بعد سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024، انتقلت ملفات الانتهاكات التي تراكمت على مدى عقود من أرشيف المنظمات الحقوقية وشهادات الضحايا إلى أروقة المحاكم السورية ومؤسسات الدولة الناشئة. وقد تصدرت العدالة الانتقالية في سورية الخطاب السياسي الرسمي، بوصفها المدخل الأساسي والمحوري لمعالجة إرث الاستبداد والجرائم الجسيمة، وبناء عقد اجتماعي جديد يضمن عدم تكرار ما حدث وترسيخ سيادة القانون. ووفقاً للبيانات الرسمية المقدمة من ممثل سورية أمام مجلس حقوق الإنسان ياسر الفرحان في التاسع من سبتمبر الماضي، يوجد في مسار العدالة الانتقالية في سورية ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات أكثر من 2500 ملف أمام القضاء منهم 1147 ملفاً قيد التحقيق، و1333 ملفاً لدى النيابة العامة.

مسار العدالة الانتقالية في سورية

في هذا السياق، أعلن، أول من أمس الخميس، القاضي فخر الدين العريان رئيس محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، التي تتولى مقاضاة المتهمين بارتكاب انتهاكات من رموز النظام المخلوع، أن السلطات السورية أرسلت إلى الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) لملاحقة رئيس النظام المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر ومسئولين آخرين من النظام السابق، مشيراً إلى أن الأحكام الغيابية لا تُعدّ نهائية، إذ تسقط عند القبض على المحكومين أو تسليم أنفسهم، وتُعاد إجراءات المحاكمة بحضورهم حتى صدور أحكام وجاهية بحقهم.

وقال العريان إن الحكم الصادر بحق بشار الأسد يستند إلى أدلة، قال إنها تثبت مسئوليته عن الانتهاكات من خلال سلسلة القيادة والأوامر، وليس إلى توليه منصب رئيس الجمهورية. وأضاف أن المحكمة تنظر حالياً في نحو 61 قضية تتعلق بانتهاكات جسيمة، بعدما فصلت في أربع قضايا. وأشار العريان إلى أن النظام السابق "عمل على طمس الأدلة وإخفاء المعلومات المتعلقة بمصير المعتقلين قبل سقوطه، ما يزيد من صعوبة تحديد مصير المفقودين الذين لا تعرف عائلاتهم ما حلّ بهم".

وتأسس المسار الرسمي لمشروع العدالة الانتقالية في سورية بموجب نصوص دستورية وتنفيذية صريحة، إذ تضمن الإعلان الدستوري الصادر في مارس 2025 إشارات واضحة لها، تلاه صدور المرسوم الرئاسي رقم 20 في 17 مايو 2025 القاضي بإنشاء "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية". وفي أغسطس 2025، صدر المرسوم رقم 149 بتسمية أعضاء الهيئة برئاسة عبد الباسط عبد اللطيف، لتتخذ من دمشق مقراً لها وتشكل نواتها التنظيمية المكونة من ست إدارات متكاملة تشمل التقصي وكشف الحقيقة، والعدالة والمساءلة، وجبر الضرر، والمصالحة الوطنية، والتقييم لضمان عدم التكرار، وحفظ الذاكرة الوطنية. بالتوازي مع ذلك، أُنشئت "الهيئة الوطنية للمفقودين" بموجب المرسوم رقم 9.

وعلى صعيد الإنجازات القضائية، بدأت محكمة الجنايات الرابعة بدمشق، المتخصصة في ملف العدالة الانتقالية في سورية عقد جلسات علنية لمحاكمة متهمين بارتكاب جرائم قتل وتعذيب وإخفاء قسري. وكان من أبرز هذه المحاكمات القضية التي بدأت إجراءاتها في 26 إبريل الماضي بحق عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، والتي انتهت في 11 أغسطس الماضي بصدور أحكام بالإعدام بحقه وبحق سبعة متهمين آخرين، بينهم بشار وماهر الأسد (غيابياً)، ووصفت المحكمة الأفعال المنسوبة إليهم بـ"الجرائم ضد الإنسانية" و"جرائم الحرب". كما شهد يونيو الماضي إعلان وزارة العدل توسيع الغرف القضائية المخصصة للعدالة الانتقالية في عدليات المحافظات، لتشمل النيابة العامة والتحقيق ومحاكم الجنايات، وهو ما تجسد عملياً في محافظات عدة كاللاذقية التي نظرت في عشرات الشكاوى وأحالت ملفات متعددة إلى التحقيق.

