• شمولية الإسلام • كيف نتعامل مع مصادر التشريع • كيف نعامل الآخر الفهم الصحيح للإسلام من الأمور المهمة لأي مسلم؛ حتى يستطيع ممارسة حياته بطريقة صحيحة وفقًا لتعاليم الإسلام الحنيف، فيحصل على سعادتَي الدنيا والآخرة، وعلى جانب آخر لو أن تصور المسلم للإسلام كان غير متحلٍّ بالفهم الصحيح فإنه سوف يجلب على نفسه وعلى المحيطين به الكثير من المشاق هو في غنًى عنها؛ لأن تصور الإنسان الصحيح للإسلام له بالغ التأثير في عملية تشكيل تصور ونظرة المسلم للحياة، وفي تعامله مع المحيطين به. وقد تكلم الكثيرون من الفقهاء والمفكرين حول هذا الموضوع، ووضعوا له الأسس الشرعية والعلمية الداعمة له؛ ولكن في تناولنا هنا سوف نتحدث عن فهم الإسلام، مرتكزين على عدد من النقاط المحددة التي لن نخرج فيها عمَّا قاله السابقون؛ ولكن سنعرضها بصورة أكثر بساطة، وهذه النقط كالتالي: شمولية الإسلام (كيف نتعامل مع الإسلام؟) تعد من أساسيات الفهم، وكما كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- يعيش الإسلام فيجب أن نعيشه، فالمسلم الحق لا يعرف الفصل بين الإسلام والحياة، فهما متلازمان ومترابطان، فالإسلام كما أنه أُرسل للبشرية بصفاء العقيدة وحسن العبادة، جاء أيضًا بالتشريع وبالنظام الذي يرتب للحياة أمورها، ومن يقرأ القرآن الكريم- الذي هو مصدر التشريع الأول- يجده قد اشتمل على المكونات الرئيسية لقيام حضارة راشدة تحمل السعادة والرحمة للبَشَر أجمعين، وفي جميع ما يحتاج إليه الإنسان من احتياجات؛ لكي يعيش في هذه الدنيا محافظًا على آدميته، فقد وضع الله تعالى قواعد محددة؛ لكي يكون الكون كله سائرًا وفقًا لما وضعه خالقه- سبحانه وتعالى- وهذه القواعد كالتالي: - عقيدة وعبادة. - حكم وقضاء. - تجارة ودين. - دعوة وجهاد. كل هذه القواعد وضعت من قِبَل الله تعالى؛ لكي تحفظ للكون سعادَتَيْ الدنيا والآخرة؛ لأنه- سبحانه وتعالى- خالق الكون، وهو أعلم بما يحفظ عليه استقراره وأمنه ونماءه، فالإسلام منهج حياة. كيف نتعامل مع مصادر التشريع
والمسلمون في تعاملهم مع القرآن مختلفون؛ لكنهم للأسف في مجموعهم لا يحسنون التعامل معه؛ بل إن الكثيرين لا يتعاملون معه كما كان يتعامل معه الرسول- صلى الله عليه وسلم- وصحابته رضوان الله عليهم: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (الفرقان: 30). هذا وتتعدد الطرق التي نتعامل بها مع القرآن الكريم تلاوةً وحفظًا، فتعامُلُنا مع القرآن يتحدد وفقًا لفهمنا إياه، وفهم القرآن يتحدد وفقًا لعدد من الأسس، وهي كالتالي: إن القرآن في أحكامه وتشريعه وحدة واحدة، فلا يصحُّ أن يقرَّ أحد ببعض الأحكام وينكر أخرى، كما فعل بنو إسرائيل، فقال الله فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 85). وأحكام القرآن قسمان نابعان من كون الإسلام دينًا شاملاً يتطرق لجميع مناحي الحياة، وهي كالتالي: 1- أحكام متعلقة بالعقيدة والعبادة. 