- نائب رئيس مجلس الدولة: عدم التنفيذ تطاول على القضاء ويهدد أمن مصر
- د. محمود السقا: الحبس والعزل والغرامة عقوبة المتخلفين عن تنفيذ الأحكام
- د. صلاح صادق: تجاهل الأحكام ينشر العنف والفوضى ويشوه سمعة مصر
- عصام الإسلامبولي: إهدار أكثر من 600 حكم قضائي في الانتخابات كارثة
تحقيق- إيمان إسماعيل:
أصدرت محاكم القضاء الإداري بمجلس الدولة في المحافظات المختلفة خلال الأيام القليلة الماضية أكثر من 600 حكم قضائي، ما بين وقف الانتخابات في الدوائر الانتخابية المختلفة، أو بإدراج أسماء عدد من المرشحين في الكشوف النهائية للمرشحين، إلا أن كل تلك الأحكام ضربت بها الحكومة المصرية عرض الحائط ولم تدخل حيز التنفيذ!
ففي القاهرة قضت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة ببطلان الانتخابات في 60 دائرة انتخابية، بـ12 محافظة، ففي محافظة القاهرة الكبرى قضت محكمة القضاء الإداري ببطلان انتخابات مجلس الشعب في دائرة (مدينة نصر ومصر الجديدة) والمرشح فيها وزير البترول المهندس سامح فهمي، بسبب عدم إدراج النائب عصام مختار ضمن الكشوف النهائية للمرشحين على الرغم من حصوله على 3 أحكام قضائية واجبة النفاذ.
![]() |
|
أتوبيسات نقل موظفي "البترول" للتصويت لصالح الوزير بمدينة نصر |
وبدائرة (الجمالية ومنشأة ناصر) قررت المحكمة بطلان الانتخابات فيها؛ بسبب عدم تنفيذ الحكم الصادر عن القضاء الإداري بإعادة صفة النائب حيدر بغدادي إلى "العمال" وإلغاء قرار اللجنة العليا بإدراجه على مقعد "الفئات"، وكذلك الوضع بدوائر (حدائق القبة) بالقاهرة، و(الهرم والعمرانية) بالجيزة، و(مزغونة)، و(كرداسة) بمحافظة السادس من أكتوبر؛ بسبب عدم تنفيذ أحكام نهائية بإدراج أسماء بعض المرشحين المستقلين في كشوف المرشحين النهائية.
وفي محافظة "الإسكندرية" تم إيقاف الانتخابات في كل دوائر المحافظة، بما فيها دائرة "الرمل" المرشح فيها عبد السلام المحجوب وزير التنمية المحلية، ما عدا دائرة "غربال" بالمحافظة، وكذلك في بندر بني سويف، قضت محكمة القضاء الإداري بوقف الانتخابات فيها، وإعادة إجرائها مرة أخرى، وكذلك في محافظات "بنها"، و"طوخ"، و"كفر شكر"، و"شبرا ثان" وهي دائرة النائب محمد البلتاجي القيادي بجماعة الإخوان.
ومن قبل أصدر مجلس الدولة قرار يقضي بعودة الإشراف القضائي على الانتخابات، إلا أن القرار لم يطبق أيضًا!
الجدير بالذكر أن إهدار أحكام القضاء لم يحدث فيما يخص الانتخابات فقط، بل من قبل، لم يطبق قرار بطرد حرس الداخلية من الجامعة واستبداله بحرس تابع لإدارة الجامعة، وعدد كبير جدًّا من الأحكام الأخرى!!
والسؤال الذي يطرحه (إخوان أون لاين) في سطور التحقيق التالي: ما خطورة عدم تنفيذ الأحكام القضائية في مصر؟
سيادة القانون
بدايةً يوضح المستشار محمد فؤاد جاد الله (نائب رئيس مجلس الدولة، وأستاذ القانون الدولي) أن أحد معايير تحضر الأمم وتقدمها، هو مدى احترامها وتنفيذها لأحكام القضاء من عدمه، مشيرًاً إلى أن الدولة من المفترض أن تكون قدوة في ذلك لأن أفراد المجتمع سيقتدون بما تقوم به، فإذا لم تحترم الدولة الأحكام، فبالتالي أفراد المجتمع لن يلتزموا بها مطلقًا!
ويقول إن النظام المصري يعاني من إشكالية كبيرة، متمثلة في تنفيذه للأحكام القضائية المتفقة مع رغبتها فقط، وما يتنافى مع رغبتها ومصالحها تقوم بتجاهله تمامًا والالتفاف حوله والمماطلة في تنفيذه، لافتًا النظر إلى أن الحجج التي ساقتها الدولة في عدم تنفيذ الأحكام الخاصة بانتخابات مجلس الشعب- سواء بوقفها في إحدى الدوائر، أو بإدراج أسماء مرشحين في الكشوف النهائية- قامت الدولة بتقديم استشكالات وتقدمت بحجج واهية لعدم تنفيذها، على الرغم من أن القانون ينص على أن الاستشكال لا يوقف التنفيذ!
