لم تكن كونداليزا رايس كاذبة عندما تحدثت عن حرب يوليو 2006م، والتي شنَّها الكيان الصهيوني على لبنان بأنها مخاض لولادة شرق أوسط جديد.. بالفعل هناك شرق أوسط جديد يتشكل لكن ليس الآن؛ فما زالت كل القوى غير قادرة على الحسم، وما تعرَّضت له قافلة الحرية لكسر الحصار عن قطاع غزة جزء من هذا المخاض، كذلك ليس بالضرورة أن يكون الشرق الأوسط كما أرادته رايس أمريكيًّا صهيونيًّا؛ ولكنه يمكن أن يكون إيرانيًّا إسلاميًّا أو تركيًّا.. الأكيد أنه لن يكون عربيًّا بالعالم العربي من المحيط إلى الخليج، هو الملعب الذي يتسابق فيه كلُّ الطامحين لنيل الشرق الأوسط الجديد، وليس ثمة دور لأرض الملعب في المكسب أو الخسارة إنما هي مجرد أرض، أما اللاعبون الفاعلون الطامحون فهم كل مَنْ أراد أن يكون نفسه لا أحدًا آخر، فهناك إيران وتركيا، كما يوجد الكيان الصهيوني مدعومًا بالمشروع الغربي الأمريكي.
قصدت قوات الجيش الصهيونية السفينة التركية "مرمرة" الزرقاء، فبعد أن فشلت محاولتهم اقتحام السفينة عن طريق الزوارق البحرية تمَّ استخدام الطائرات المروحية والحبال، وقبل أن ينزل الجنود على سطح السفينة ألقوا القنابل الصوتية وقنابل الغاز، كما أطلقوا النيران بشكلٍ عشوائي فأُصيب من أُصيب وقُتل من قُتل، فما حدث يعد بشكلٍ أو بآخر فصلاً من فصول تدهور العلاقات التركية مع الكيان الصهيوني، والتي دائمًا ما تنتهز الفرصة لكي تطفو على السطح.
وقد أعلنت مؤسسة الطب الشرعي في تركيا أن غالبية القتلى في الهجوم الصهيوني على قافلة الحرية هم أتراك الجنسية، وهي ضربة موجهة لتركيا لعدم تكرار هذه الفعلة مرةً أخرى؛ لكن الأتراك لا يعرفون التراجع، فلم يكتفِ رئيس الوزراء التركي بالتصريحات، بل عقد رجب طيب أردوغان اجتماعًا أمنيًّا في مقر رئاسة الوزراء، شارك فيه أعضاء مجلس الأمن القومي التركي ورئيس الأركان وقادة الجيش ونائب رئيس الوزراء ووزراء الدفاع والخارجية والداخلية والعدل وغيرهم من المسئولين؛ لمناقشة أبعاد الاعتداء على أسطول الحرية.
وقال أردوغان- في كلمة له خلال اجتماع للكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية-: إن هذا الهجوم الوقح وغير المسئول الذي ينتهك القانون ويدوس على الكرامة الإنسانية يجب حتمًا أن يُعاقب عليه، وحذَّر أردوغان الكيان الصهيوني من مغبة اختبار صبر تركيا، مؤكدًا أنه بقدر ما تكون صداقة تركيا قوية فإن عداوتها أقوى.
يأتي ذلك قبيل الاستعداد لمناورات عسكرية تركية مع الكيان الصهيوني؛ ما جعل تركيا تلغي هذه المناورات كما فعلت من قبل لتكون هذه هي المرة الثالثة على التوالي التي تؤجل فيها أنقرة مناورات عسكرية مع الجيش الصهيوني، بينما تقيم مثيلاتها مع الجيش السوري، وطالب البرلمان التركي بالإجماع باتخاذ تدابير فعالة ضد الكيان الصهيوني بعد الهجوم في موازاة بحث وزارة العدل التركية في إصدار ملاحقات قضائية بحق الكيان الصهيوني، في حين أخلى الكيان عائلات الدبلوماسيين العاملين في سفارتها في أنقرة والقنصلية في إسطنبول وأعادهم إليه، ومن جهته أعلن وزير الداخلية التركية بشير أتالاي أنه لم ولن يلحق الأذى بأي صهيوني خلال الاحتجاجات التي نُظِّمت في تركيا.