2- أحكام الدولة ونظام الحكم وعلاقة الأفراد بعضهم ببعض (المعاملات). كما نرى أن الأحكام منها ما هو دنيوي، ومنها ما هو أخروي، فالإسلام لا يعرف الفصل بين الدين والدنيا، وتعاملنا مع كلا النوعين من الأحكام يجب أن يكون تعاملاً متزنًا يراعي الواقع دون تفريط أو إفراط، كما يراعي أيضًا روح النص، وأن الناس في قدراتهم على الاستيعاب والتلقي مختلفون ومتفاوتون، فلا نأمر أو ننهى، مستندين إلى ظاهر النص القرآني أو الحديث الشريف، والمسلمون في فهمهم للقرآن والسنة متفاوتون، وأن خلفيتنا الثقافية لأغلبنا قليلة؛ حيث يتصور البعض أنه يرشد الناس أو على الأقل أن يمارس هو الالتزام من حيث انتهى الآخرون، فيبدأ تدينه بتشدد مبالغ فيه. لكن هناك قواعد وأطر حددها العلماء والفقهاء، ومنها ألا يصدر المسلم أحكامًا مستندة إلى آية أو حديث إلا بالرجوع إلى العلماء الراسخين في العلم، ممن امتلكوا أدوات الفهم المستندة على قواعد اللغة العربية والفهم العميق للسنة المطهرة والبعد عن الأهواء الشخصية والتسرع في إصدار الأحكام على الآخرين. التوازن والاعتدال الذي نقصده هنا هو الاعتدال الشامل، والذي يتطرق إلى جميع مناحي الحياة، فالمسلم متوازن في أموره كلها، فنجده في آرائه وأفكاره متوازنًا، وفي علاقاته وتعامله مع الآخرين متوازنًا، كما أنه في إصداره للأحكام متوازن، وفي تقييمه للآخرين نجده متوازنًا في نظرته الشاملة للحياة، كما أنه في إقباله على الحياة متوازن، فلا ينشغل بملذات الدنيا ونعيمها عن آخرته، ويعلم جيدًا أن الدنيا ما هي إلا طريق للآخرة، فيغتنمها لتحصيل ما يعينه على أن ينال رضا ربه. فوسائل الجذب التي يتعرض لها الإنسان في حياته كثيرة، وهذه الوسائل منها الصالح والطالح؛ ولكن استقبالنا لعوامل الجذب تلك يختلف من فرد إلى آخر.. منا من يغرق نفسه في مطالب الحياة وما فيها من زخرف كاذب، وتأخذه الدنيا عن آخرته، وعلى الجانب الآخر نجد أن هناك من أهمل الدنيا بحجة أن أمله وبغيته الآخرة، ولم يسِر في ركاب حركة التطوير والتقدم؛ وهو ما أدى إلى أن تَحَكَّم في مقادير البشرية من لا يراعون في خلق الله ذمة، فبتخليه عن دوره في الحياة الذي أوكله الله إياه تقدم الصفوف وقاد البشرية من لا يستحقون قيادتها؛ وهو ما أدى إلى انتشار الفساد في الأرض، وتحولت الدنيا إلى ما أشبه بالغابة، يأكل فيها القوي الضعيف. كيف يتعامل المسلم مع الآخر؟
المسلم في تعامله مع الآخر له رؤية تحددها أسس.. هذه الأسس نستلهمها من سيرة النبي- صلى الله عليه وسلم- في تعامله مع من حوله من البشر على اختلاف مستوياتهم المادية والثقافية، أو انتماءاتهم العرقية والعقيدية، فقد كان- صلى الله عليه وسلم- عنده المقدرة على أن يعامل جميع الناس، ولنا في مواقفه التي تعامل فيها مع المحيطين الأسوة، فقد دخل عليه أحد الأعراب، وقال له- بطريقة فظَّة-: يا محمد، أعطني من مال الله.. إنه ليس مالك ولا مال أبيك، النبي- صلى الله عليه وسلم- يقدر الأمور بمقاديرها، ويراعي البيئة التي نشأ فيها هذا الأعرابي، وسلوك النبي مع الناس ومع صحابته الكرام سلوك كله رحمة وعطف؛ بل ينهى الرسول- صلى الله عليه وسلم- سيدنا عمر بن الخطاب عن أن يتعرض لهذا الأعرابي بالأذى؛ ولكن يتعامل مع عمر موجِّهًا ومرشدًا إياه قائلاً له:"تأمره بحسن الطلب وتأمرني بحسن الأداء". ونحن- كمسلمين- لنا في النبي- صلى الله عليه وسلم- القدوة الحسنة، فنتأسى به في كيفية تعاملنا مع الآخرين، ومع من نخالفهم الرأي؛ فلا تجريح أو إهانة، ولا اتهامات دون دليل وبرهان ولا تعصب لمذهب أو عِرق، كما أن معرفة الأسس والدعائم الفكرية لأدب الاختلاف تعين على تقبل