جريمة!

ويضيف: هناك مبدأ في غاية الأهمية، أن ما استقرَّت عليه أحكام القضاء الإداري، وأيَّدته المحكمة الدستورية، هي أحكام واجبة النفاذ، بالإضافة إلى أن حجية الأحكام القضائية تعلو على النظام العام ذاته، موضحًا أن أي حكم قضائي نهائي يعلو على النظام العام ذاته، والتزام الجهة الإدارية بتنفيذه واجب دستوري، والامتناع عن تنفيذه جريمة في حق الشعب ذاته، ويخضع الممتنع لعقوبات رادعة.
ويلفت النظر إلى أن مبدأ (57) من الدستور ينص على أن الاعتداء على الحرية الشخصية، أو أي حرية نص عليها الدستور جريمة تظل قائمة ولا تسقط بالتقادم، كما أن المادة (62) من الدستور تنص على أن من حق أي إنسانٍ أن ينتخب ويترشح طالما استوفى الشروط المطلوبة.
ويقول: إن بتطبيق مواد تلك القوانين على أرض الواقع فإن أي انتهاك لحق الناخب أو المرشح لا يسقط حكم القضاء فيه بالتقادم، ولا تسقط الدعوى الجنائية، ويمكن ملاحقته طوال العمر جنائيًّا، وماديًّا.
ويوضح أن المادة (64) من الدستور تنص على أن سيادة القانون هي أساس الحكم في الدولة، فالدولة بذلك تخضع للقانون سواء كانت الجهة الموقع عليها العقوبة جهة إدارية، أو أفراد، أو حتى وزير أو رئيس دولة، مؤكدًا أن استقلال القضاء واحترام أحكامه هو دليل سيادة القانون من عدمه.
ويستطرد: المادة (72) من الدستور تفيد بأن الأحكام تنفذ باسم الشعب وبلسان حالهم، لأن الشعب هو مصدر السلطات، فلا رئيس الدولة ولا السلطة التنفيذية ولا التشريعية ولا القضائية تستطيع أن تجبره على أي شيء، موضحًا أن أي امتناع عن تنفيذ أحكام القضاء وتفعيل بنوده يعتبر جريمةً يعاقب عليها القانون.
ويلفت النظر إلى مبدأ مهم لا يتم تفعيله في مصر على وجه الإطلاق، وهو مبدأ الشرعية والمشروعية، موضحًا أن الشرعية هو كل ما ارتضاه الشعب، أما المشروعية فهو كل ما يتفق مع القانون، وكلاهما لا يتم تفعيلهما في مصر!
تطاول على القضاء!
ويؤكد أن كل الجهات الإدارية يجب أن تلتزم بتنفيذ الأحكام القضائية، ويستوجب عليها تنفيذ الأحكام، بل يجب عليها المسارعة في إنجازها، إلا أنها بذلك تعتبر متطاولة على أحكام القضاء، وسترسخ لدى أفراد المجتمع شعورًا بعدم أهمية القضاء وأحكامه، مشددًا على أن تقاعس الجهة الإدارية عن تنفيذ أحكام القضاء يفقد المواطن الثقة بهذا النظام، ويبدأ في البحث عن وسائل أخرى؛ لأن مبدأ سيادة القانون قد تم إهداره من قبل الدولة.
ويحذر من مخاطر عدم تنفيذ أحكام القضاء التي قد تؤدي حتمًا إلى انفراط عقد الأمن في مصر، وتعم الفوضى!
ويشير إلى أن الكثير من الدول يحدث بها انتهاكات لأحكام القضاء، إلا أن الفرق بين دولة وأخرى يتمثل في أن هناك دولةً تتعمد انتهاك القانون حتى يكون الانتهاك فيها منهجيًّا كدولة مصر!، وهناك دول أخرى يحدث بها انتهاك القانون بأخطاء شخصية فلا يكون اعتيادًا لديها إنما هي زلات تحدث من وقت لآخر.
ويلفت النظر إلى أن مصر أثبتت أنها لا تحترم لا الحقوق ولا الحريات، فمنذ 20/11 الماضي منذ أن فتح باب الترشيح للمرشحين، وبدأت انتهاكات الدولة للقانون تتتابع، فمن القبض على أشخاص بأعينهم دون وجود أي تهمة، مرورًا باستغلال الحزب الوطني لسلطاته وقدراته في تقيد المعارضة، وإقصاء بعض الحركات التي أطلق عليها "محظورة" كجماعة الإخوان المسلمين وبدأ في الترويج لذلك المصطلح، إلى أن بدأ الحزب الوطني في تفعيله لنصوص قانون لم تكن موجودة قبل ذلك.
