نظرات حائرة في عيون طفل تجيش منها العبرات، لسان حالها يسأل: "أبي لِمَ لسنا مثل غيرنا من العائلات التي أشاهدها على شاشات التلفاز؟، لم لا نجتمع على مائدة طعام واحدة؟، لم لا نخرج سويًا؟، لم لا نصلي معًا في المسجد الأقصى؟"، ويرد صدى السؤال بسؤال آخر وطفل آخر يقول: "انتظرناك أبي خمس سنوات لتجمعنا مائدة واحدة في شهر رمضان، يلا بابا روَح معانا وتسحَر معانا"....
نواب القدس وزوجاتهم وأطفالهم نموذج حاضر في القضية الفلسطينية، استطاعوا أن يجسدوا معاناة الشعب الفلسطيني على أرض الواقع سواء إن كانت هذه المعاناة اختيارية أم إجبارية.. أسئلة كثيرة تدور في مخيلة أطفال النواب المقدسيين لم لا يعيشون كباقي أطفال العالم في جو أسري بسيط يخلو من المعاناة والفراق؟..
وكما هو معروف، فقد سلمت سلطات الاحتلال في يونيو الماضي كلاًّ من الوزير السابق لشئون القدس خالد أبو عرفة، والنائبين محمد أبو طوطح وأحمد عطون، أوامر عسكرية بالإبعاد بعد سحب هوياتهم المقدسية، كما قامت باحتجاز النائب محمد أبو طير الذي لا يزال رهن الاعتقال.
قضية الإبعاد تخطت كافة الخطوط الحمراء في الصراع مع الاحتلال، فلم يعد الأمر مجرد القبوع في زنزانة ضيقة متعفنة، بل تجاوز الأمر إلى تضييق الخناق حتى أصبحت القدس سجنًا كبيرًا لكل المقدسيين، وفي مقدمتهم نواب الشرعية.
وكانت البداية انتهاكات واعتداءات ومصادرة أراضٍ وهدم منازل، وتطور إلى أن أصبح هناك سحب هويات وإبعاد المقدسيين عن مدينتهم المقدسة وإحلال مستوطنين مكانهم؛ ليتبلور الحلم الصهيوني المستحيل بتهويد القدس ومقدساتها.
ظروف قاسية
وأصبحت خيمة الاعتصام اليوم قبلة المقدسيين وشعار وحدتهم ورفضهم قرار الإبعاد، إلا أن هذه الخيمة تحمل بين طياتها معاناة شديدة يعيشها النواب المقدسيون لليوم الـ55 على التوالي.
![]() |
|
أحمد عطون |
وأضاف عطون: نبدأ يومنا منذ الساعة التاسعة حيث نستقبل وفود المتضامنين حتى الساعة الحادية عشرة ليلاً، وسط أجواء حارة ورطوبة لا تحتمل، مما تسبب في إصابتنا نحن الثلاثة بالمرض نتيجة الجهد الزائد ونقص السوائل، وبعدها أصبنا بفيروس استدعى أن يشرف علينا أطباء مختصون داخل المقر".
من جهته اعتبر الوزير السابق في الحكومة العاشرة أ. خالد أبو عرفة أن حياتهم في خيمة الاعتصام أشبه بالسجن، خاصة أنهم واقعون تحت القرار الصهيوني بإبعادهم عن أسرهم ومدينتهم المقدسة، مؤكدًا أنهم لا يستطيعون أن تطأ أقدامهم أرض الشارع على بعد 3 أمتار لأن قوات الاحتلال تقف لهم بالمرصاد.
فيما أكد النائب المقدسي "محمد طوطح" بنبرة يعتريها الألم أن حرمانهم من الصلاة في المسجد الأقصى وهو على بعد 500 متر من خيمتهم له وقع صعب على نفوسهم، مما اضطرهم إلى تأدية صلاة التراويح داخل الخيمة وهم يفترشون بساط من البلاستيك في ساحة الخيمة، رغم الأجواء الحارة والرطوبة المرتفعة.