كما أحرزت السلطات التنفيذية والجهات الرسمية شواهد إيجابية في ملف العدالة الانتقالية في سورية عبر فتح قنوات تعاون مباشر مع "لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة"، والآلية الدولية المحايدة والمستقلة (IIM)، والمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين (IIMP). ورافق ذلك إعلان وزارتي الداخلية والعدل وضع اليد على الجزء الأكبر من أرشيف الأجهزة الأمنية السابقة ووثائق الإعدامات في السجون، إلى جانب إلغاء المحاكم الاستثنائية والأطر القضائية التي ارتبطت بالعهد البائد، وهو ما رأى البعض أنه يشكل خطوة أولى نحو إصلاح المنظومة العدلية. وعلى الرغم من هذه الخطوات التأسيسية، تواجه العدالة الانتقالية في سورية ثغرات عميقة، أثارت انتقادات واسعة من حقوقيين وقضاة وممثلي المجتمع المدني. ويأتي في مقدمة هذه الإشكاليات الفراغ التشريعي وتأخر إقرار القانون الشامل.

في السياق، يوضح المحامي أحمد الموسى في حديثه مع "العربي الجديد"، أن محاسبة مرتكبي الانتهاكات مسألة لا خلاف على أهميتها، لكن سورية لا تملك حتى الآن قانوناً متكاملاً للعدالة الانتقالية يحدد صراحة أركان جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وأشكال المسؤولية الجنائية، والإجراءات والاختصاصات الخاصة بهذه القضايا. ويؤكد الموسى أن "الإشكالية تقع عندما لا يقتصر الحكم على إدانة المتهم بأفعال مجرّمة في القانون السوري بل يصفها أيضاً بأنها جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب، ويستعين بتعريفات القانون الدولي للوصول إلى هذا التوصيف"، مشدداً على أنه لا يكفي الاستناد إلى الإعلان الدستوري أو القواعد الدولية لتوسيع المسؤولية الجنائية بأثر رجعي، من دون وجود قانون وطني جديد يدرج هذه الجرائم ويحدد عقوباتها وقواعد اختصاصها. وتتقاطع هذه الملاحظة مع ما أثارته منظمات حقوقية مثل "هيومن رايتس ووتش" بشأن تخصيص محكمة الجنايات الرابعة بقرار وزاري لا بقانون خاص، مما يطرح تساؤلات قانونية حول أساسها التشريعي.

وفيما يتعلق بالمؤسسات والقضاء، يبرز التحدي المتمثل في ضعف المنظومة العدلية ونقص الخبرات. وفي حديث مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني لـ"العربي الجديد"، يلفت إلى ضرورة طلب الدعم الدولي لبناء منظومة عدالة جديدة وهي عملية مضنية ومكلفة، ولا سيما بعد تسريح أعداد كبيرة من القضاة والضباط الفاسدين المرتبطين بالأجهزة الأمنية السابقة. ويشير عبد الغني إلى أن التشريعات السورية، وفي مقدمتها قانون العقوبات الصادر عام 1949، لا تتوافق مع المنظومة الدولية بسبب إهمال النظام البائد لتحديث القوانين وتطوير القضاة والمحققين منذ استيلاء نظام البعث على السلطة عام 1963. ويكد أن النيابة العامة والقضاء يواجهان تحديا كبيراً في بناء قضايا معقدة، تدمج بين القانون الوطني والدولي لمواءمة حجم الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، جازماً بأن المنظومة القضائية تحتاج إلى سنوات طويلة من العمل والترميم لتجسير الفجوة الهائلة مع التطورات القانونية العالمية.

عيوب وتسويات

أما على الصعيد الميداني والمجتمعي، فتتجلى العيوب في غموض سياسة التسويات وغياب الشفافية، وفق عبد الغني، لافتاً إلى إلى أن الإفراج عن شخصيات متورطة بانتهاكات أو عقد "تسويات" غير معلنة التفاصيل مع رجال أعمال ومسئولين سابقين ووجهاء عشائر مثل محمد حمشو ونواف البشير وفراس مدلول، أثار حالة من الغضب الشعبي والاحتقان، كما حدث في محافظة دير الزور والساحل. ويحذر عبد الغني في هذا الصدد من أن "غياب مسار جدي للعدالة يمكن أن يخلق نمطاً قاسياً من التعايش القسري بين الضحايا والجناة في الحي الواحد، وأحياناً في المؤسسة نفسها، ما يعمّق شعوراً من الظلم والعجز لدى الضحايا ويُرسخ ثقافة الإفلات من العقاب". ويضيف عبد الغني أن "التسويات وإن كان لا بد منها، يجب أن تسير مع مسار الملاحقات والمحاكمات معاً، إذ يجب أن يكون هناك توازن بين العفو والمحاكمة"، محذراً من خطورة تحول التسويات إلى أداة لتحصين الجناة ما لم تترافق مع محاسبة جادة.