غضب تركي جماهيري ضد العدوان الصهيوني على أسطول الحرية

في الوقت الذي وصل فيه الغضب التركي إلى ذروته؛ حيث أشار استطلاع للرأي أن 53% من الشعب التركي يؤيد القيام بعمل عسكري ضد الكيان الصهيوني، بينما رأى 72% ضرورة استنفاد الوسائل الدبلوماسية أولاً لردع الكيان الصهيوني عن أفعاله، كما جاء في الاستطلاع الذي أجرته صحيفة (وقت) التركية بمشاركة 166 ألف مواطن تركي.
واستقبل آلاف الأتراك في أكبر ساحات إسطنبول الناشطين الأتراك الذين عادوا من فلسطين المحتلة، والذين كانوا على متن سفن قافلة الحرية، وتجمع المتظاهرون في ساحة تقسيم أمام شاشة عملاقة أقامتها جمعية إسلامية خيرية ممن نظَّموا إرسال أسطول المساعدات الإنسانية إلى فلسطينيي قطاع غزة المحاصر، وبثَّت على الشاشة المبادرات التي اتخذتها الجمعية في العالم في أجواء احتفالية، بعدما رضخ الكيان الصهيوني للتهديدات التركية بإعادة النظر في طبيعة العلاقات بين أنقرة والكيان.
وقال وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو- في مؤتمر صحفي في أنقرة بعد عودته من الولايات المتحدة-: إن مستقبل العلاقات مع الكيان الصهيوني يعتمد على مواقفه القادمة، وقال: "إنني لا أرى سببًا لعدم عودة العلاقات إلى طبيعتها بمجرد رفع الحصار عن غزة والإفراج عن مواطنينا".
وتعرَّض الكيان الصهيوني لانتقادات لاذعة من كل القوى العالمية؛ حيث أدان المجزرة الصهيونية والاعتداء على قافلة الحرية كلٌّ من الولايات المتحدة والأمم المتحدة على لسان أمينها العام بان كي مون والاتحاد الأوروبي والصين، هذا بالإضافة إلى الإدانة العربية والإسلامية؛ حيث أدان مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية الهجوم على قافلة الحرية، ووصفه بأنه يشكِّل قرصنة وإرهاب دولة، وقرَّر وزراء الخارجية- في بيان صدر عقب اجتماعهم بعد الحادث- كسر الحصار المفروض على قطاع غزة، والالتزام بإيصال المعونات الطبية والأغذية ومواد البناء اللازمة؛ لإعادة الإعمار وغيرها من الاحتياجات الضرورية للشعب الفلسطيني في القطاع بشتى الوسائل، وتحميل الكيان الصهيوني المسئولية الدولية المترتبة على التعرُّض للمعونات الإنسانية والاحتياجات الضرورية لإعادة الإعمار، وعدم فتح جميع المعابر أمام حركة الأفراد والبضائع، وكلَّف المجلس الجمهورية اللبنانية العضو العربي في مجلس الأمن والمجموعة العربية في نيويورك بطلب عقد اجتماع لمجلس الأمن الدولي بالتنسيق مع تركيا والدول والتجمعات الصديقة؛ لإصدار القرار اللازم لإدانة الحصار المفروض على غزة وإلزام الكيان الصهيوني برفعه فوريًّا، وطلب عقد الدورة المستأنفة العاشرة في إطار الجمعية العامة للأمم المتحدة لمواجهة الحصار، كما فتحت السلطات المصرية معبر رفح لليوم الثاني على التوالي للسفر أمام الحالات الإنسانية والعالقين في الاتجاهين.
