالأردية فتخال العربية تنازعه لسانه، ولهذا كان نسيج وحده في الترجمة وفقه اللغة؛ لا يترجم اللفظ وإنما يترجم مراد صاحبه، ولا يحمل العبارة العربية على أعناق التراكيب الأعجمية، وإنما يعيد إنشاء المعنى في العربية حتى يخرج كأنه ولد فيها، ومن هنا كان عمله في الترجمة جزءًا من رسالة أوسع، هي تعريف العالم العربي بالثروة الفكرية والدعوية التي أنتجتها الهند المسلمة، فنقل إلى العربية مؤلفات لعدد من كبار علماء شبه القارة، وفي مقدمتهم الإمام أبو الحسن علي الحسني الندوي، والشيخ محمد زكريا الكاندهلوي، والشيخ محمد منظور النعماني، والمفتي محمد شفيع العثماني، ومن آثاره في ذلك: «أسباب سعادة المسلمين وشقائهم»، و«منهج الدعوة في الإسلام»، والجزء الثاني من «رجال الفكر والدعوة في الإسلام»، و«صورتان متضادتان»، و«القرن الخامس عشر»، و«القرآن يتحدث إليكم»، و«توزيع الثروة في الإسلام». فكان بقلمه جسرًا بين مدرستين ولسانين، ينقل فكر الهند إلى العرب، ويقرب العرب وثقافتهم إلى طلاب الهند.
وأما مجلة «البعث الإسلامي» فحديثها حديث عمره؛ فقد عرفها في شبابها، وشهد نشأتها، وكان من المشاركين في الحركة الأدبية التي قام بها السيد محمد الحسني الندوي من خلال «المنتدى العربي»، ثم ارتبط بالمجلة منذ صدورها سنة 1955م، حتى آل إليه أمر تحريرها بعد وفاة السيد محمد الحسني سنة 1979م، فظل رئيسًا لتحريرها إلى أواخر حياته، وعمل كذلك في «الرائد»، وعرف قراؤها قلمه من خلال «كلمة الرائد» وغيرها، وكانت «البعث الإسلامي» عنده رسالةً لا وظيفة، وصحبةً لا صناعة؛ عاش همها، وتعهد موادها، وصحح لغتها، واختار موضوعاتها، وحافظ على مواعيدها، حتى كان انتظام صدورها شاهدًا على انتظام حياته. وتعاقبت عليه في رئاسة تحريرها أحداث جسام، وتحولات سياسية وفكرية واجتماعية هائلة، فظل يتابع العالم الإسلامي متابعة من لا يحصر نفسه في جدران مكتبه، عارفًا برجاله ومؤسساته وقضاياه واتجاهاته.
وكان مع غزارة عمله الصحفي بعيدًا كل البعد عن الفراغ؛ فلم يكن قط أفرغ من حجّام ساباط، بل كان دائمًا أشغل من ذات النحيين؛ تتلو المهمة مهمةٌ أخرى، ويتبع العملَ عملٌ، ومع ذلك لم تمنعه كثرة الأشغال من أن يجعل لتلاوة القرآن حظًّا ثابتًا من يومه؛ فكان القرآن من أوراده التي لا يكاد يخل بها، وظلت صلته بكتاب الله من أرسخ عادات حياته، ولم يكن اشتغاله بالعربية والأدب على حساب هذه الصلة، بل لعل ما كان في أدبه من رصانة، وفي حياته من ثبات، وفي نظرته من توازن، كان يستمد شيئًا من تلك الصحبة اليومية للقرآن.