آراء الآخرين المخالفة لآرائنا بصدرٍ رحب ٍدون ضيق أو تبرم، وهذه الدعائم ذكرها العلامة الدكتور "يوسف القرضاوي" في أحد محاضراته، وهي كالتالي: - الاختلاف في الفروع ضرورة ورحمة. - اتباع المنهج الوسط وترك التنطع في الدين. - التركيز على المحكمات لا المتشابهات. - تجنب القطع والإنكار في المسائل الاجتهادية. - ضرورة الاطلاع على اختلاف العلماء. - انشغال المسلم بهموم أمتنا الكبرى. - نتعاون في المتفق عليه ونتسامح في المختلف فيه. وهذه القواعد تقوم على عدد من المبادئ، مثل: احترام الرأي الآخر، وإمكانية تعدد الصواب، وإن اختلاف الرؤى ضروري لإنجاح الأعمال، وإخراج العمل في صورة حسنة وفقًا لهذه المبادئ، التي توفر الوقت الذي نضيعه في المشاحنات والمجادلات العقيمة التي لا يُبنى عليها عمل مفيد. كما أن ممارسة الدعوة مع الآخرين لها أيضًا فقهها ومراحلها.. فالكثيرون منا يخطئون في ممارساتهم الدعوة مع الناس؛ وهو ما يؤدي إلى نتائج عكسية مع من ندعونهم؛ حيث يتصور للبعض أنه يستطيع دعوة وإرشاد الناس، أو على الأقل أن يمارس هو الالتزام من حيث انتهى الآخرون، فيبدأ تدينه بتشدد مبالغ فيه مع نفسه، ثم ينتقل التشدد- أو بالأحرى التنطع- مع الناس إلى نفور أغلبهم من التدين والمتدينين.. قال الرسول- صلى الله عليه وسلم- في مثل هذه الأمور أحاديث كثيرة؛ حيث قال- صلى الله عليه وسلم-: "إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق"؛ حيث إن التسرع في طلب الثمرة من شأنه أن يؤدي إلى العقاب بالحرمان منها، وقد قال- صلى الله عليه وسلم-: "إن المنبتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى" هذه الكلمات بالرغم من البساطة التي تتميز بها إلا أنها في معناها بها من العمق الكثير. جاء الإسلام رحمةً للعالمين، جاء بحضارة تحمل الخير والسعادة للدنيا كلها؛ ولكن الإسلام في هذا الوقت يتعرض لظلم كبير، ليس من أعدائه فقط؛ ولكن من أبنائه أيضًا بسوء فهمنا إياه؛ لكن في ظل هذا الأمر يظهر من أبنائه من فهموه حق الفهم، فعملوا به وفهموه حق الفهم وفقًا لما جاء به الله تعالى، واتباعًا لسنة نبيه- عليه الصلاة والسلام- على الرغم مما يتعرضون له من محن وجفاء؛ محتسبين صابرين، لا يضرهم من خذلهم، مصداقًا لقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم"، وعلى من كان تصوره للإسلام تصورًا قاصرًا أن يراجع نفسه، وأن يصحح تصوره هذا، وأن يعيش الإسلام كما عاشه النبي- صلى الله عليه وسلم- متخذًا منه قاعدة للانطلاق لخير الدنيا والآخرة.
القرآن الكريم هو مصدر التشريع الأول للمسلمين، والذي قال فيه الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)، فقد تعهد الله تعالى القرآن بالحفظ من أي يد تحاول أن تمتد إليه بالتحريف أو التبديل، والقرآن به مائة وأربعة عشر سورة كلها تبدأ بـ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.. عدا واحدة هي سورة التوبة، لم يقدر أحد أن يضيف بسملة إلى تلك السورة.. كيف وقد تعهد الله تعالى أن يحفظ كتابه من أي تحريف أو تبديل، ونفس الوضع ينسحب على السنة النبوية المشرَّفة، فقد قال الله تعالى في كتابه الحكيم: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: 3- 4)، فقد تكفَّل الله تعالى بحفظ كتابه وسنة نبيه.