ويضيف أن تجاوزات النظام التي حدثت في 28/11 كانت انتهاكات من نوعٍ آخر، إلا أنها بأكملها خرقت القانون وأحكام القضاء بشكلٍ واضح، لافتًا النظر انتخابات 2005م كان بها إشراف القضائي على الانتخابات، وعلى الرغم من ذلك حدثت انتهاكات لا تتعدى الـ0.5%، أما ما حدث في انتخابات 2010م فمعدل التجاوزات الذي تم توثيقه تعدى الـ60%.
ويستنكر أن كل ما حدث من انتهاكات في الانتخابات التي حدثت على الرغم من أن المادة (88) من الدستور تنص على ضرورة استقلال اللجنة العليا للانتخابات، وعدم انحيازها لأي جهةٍ مهما كانت، بالإضافة إلى تمتعها بحصانة قوية، مؤكدًا أن اللجنة العليا لم تقم بأي من دورها المنوط بها، كما أنها لم تقوم بأي من مهامها.
حلول عاجلة
ويقترح المستشار جاد الله بعض من الحلول التي يجب تفعيلها بشكلٍ عاجل، قبل أن تعم مخاطر عدم تنفيذ الأحكام القضائية، مفندها في ضرورة وجود جهة إدارية لكل هيئة قضائية؛ حتى تنفذ الأحكام داخل السلطة القضائية، ويضرب مثلاً على ذلك قائلاً: لا بد من وجود جهة إدارية داخل مجلس الدولة، تخضع تلك الجهة للسلطة التنفيذية، وهو ما يتطلب تعديلاً تشريعيًّا داخل مجلس الشعب.
أما الاقتراح الثاني الذي يدفع به فهو ضرورة وضع برنامج متكامل عبر وسائل الإعلام، وغيرها من المؤسسات، يهدف إلى رفع الوعي الثقافي لدى الأفراد بأن عدم تنفيذ الأحكام القضائية جريمة في حق الشعب، يجب محاكمة المتراخين في تنفيذه، ولا تسقط بالتقادم.
ويشدد على ضرورة أن يستفيق المسئولون، وأن يحرصوا على تنفيذ أحكام القضاء، قبل أن يقودوا مصر إلى الانهيار!
برلمان باطل
![]() |
|
د. محمود السقا |
ويعلق الدكتور محمود السقا أستاذ القانون بجامعة القاهرة وعضو لجنة شيوخ المحامين على خطورة عدم تنفيذ أحكام القضاء قائلاً: "لقد ضاع كل شيء في هذه البلد ولم يبق الأمل إلا في قضاة مصر؛ حيث ماتت الحرية وقضي على الديمقراطية"، مؤكدًا أن البرلمان الذي تم تشكيله منذ أيام هو برلمان باطل ليوم القيامة، فهو مجرد مجلس للمزورين، وليس مجلسًا للشعب، لأن الشعب بريء منه.
ويضيف: إن العام القادم الذي سيختار فيه المجلس المزور رئيس الجمهورية سيكون الاختيار باطلاً هو أيضًا، فما بُني على باطل فهو باطل.
ويشدد على ضرورة تنفيذ أحكام القضاء؛ لأن عدم تنفيذها سيوقع على الممتنعين عقوبات رادعة مهما كان وزير داخلية، أو موظفًا بسيطًا، مؤكدًا أن كليهما لا بد من توقيع العقوبة عليه، طبقًا للمادة (123) من الدستور، والتي تنصُّ على أن الموظف الذي لا ينفذ أحكام القضاء يعاقب بالحبس والغرامة.
ويوضح أن المهازل التي حدثت بانتخابات مجلس الشعب منذ أيام، بينت عبث مسئولي الدولة بالشعب، وتزوير إرادته، وهو ما يؤصل لحالةٍ من الانفصال الحقيقي بين المجلس المُشكَّل وإرادة الشعب الحقيقية.
أمن مصر في خطر!
![]() |
|
د. صلاح صادق |
ويتفق معهم في الرأي الدكتور صلاح صادق أستاذ القانون الدولي بجامعة الزقازيق، موضحًا أن الأحكام القضائية لها قدسية لأنها تصدر من سلطة محايدة مشروطة، تستوفي شروط صحتها، والتي طالما صدرت صحيحة واستوفت شروطها، فلا بد من تطبيقها على الفور.
ويشير إلى أن كافة الأحكام القضائية التي صدرت في الانتخابات كانت أحكامًا مستوفية لكافة الشروط؛ لأنها استوفت كافة الشروط، فهي صادرة من شخصٍ يتمتع بحيادٍ كامل، كما لم يحدث أي إجبار على السلطة القضائية من قِبل السلطة التنفيذية بالنطق بأحكام معينة، بالإضافة إلى حتمية إيجاد القضاء في كافة أحكامه لدرجة من الحسم، وهو ما يعتبر ضمانًا لاستقرار النظام العام، في المجتمع.
