عاد الانتظار أمام المخابز إلى يوميات الفلسطينيين في قطاع غزة، بعدما دفع انقطاع إمدادات الطحين عددا منها إلى إغلاق أبوابه، وحاصر ما تبقى بمخزونات تتناقص وتحذيرات من التوقف، ومع شح المواد الغذائية وارتفاع أسعارها، وصلت الأزمة مجدداً إلى رغيف الخبز، الذي تعتمد عليه عائلات أنهكها النزوح وفقدان الدخل وتراجع المساعدات.
وتختصر التجمعات التي ظهرت أمام ما تبقى من مخابز تعمل في جميع أنحاء قطاع غزة، جانباً من الأزمة المتجددة، ووفق المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، تعود الطوابير مع تضاؤل الخيارات المتاحة لتأمين الطعام، وصعوبة إعداد الوجبات داخل الخيام ومراكز الإيواء في ظل نقص غاز الطهي.
وبرغم الإعلان عن ترتيبات لإدخال شحنات طحين عبر معبر كرم أبو سالم، يوم غد الأحد 25، فإن الأزمة كشفت مجددا هشاشة إمدادات الخبز، أيام قليلة فقط من انقطاع التوريد تكفي لتعطيل مخابز وإعادة السكان إلى الانتظار، فيما يبقى استئناف الإنتاج مرتبطاً بوصول الشاحنات فعلياً وانتظام دخولها.
مخابز تستنفد آخر مخزونها
وقال رئيس جمعية أصحاب المخابز في قطاع غزة، عبد الناصر العجرمي، الخميس المنصرم، إن مخزونات الطحين في المستودعات نفدت، وإن الكميات المحدودة المتبقية لدى المخابز لا تكفي لاستمرار العمل.
وحذّر، في تصريحات صحفية، من توقف سبعة مخابز متبقية خلال 48 ساعة إذا لم تصل إمدادات جديدة، موضحاً أن إعادة فتح المعابر جزئيا لم تترافق مع السماح بإدخال الطحين التجاري المطلوب.
وأوضح العجرمي أن الطحين التجاري لم يدخل منذ أكثر من عشرة أيام، وأن الشحنات التي كانت تصل قبل الانقطاع تُستهلك سريعاً، من دون أن تتيح تكوين احتياطي، مشيرا إلى أن السماح بمرور شحنات تجارية تضم ملابس وأحذية وسلعاً أخرى لا يعالج النقص في المواد اللازمة لإنتاج الخبز.
ويفسر غياب المخزون الاحتياطي سرعة انتقال أزمة المعابر إلى المخابز، فبحسب العجرمي، اقتصرت الكميات المتوافرة على ما تحتفظ به المخابز نفسها، فيما أسهم الإغلاق المتكرر خلال الشهر الجاري في استنزافها.
حين تضيق بدائل الخبز
ولا تواجه العائلات نقص الخبز وحده، فقد رصد المرصد الأورومتوسطي شحاً في الخضروات والفواكه وارتفاعاً في أسعار الغذاء، دفع أسراً إلى تقليل وجباتها، ونقل عن عبد العزيز سعيد، البالغ 65 عاماً، أنه يعتمد على ما يتوافر من الخبز والأرز والعدس، ويكتفي أحياناً بوجبة واحدة، برغم حاجته الصحية إلى غذاء منتظم ومتنوع.
وتكشف هذه الشهادة أثر توقف المخابز في عائلات تقلصت خياراتها الغذائية أصلاً، فالخبز جزء أساسي مما بقي متاحاً، وفقدانه يضاعف صعوبة تأمين الوجبة اليومية، كما أن شراء بدائل من السوق يصطدم بغلاء السلع واستنزاف الموارد المالية، بينما يحد نقص الوقود من قدرة الأسر على إعداد الطعام بنفسها.
ويتزامن ذلك مع تقليص المساعدات الغذائية، فقد أعلن برنامج الأغذية العالمي في 19 أكتوبر الجاري، تراجع عدد المستفيدين من مساعداته من نحو 1.6 مليون شخص في سبتمبر إلى 1.1 مليون في أكتوبر، بسبب نقص التمويل.
وشملت التخفيضات الحصص الغذائية والطحين، إلى جانب خفض الوجبات الساخنة اليومية من نحو 250 ألفاً إلى 150 ألف وجبة، وبذلك، يتقلص الدعم الذي يمكن أن يعوّض العائلات عن تراجع الخبز المتاح.
إمدادات مرتقبة واختبار التنفيذ
وأمام اتساع الأزمة، أعلن العجرمي، أمس الجمعة، صدور موافقة إسرائيلية على إدخال 30 شاحنة من الطحين التجاري عبر كرم أبو سالم يوم الأحد، معرباً عن أمله في أن تتيح إعادة تشغيل مخابز متوقفة وتعويض جانب من العجز الذي خلفه منع التوريد.
وتُظهر الأزمة أن إعادة تشغيل المخابز تحتاج إلى ما يتجاوز معالجة نفاد شحنة واحدة؛ إذ يظل غياب الاحتياطي وعدم انتظام الإمدادات سبباً لتكرار التوقف، وبين موافقات إدخال الطحين ووصول الخبز إلى الناس، تبقى العائلات أمام الاختبار نفسه: هل تستطيع تأمين طعامها اليوم، وهل ستجده غداً؟