اعتقال ثم إبعاد
وحين الحديث عن المعاناة يكون لذوي النواب النصيب الأكبر في تحمل المشقة والبعد الذي طالهم رغم أنوفهم، ففي البداية كان الاختطاف والأسر في سجون الاحتلال لما يقارب الأربع سنوات، حيث عانوا من الاستدعاءات المتكررة والاعتداءات اليومية، وحين قرب الفرج وأفرج عنهم، لم يتوان الاحتلال عن إبعادهم عنوة عن زوجاتهم وأطفالهم.
تقول "أم مجاهد" زوجة عطون: حين اعتقل زوجي كان عمر ابني الصغير ثلاث سنوات، وأتعبني كثيرًا سؤاله الدائم أين بابا؟ وحين هاتفني زوجي ليبلغني بأنه في الطريق إلينا بعد الإفراج عنه، فوجئت بابني يشدني ويقول لي بخوف: ماما سكري الخط، بلاش اليهود ياخدوه من تاني"، وفي كل يوم يسألني "ماما بابا نايم عندنا ولا راح".
وأضافت: "حياتنا الآن تخلو من الاستقرار، ونقضي معظم أوقاتنا في الصليب الأحمر، نترقب الوقت القليل الذي يمكثه زوجي معنا، خاصة أنهم مشغولون باستقبال الوفود طيلة النهار، والأجواء الرمضانية أشعرتنا كم نحن مفتقدون للجو الأسري، فأطفالي أكبرهم 13 عامًا وأصغرهم 8 سنوات يفتقدون للمسة أبيهم وحنانه.
وتتابع: أعجز عن إجابة سؤال ابنتي: "ليش كل أطفال العالم بيقعدوا مع أهاليهم وبيفطروا سوا إلا إحنا"، مشيرةً إلى أن النواب رتبوا أوقاته بحيث يفطر كل يوم نائب مع عائلته، وبقية النواب تستقبل الوفود.
حياة مستحيلة!
من جانبها أشارت أم محمد "زوجة أبو عرفة" أن معاناتها تزداد مع تساؤلات أطفالها: "أين بابا؟، نريده معنا"، وزادت هذه المعاناة مع حلول شهر رمضان حيث يفتقد الأبناء الجلوس مع أبيهم حول مائدة واحدة إلا في أوقات قليلة، مما انعكس على سلوكهم فأصبحوا عصبيين، لا يمكن التفاهم معهم بسهولة نتيجة الضغط الذي يعيشون فيه.
وتضيف: "من أصعب المواقف التي لها وقع مؤلم على نفسي حين كنا في مقر الصليب الأحمر ووقع ابني وأصيب بجرح غائر أسفل ذقنه، ووقف زوجي عاجزًا فهو لا يستطيع حمل ابنه المصاب إلى المستشفى لعلاجه، حيث لا يستطيع أن يطأ أرض الشارع وإلا اعتقلته الشرطة، ناهيك عن شعوره وهو يودعنا في المساء حين نهم بالعودة إلى المنزل وهو لا يستطيع العودة معنا وتكون عيناه ملأى بالألم والدموع.
وتحكي أم معاذ "زوجة طوطح" معاناتها حين لم يمكث زوجها بين عائلته سوى 28 يومًا بعد الإفراج عنه من سجون الاحتلال انشغل فيها باستقبال المهنئين، ليتسلم قرار الإبعاد ويبتعد مرة أخرى عن أولاده، مضيفة: "أصبح مجرد التفكير أن نعيش حياة طبيعية مستحيلاً وضربًا من الأحلام، فالمخابرات استدعتني أكثر من مرة واقتحموا بيتي مرات عديدة، فضلاً عن الاتصالات التي تردني من المخابرات والتي تحمل في طياتها تهديدًا مبطنًا".
إلى متى؟!
ويبقى السؤال عالقًا متى ستكتب العودة الآمنة للنواب المقدسيين لأهلهم وذويهم؟ إلى متى سيقف المجتمع الدولي عاجزًا عن تحقيق أدنى الحقوق الإنسانية للشعب الفلسطيني؟ أسئلة كثيرة تراوح مكانها بلا إجابة.