ويوضح أن التلكؤ أو الامتناع عن تطبيق هذه الأحكام المستوفية لكافة شروط صحتها، يقوم به النظام المصري في الأحكام ذات الصدى السياسي، أو ذات الرأي العام، وبالطبع امتناعها غير صحيح بالمرة وغير قانوني.
ويؤكد أن الامتناع عن تنفيذ أحكام القضاء يعتبر من أسوأ الظواهر؛ لأن به رسالة ضمنية تفيد باحتقار السلطة التنفيذية للأحكام القضائية، مؤكدًا أن ذلك يترتب عليه انتشار قيم العنف والفوضى، وسعي كل فرد لاتخاذ حقه بيده؛ نظرًا لانتشار حالة من السخط وعدم الرضى بين المواطنين، وبالتالي عدم استقرار النظام العام، فضلاً عن تدهور سمعة مصر في العالم!.
ويلفت النظر إلى أن كافة الاستشكالات التي تقدمت بها الدولة على أحكام مجلس الدولة الخاصة بوقف الانتخابات، وإدراج أسماء بعض المرشحين في الكشوف النهائية، هدف النظام منه خلق الذريعة فقط، في الوقت الذي يعد مخالفًا للقانون، بل يعد من ضمن أنواع الفعل الفاضح الذي له عقوبات رادعة!
ويضيف قائلاً: إن اللجنة العليا للانتخابات موقفها مخزٍ وعار، على الرغم من أنها تضم في عضويتها بعض رموز القضاء الذي تم تجريدهم من الضمير القانوني، وارتدوا عباءة الحكومة!، مؤكدًا أن النظام بالمهازل التي قام بها في الانتخابات السابقة أثبت إفلاسه بجدارة.
ويوضح أن عدم تنفيذ أحكام القضاء به دعوة صريحة إلى ممارسة العنف، طالما أن المسلك القضائي لا يأتي بنتيجة.
ويشير إلى أنه لم يبق لدى كل شريف في مصر إلا أن يقوم بتقديم المزيد من الطعون الانتخابية لفضح ذلك النظام، محليًّا وخارجيًّا، بالإضافة إلى ضرورة جمع كل القوى الوطنية للوقوف في وجهة ذلك النظام الغاشم.
غابة!
عصام الإسلامبولي
ويقول عصام الإسلامبولي المحامي والفقيه الدستوري: إن عدم تنفيذ الدولة لأحكام القضاء بوجهة عام يعد خرقًا فاضحًا لمبدأ سيادة القانون، ويؤكد أننا لسنا بصدد دولة قانونية، بل إننا أصبحنا نحيا في ظل غابة، مؤكدًا أنها دعوى صريحة لفتح باب العنف، وهو ما يهدد أمن مصر القومي.

أما فيما يتعلق بعدم تنفيذ أحكام القضاء الخاصة بالانتخابات، والتي تُقدَّر بما يزيد عن 600 حكم قضائي من أحكام مجلس الدولة، يثبت أن القضاء هو الجهة الوحيدة التي ما زال بها الأمل في مصر، وتصون حقوق المواطنين، وأن ما حدث من استمرار الانتخابات مخالفًا للقانون، ويفقد مجلس الشعب الشرعية.
ويوضح أن مادتي (72)، و(123) من الدستور تلزم كل الموظفين بتطبيق أحكام القضاء، وإلا فيتم حبسهم وعزلهم من الوظيفة.
بالذراع!
![]() |
|
خالد بدوي |
ويلفت النظر إلى أن القانون ينص على أن من يمتنع عن تنفيذ أحكام القضاء يعتبر جنحة مباشرة، ويجب حبسه وعزله من الوظيفة على الفور، كما تم مع محافظ القاهرة في إحدى القضايا السابقة.
ويحذر من خطورة تفاقم الأوضاع في مصر وتدهورها، بسبب عدم تنفيذ أحكام القضاء، منها فقدان المواطن الثقة في القضاء، ولجوؤه إلى الحصول على حقوقه بذراعه؛ مشيرًا إلى أن ذلك يُحوِّل مصر إلى غابة يأكل القوي فيها الضعيف.
ويؤكد أن المواطن المصري الآن ليس لديه سوى خيارين، أولهما العصيان المدني والثورة على ذلك النظام، وهو ليس أسلوبنا وستعقبه كوارث عديدة، الأمر الثاني هو المقاومة السلمية، بتقديم المزيد من الطعون وفضح النظام المصري محليًّا وخارجيًّا.