ثم أراد في السبعينيات أن يتم دراسته للدكتوراه في الأزهر الشريف، فسافر إلى مصر وسجل لذلك، غير أن أعمال الندوة ومسؤولياتها لم تسمح له بطول المقام، فعاد إلى الهند، واستشار الإمام أبا الحسن الندوي، فأشار عليه أن ينجز بحثه في ندوة العلماء، وكان قد فكر أولًا في موضوع «الإمام أحمد بن عبد الرحيم المعروف بولي الله الدهلوي أديبًا إسلاميًّا»، ثم استقر رأيه على «شعراء الرسول في ضوء الواقع والقريض»، فأعد أطروحته بإشراف الشيخ السيد محمد رابع الحسني الندوي، وأتمها سنة 1992م، وشارك في مناقشتها أساتذة من الجامعة الإسلامية في عليكره وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، ومنح عليها درجة الدكتوراه، ثم خرج البحث كتابًا باسم «شعراء الرسول»، وصار من الكتب المقررة في الندوة، وله من المؤلفات العربية، إلى جانبه، «ساعة مع العارفين»، و«صور من واقع الدين»، و«جاهلية اللغة وجنايتها على الدين والإنسانية»، و«أحمد بن عرفان المجاهد الشهيد»، و«ندوة العلماء تواجه التحدي الكبير»، و«الدعوة الإسلامية: منجزات، مشكلات، طرق المعالجة»، وغيرها. وله بالأردية «48 سال شفقتوں کے سائے میں» (ثمانية وأربعون عامًا في ظلال العطف والرعاية)، و«علم التصریف» (علم الصرف)، و«خطبات علم ودعوت» (خطب في العلم والدعوة)، و«اسوۂ نبوی کے آئینے میں» (في مرآة الأسوة النبوية). وهذه الآثار، على كثرتها وتنوعها، ليست إلا جانبًا من حياته؛ فإن بعض العلماء تكون أكبر كتبهم تلاميذهم، وكانت له في الرجال صفحات لا تقل قيمة عن صفحاته المطبوعة.
ودخل ندوة العلماء طالبًا ثم أصبح من كبار أساتذتها، وتولى رئاسة كلية اللغة العربية وآدابها من سنة 1993م إلى سنة 1999م، ثم نهض بالمسؤوليات العليا في دار العلوم، وبقي قائمًا على خدمتها إلى أواخر عمره، فظلّ مديرا لدار العلوم التابعة لندوة العلماء منذ 2000م إلى أن توفي، وكان مستشارًا لجامعة إنتغرال بلكناؤ ومن أكبر مؤسسيها، واتصل برابطة الأدب الإسلامي العالمية وبمؤسسات علمية وتعليمية متعددة، ونال سنة 1994م جائزة رئيس الجمهورية في الهند لخدمته اللغة العربية، غير أن جانبًا من خدمته لندوة العلماء قلّ أن تكشف عنه قوائم المناصب، فقد كانت له صلات واسعة بأهل الخير والمؤسسات الخيرية في الكويت وغيرها من البلاد، وكانت تزكياته عند الجمعيات الخيرية وأهل اليسار وأرباب الأموال موضع ثقة وقبول كبير لما عرفوا فيه من صدق اللهجة، وتحري الحاجة، وبعد عن التكسب الشخصي، وكان لندوة العلماء نفسها نصيب وافر من تلك الصلات، فكان يسعى لها كما يسعى المرء لبيته، ويستعين بما رزقه الله من ثقة أهل الخير في تقوية المؤسسة التي أفنى عمره فيها، وهذا باب من حسناته لا يظهر في مؤلفاته، ولكنه عند من عرف شؤونه من أجل أبواب نفعه، فكان سخي الكف كما كان واسع النفس؛ لا يضيق بحاجة صاحب حاجة.
وكان فوق ذلك رجل المحراب؛ أمّ الناس وخطب في جامع ندوة العلماء أكثر من نصف قرن، حتى صار صوته جزءًا من ذاكرة المسجد، وصورته في محرابه من معالم الندوة، ووراء عبارة «خمسون عامًا في الإمامة» عمر كامل: آلاف الصلوات، ومئات الجمع، وعشرات الرمضانات، وأجيال من الطلاب دخلت الندوة وهي في مقتبل الشباب، فصلت خلفه، ثم تخرجت وعادت بعد أعوام علماء ومدرسين ودعاة، وهو لا يزال قائمًا في محرابه، وكانت خطبه عربيةً سليمة، لا يتكلف فيها بالغريب، ولا ينزل بها إلى الركيك، وكان ندوي السمت كما كان ندوي الفكر؛ حافظا على «شيروانيّه» وهيئته ووقاره إلى آخر حياته، فكان إذا أقبل ذكّرك بجيل من العلماء كانت الأناقة عندهم نظافة وترتيبًا لا مباهاة، وكان الوقار طبيعة لا تصنعًا، وقد يصير لباس الرجل مع طول الملازمة جزءًا من ذاكرة المكان، حتى إن من عرف الشيخ لا يكاد يستحضر صورته إلا في ذلك الزي الذي عُرف به رجال الندوة.
