في لحظة جيوسياسية بالغة الحساسية يشهد فيها الشرق الأوسط تصعيداً عسكرياً واسعاً، تتصاعد في واشنطن مخاوف من طبيعة الخطاب الذي يقود به وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث المؤسسة العسكرية الأقوى في العالم. فبينما يفترض أن يكون البنتاجون مركزاً لإدارة الأزمات بحذر استراتيجي، يرى منتقدون أن لغة هيجسيث المتفاخرة بالعنف، وخلفياته الأيديولوجية المرتبطة بالقومية المسيحية، تكشفان توجهاً خطيراً قد يحول الحرب إلى مشروع تعبئة عقائدية، ويضع القرار العسكري الأمريكي في إطار أقرب إلى "الحرب المقدسة" منه إلى الحسابات السياسية التقليدية.

نشرت صحيفة "الجارديان" البريطانية تقريراً تصف فيه وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث بأنه "رجل خطير"، في ظل النبرة المتفاخرة التي استخدمها خلال حديثه عن الضربات العسكرية ضد إيران.

وبحسب التقرير، فإن مذيع قناة "فوكس نيوز" السابق ظهر أمام الصحفيين في مقر البنتاجون بنبرة احتفالية وهو يصف الضربات الجوية، قائلاً: "الموت والدمار من السماء طوال اليوم. لم يكن من المفترض أن تكون هذه معركة عادلة، وهي ليست كذلك. نحن نضربهم وهم في وضع ضعف، وهذا هو الوضع الأمثل”.

ويرى منتقدون أن أسلوب هيجسيث بدا أقرب إلى خطاب دعائي صاخب منه إلى خطاب رجل دولة يقود وزارة الدفاع في لحظة حرب، إذ وصفه التقرير بأنه "وقح وعدواني" ويشبه شخصية من أبطال الرسوم المتحركة أكثر من كونه مسئولاً سياسياً رفيع المستوى.

ويشير التقرير إلى أن هيجسيث (45 عاماً) الذي انتقل من العمل الإعلامي في "فوكس نيوز" إلى قيادة أقوى جيش في العالم، أصبح الواجهة الأبرز لحرب الرئيس دونالد ترامب ضد إيران، ما أثار مخاوف من أن يتحول البنتاغون تحت قيادته إلى منصة تعبئة أيديولوجية.

ويرى منتقدون أن العروض الإعلامية التي يقدمها هيجيث، بما تتضمنه من نزعة ذكورية وقومية مسيحية وخطاب قاس تجاه أرواح الجنود، تهدف إلى تلبية رغبة ترامب في زعيم حرب يعكس ثقافة اليمين المتشدد.

 

وقد تعززت هذه الصورة بعد انتشار مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي يمزج بين مشاهد من أفلام هوليوودية مثل "بريف هارت" و"جلادياتور" و"سوبرمان" و"توب جن”، مع لقطات لهيجسيث وهجمات عسكرية على إيران.

ونقلت الصحيفة عن جانيسا جولدبيك، الرئيسة التنفيذية لمنظمة "فيت فويس" المعنية بالدفاع عن حقوق المحاربين القدامى، قولها إن "بيت هيجسيث شخص خطير للغاية. إنه قومي مسيحي أبيض، وترسانة الولايات المتحدة تحت تصرفه، ولديه تفويض من الرئيس ترامب لإحداث الفوضى حيثما يشاء”.

 

مسيرة وتعيين مثير للجدل

 

ولد هيجسيث في مينيابوليس ودرس العلوم السياسية في جامعة برينستون، حيث ترأس صحيفة طلابية محافظة وكتب مراراً عن قضايا "الحروب الثقافية" مثل النسوية والمثلية الجنسية.

وبعد تخرجه التحق بالحرس الوطني الأمريكي كضابط مشاة، وشارك في مهمات في خليج جوانتنامو والعراق وأفغانستان. وكشف لاحقاً في كتاب أنه طلب من جنوده تجاهل بعض الإرشادات القانونية المتعلقة بقواعد الاشتباك في العراق.

وفي عام 2016 استقال من رئاسة منظمة "قدامى المحاربين الحريصين على أمريكا" بعد اتهامات بسوء الإدارة المالية والتحرش الجنسي وسوء السلوك الشخصي.

كما كشف التقرير عن رسالة إلكترونية أرسلتها والدته له عام 2018 قالت فيها إنه "يسيء للنساء" ويعامل النساء بازدراء ويستغلهن لتحقيق غروره وسلطته.

وعندما رشحه ترامب لمنصب وزير الدفاع عام 2024، واجه هيجسيث جلسة استماع صعبة في مجلس الشيوخ، حيث طُرحت تساؤلات حول تصريحاته ضد النساء في الجيش، واتهامات بتعاطي الكحول أثناء الخدمة، إضافة إلى افتقاره للخبرة اللازمة لقيادة البنتاجون.

وانتهى التصويت في مجلس الشيوخ بالتعادل (50 مقابل 50)، ما اضطر نائب الرئيس جيه دي فانس إلى الإدلاء بالصوت الحاسم لتثبيت تعيينه.

وبعد توليه المنصب تعهد هيجسيث بـ"إطلاق عنان عنف ساحق وقاس ضد الأعداء"، كما دعا إلى التخلي عن "قواعد الاشتباك السخيفة"، في إشارة إلى القيود القانونية المفروضة لحماية المدنيين.

رمزية صليبية وخطاب ديني

وتشير "الجارديان" إلى جانب آخر مثير للقلق في شخصية وزير الدفاع يتمثل في ميوله الأيديولوجية المرتبطة بالقومية المسيحية.

فقد وشم على صدره رموزاً مرتبطة بالحروب الصليبية، منها "صليب القدس"، إضافة إلى عبارة لاتينية “Deus vult” (الله يشاء)، وهو شعار تاريخي للحروب الصليبية أعادت إحياءه جماعات يمينية متطرفة في السنوات الأخيرة.

وفي كتابه "الحملة الصليبية الأمريكية" الصادر عام 2020، كتب هيجسيث أن الحضارة الغربية "ينبغي أن تشكر الصليبيين"، ملمحاً إلى أن العمل السياسي الديمقراطي وحده قد لا يكون كافياً لتحقيق أهداف المحافظين.

ويرى روبرت ب. جونز، رئيس معهد أبحاث الدين العام في واشنطن، أن خطاب هيجسيث يتجاوز السياسة التقليدية، محذراً من أنه يصور الصراع مع إيران باعتباره "حرباً مقدسة بين دولة مسيحية مزعومة ودولة مسلمة”.

كما كشفت مؤسسة الحرية الدينية العسكرية أنها تلقت أكثر من 200 شكوى من عسكريين قالوا إن بعض القادة يستخدمون خطاباً دينياً متطرفاً يتحدث عن "نهاية الزمان" لتبرير الحرب ضد إيران.

وفي ظل تصاعد الحرب في الشرق الأوسط، يرى مسئولون سابقون في الإدارة الأمريكية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قيادة عسكرية تتسم بالاتزان الاستراتيجي، لا إلى خطاب دعائي متفاخر بالقوة.

وقال بريت بروين، المسئول السابق في إدارة باراك أوباما، إن الأمريكيين وحلفاءهم "لا يحتاجون إلى الشعارات والغطرسة، بل إلى طمأنينة بأن الجيش الأمريكي في أيد مستقرة”.