![]() |
|
جنازة أحد شهداء المجزرة الصهيونية ضد أسطول الحرية |
والواقع أنه لولا التحرك التركي لدفع سفن الحرية باتجاه ساحل غزة لكسر الحصار الصهيوني عليه ما تحرَّك عربي ولا مصري، وما تفوه أحد في الشرق أو في الغرب بكلمة واحدة على حصار غزة، كما يتضح أن الموقف التركي هو أقوى المواقف وأشدها عداء للكيان الصهيوني مقارنة بكل الدول العربية والإسلامية، ومن الواضح أن أنقرة غير آبهة بعلاقتها بالكيان الصهيوني للدرجة التي يتصورها البعض.. صحيح أن العلاقات التركية الصهيونية وصلت إلى ذروتها في العام 1996م لتصل إلى درجة التحالف الإستراتيجي؛ لكنها الآن في ظل حكم حزب العدالة والتنمية وصلت إلى مرحلة أقرب إلى شبه القطيعة الدبلوماسية والتهديدات المتبادلة؛ ما يطرح احتمال تحول طبيعة العلاقة في السنوات القادمة إذا استمرت على هذا المنوال، ويبدو أن الخارجية التركية تعرف ماذا تفعل تمامًا، فالأتراك الآن ما زالوا يتحدثون عن الصداقة التركية التي قد يفقدها الكيان الصهيوني بتصرفاته الرعناء غير المسئولة، ويتحدثون بذلك إلى واشنطن، كما يؤكدون حرصهم على علاقتهم بالكيان رغم أنهم يعلمون جيدًا أن سياستهم تجاه القضية الفلسطينية ومد جسور الود بينهم وبين الشعوب والدول العربية سوف تؤثر حتمًا على علاقتهم بالكيان، بل إنها ستؤدي في النهاية إلى حصاره كما يحاصر هو الآن قطاع غزة بالخطوة التي دفعتها تركيا للتحرك والمتمثلة في انطلاق قافلة الحرية ورد الفعل الصهيوني عليها مثلاً في الحقيقة ضربة قوية للكيان الصهيوني، والدليل على هذا يتمثل في الآتي:
أولاً: أن يكون توقيت انطلاق قافلة السلام قبل موعد المناورات العسكرية المقررة بين تركيا والكيان الصهيوني دليلاً على عدم حرص أنقرة على القيام بمناورات عسكرية مشتركة مع الكيان الصهيوني، ليس هذا فحسب وإنما حرص أنقرة على أن يكون إلغاؤها للمناورات العسكرية مع الكيان الصهيوني عادةً حتى تنقطع بها العادة الأولى وهي قيام الجيشين بمناورات مشتركة.
ثانيًا: عنف الرد الصهيوني؛ خاصة على السفينة التركية وما تعرَّض له الكيان الصهيوني من انتقادات واسعة حول العالم، جعله مدانًا أمام الرأي العام العالمي؛ ما أضر بصورته وتضر بها تباعًا مواقفه العنيفة.
ثالثًا: ربط تركيا عودة العلاقات مع الكيان الصهيوني إلى طبيعتها بإجراء تحقيق دولي نزيه في الهجوم على قافلة الحرية، ورفض الكيان الصهيوني إجراء أي تحقيق من هذا النوع؛ ما يؤكد أن العلاقات التركية مع الكيان الصهيوني لن يكون لها مستقبل إيجابي؛ حيث يدور الحديث التركي عن طبيعة العلاقة مع الكيان الصهيوني، وهي خطوة غير مسبوقة في تاريخ الدولة التركية المعاصرة.
رابعًا: اشتعال الأراضي العربية داخل الخط الأخضر؛ حيث أعلن الكيان الصهيوني حالة التأهب القصوى في المدن ذات الغالبية العربية، بعد إصابة الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية في الأراضي الفلسطينية المحتلة 1948م، وتمَّ استدعاء أعداد كبيرة من أفراد الشرطة، ووضعهم على أهبة الاستعداد تحسبًا لاندلاع مظاهرات وعمليات احتجاج وتأجج الوضع الداخلي وإدانة وزير الحرب الصهيوني إيهود باراك داخليًّا؛ لأنه تسبَّب في وضع الكيان الصهيوني في موقف إدانة دولية، وأنه كان يمكن تجنب ذلك، كما أن هذا يدل على الإفلاس السياسي.
خامسًا: يتحوَّل الكيان الصهيوني شيئًا فشيئًا من الهجوم إلى الدفاع، ومع مرور السنوات يتمَّ محاصرته وخنقه تمامًا على كافة المستويات، ومنها الموقف الإقليمي والصعود الإيراني والتركي إقليميًّا ودوليًّا اقتصاديًّا وسياسيًّا؛ ما يخصم من القوة الصهيونية في المنطقة.. لتبدأ ملامح شرق أوسط جديد قد يخلو في المستقبل الوسيط أو البعيد من الكيان الصهيوني؛ لكن السؤال يبقى مطروحًا عن قوة عربية ما يمكنها أن تحجز مقعدًا أو موطئ قدم في المستقبل.