وكان في تدريس العربية وآدابها، وعلوم البلاغة من المعاني والبيان والبديع، والتعبير والإنشاء، طويل الباع، راسخ القدم، يجمع إلى غزارة العلم دقة الذوق، وإلى إحكام القاعدة روعة التطبيق، فيجلو غوامض المعاني، ويكشف أسرار البيان، ويربي في تلامذته ملكة التعبير وسليقة الإنشاء، حتى لا يخرج الطالب من درسه حافظا للقواعد فحسب، بل ذواقا للعربية، مستقيما لسانه، مطاوعا له قلمه.
ومما يجدر بالذكر أن الأستاذ الدكتور محمد فرمان الندوي أستاذ الأدب العربي والفكر والدعوة بدار العلوم ندوة العلماء ورئيس تحرير مجلة البعث الإسلامي المنتخب أفرد سيرة شيخه في كتاب موسوعي بعنوان «الشيخ سعيد الرحمن الأعظمي الندوي: حياته وآثاره»، يقع في نحو خمس مئة وخمسين صفحة وستة أبواب، استوعب فيها نشأته وتكوينه العلمي، وجهوده في التعليم والتربية والإدارة، وخدمته للعربية وآدابها، وإنتاجه العلمي والفكري والصحفي، وخصائص أسلوبه ومنهجه في التدريس، ونال بهذه الدراسة درجة الدكتوراه من جامعة لكناؤ، وللكتاب قيمة خاصة؛ إذ قضى مؤلفه مع الشيخ نحو ربع قرن تلميذا نجيبا ومساعدا ملازما، فأتاحت له طول الصحبة أن يجمع إلى دقة الباحث خبرة المعايش، وأن يرسم شخصية شيخه من داخل حياتها العلمية والعملية؛ فجاء كتابه سجلا حافلا لسيرته، ومرجعا مهما لدراسة أثره في ندوة العلماء ومسيرة العربية في الهند المعاصرة.
ولو جمعت خصاله بعد هذا كله رأيت أن كلمة الوفاء تنتظمها كما ينتظم السلك حبات العقد؛ وفاء للقرآن، فكانت تلاوته ديدنه وورده؛ ووفاء للعربية، فأعطاها عمره؛ ووفاء لشيوخه، فظل يذكرهم ويعترف بفضلهم؛ ووفاء للندوة، فعاش لها طالبًا ومدرسًا ومديرًا وساعيًا في مصالحها؛ ووفاء لـ«البعث الإسلامي»، فصحبها من فجر شبابها إلى شيخوخته؛ ووفاء للمحراب، فلم يفارقه أكثر من نصف قرن؛ ووفاء للأصحاب والتلاميذ وأهل الحاجات.
أدركته المنية عشيّ الأربعاء، الرابع والعشرين من ربيع الآخر 1448ھ الموافق للسابع من أكتوبر سنة 2026م، فطويت بموته صفحة من صفحات ندوة العلماء، وفقدت الهند علمًا من أعلام العربية فيها، وفقدت الصحافة الإسلامية فارسًا من فرسانها، وفقدنا نحن شيخًا نبيل القدر، وافر الفضل، غزير الأدب، واسع النفس، سخي الكف، صادق اللهجة؛ رجلًا كثرت محاسنه حتى ضاق عنها العد، ومحاسنه أكثر من أن تحصر، ومآثره أجل من أن تستقصى في ترجمة أو تحيط بها مقالة، وصلي عليه في رحاب الندوة، ثم حمل إلى مقبرة دالي غنج بلكناؤ، فدفن فيها، ووارى التراب جسدًا طالما انتصب في المحراب، وجرت أنامله بالقلم، وانطلق لسانه بالعربية، وبقيت آثاره مبثوثة في الرجال والكتب والمؤسسات:
سلامٌ على قبر تضمن جسمه
وجادت عليه المدجنات الهوامع
لقد غيبت أثراؤه جسم ماجد
جليل إذا التفّت عليه المجامع
فأحكامه فينا بدور زواهرٌ
وآثاره فينا نجومٌ طوالع
رحم الله العزيز الغفار شيخنا الدكتور سعيد الأعظمي الندوي رحمة الأبرار، وأسكنه فسيح جناته مع الصالحين الأخيار.