شرعت سلطة رام الله بمباركة فتحاوية في حرب استئصال متدرجة ضد حركة المقاومة الإسلامية حماس، بدأت بالإعلان عن حل وتفكيك بنية حماس الاجتماعية من جمعيات ومؤسسات خيرية وإغاثية، مرورًا بحظر نشاطات الحركة في الجامعات والنقابات، وانتهاءً باعتقال عشرات الآلاف من كوادرها القيادية والشابة.

 

وظلت تلك الأجهزة في بادئ الأمر متوجسة ومتخوفة من استجواب نساء الحركة الإسلامية أو اعتقالهن؛ لما لهذا الأمر من حساسية لدى الرأي العام الفلسطيني، غير أن تلك الأجهزة أخذت مع مرور الوقت تتجرأ في استهداف كل ما يمت لحماس بصلة، وقد ساعدها في ذلك التكتيم الإعلامي وغياب الدور الشعبي الضاغط والرافض لتلك الممارسات.

 

وبدأت أجهزة السلطة بخطوات تدريجية باستدعاءات لعدد من ناشطات الحركة الإسلامية؛ للمقابلة في مقار تلك الأجهزة؛ حيث كان هؤلاء النسوة يخضعن للاستجواب لعدة ساعات، ومن ثم يتم إطلاق سراحهن.

 

وتشير الإحصائيات والأرقام الصادرة عن حركة حماس إلى أن الأجهزة الأمنية اعتقلت منذ منتصف العام 2007م وحتى بداية شهر ديسمبر الجاري أكثر من (37) امرأة على خلفية سياسية وبتهمة الانتماء إلى الحركة الإسلامية، هذا عدا عن استجواب العشرات في مقار السلطة.

 

ممولات الحركة

تمحورت أسئلة المحققين، وتركزت في بادئ الأمر حول المواضيع المالية؛ حيث روجت الأجهزة، وفي خطوة استباقية تبريرية وعبر وسائل الإعلام المختلفة، أن حركة حماس تستخدم أرقامًا بنكيةً تعود لمئات النسوة؛ من أجل إدخال الأموال على أرقامهن، ومن ثم تعود لجمعها منهن.

 

تزامنت تلك التصريحات بقيام الأجهزة الأمنية باستجواب واعتقال عدد من النسوة؛ للاشتباه بصلتهن بقضايا مالية وبنكية، فاعتقلت في وقت سابق السيدة "أم عبد الرحمن أبو عيدة" لأكثر من 3 أسابيع تعرضت خلالها للتحقيق والضرب على أيدي المحققين، كما استدعيت السيدتان "أم الطاهر الخراز"، و"وفاء مناع" للمقابلة عدة مرات بذات الحجة.

 

وفي مدينة قلقيلية، شن جهاز "الأمن الوقائي" خلال العام الماضي حملة اعتقالات طالت زواجات عدد من التجار ورجال الأعمال في المدينة، فاعتقلت زوجات التجار "حكمت صبري" و"أبو ربيع صبري"، و"أيوب الحوتري" و"فؤاد الجيتاوي"، وتركزت أسئلة المحققين على نشاط أزواجهم التجاري وعلاقتهم المالية والمصرفية، وقد تعرض بعضهن للاعتداء والضرب، كما ترافقت عملية الاعتقال بتخريب المنازل ومصادرة مبالغ مالية.

 

حجج واهية ومبررات جديدة

بدأت كرة ثلج استجواب واعتقال نساء الحركة الإسلامية تكبر شيئًا فشيئًا، واتسعت دائرة الملاحقة من قبل الأجهزة الأمنية، ولم يعد المسوغ المالي هو السبب الوحيد للاستجواب والاعتقال، بل أصبح اعتقال زوجات المطلوبين للسلطة ورقة ضغط ومساومة تستخدمها لإجبارهم على تسليم أنفسهم، كما حدث مع السيدة "نهلة أبو العز" زوجة المطلوب للأجهزة الأمنية "أحمد أبو العز"، وكذلك الأمر مع السيدة "سماح النادي" زوجة "رياض النادي" الذي تلاحقه السلطة منذ الإفراج عنه من سجون الاحتلال؛ حيث قام جهاز "المخابرات" في نابلس باعتقالهما من منزليهما.

 

وتكرر المشهد ذاته، ولكن هذه المرة في محافظة "أريحا"؛ حيث اعتقلت الأجهزة الأمنية السيدة "إشراق دواس" زوجة الأسير لدى الاحتلال "أحمد دواس"؛ وذلك لإجبار زوجها على تسليم نفسه للأجهزة الأمنية.

 

أحداث قلقيلية ونقطة تحول أخرى

شكلت أحداث قلقيلية التي وقعت نهاية مايو من العام 2009م نقطة إضافية مريرة في مسيرة اعتقال النسوة على أيدي أجهزة السلطة، فبعد انتهاء الاشتباكات الدامية التي وقعت بين ناشطي كتائب القسام، وعناصر الأجهزة الأمنية، قامت تلك الأجهزة باعتقال زوجات أصحاب المنازل التي تحصن بها مقاتلو "القسام"، فاعتقلت السيدة "هدى مراعبة"، وهي زوجة الشهيد "عبد الناصر الباشا" الذي استضاف الشهيدين القساميين "محمد السمان" و"محمد ياسين"، وقد أصيبت "مراعبة" (61 عامًا) وقتها بتهتك في عظام الصدر وبترت يدها اليسرى؛ نتيجة إصابتها برصاص السلطة.

 

ويعتبر أسلوب فرض الإقامة الجبرية على النساء اللواتي يتم الإفراج عنهن من سجون السلطة من الأشكال شائعة الاستخدام؛ حيث يتم إجبار تلك النسوة على البقاء في منازلهن لفترة معينة قد تصل في بعض الأحيان إلى عدة أشهر، كما تترافق تلك الإقامة الجبرية مع قطع جميع أجهزة الاتصال، ويتم تهديدهن بالاعتقال الفوري في حال تم خرق هذا الأمر أو في حال تحدثن لوسائل الإعلام عن ما لاقينه أثناء فترة الاعتقال، كما جرى مع زوجة البروفيسور عصام الأشقر، وهو معتقل لدى الاحتلال؛ حيث فرضت عليها الإقامة الجبرية، ومنعت من التواصل عبر الهاتف أو الزيارات حتى مع أقرب أقربائها.

 

نزع الحجاب.. ورمي المحصنات

وعن ظروف احتجاز النسوة في سجون السلطة، تؤكد إحدى الأسيرات اللواتي تم الإفراج عنهن مؤخرًا من سجون الأجهزة الأمنية- فضلت عدم ذكر اسمها- أنها تعرضت للضرب بالعصي والشبح المتواصل لعدة ساعات، هذا بالإضافة إلى استخدام الألفاظ النابية بحقها، كما تم اتهام بعض الأخوات بعرضهن وشرفهن؛ حيث أكدت لي إحدى الأخوات أن أحد المحققين حاول نزع حجابها عن رأسها، إلا أنها صدته وقاومته.

 

وتضيف: "في بادئ الأمر اعتقدت أنني في كابوس وسأصحو منه خلال لحظات.. إلا أنني سرعان ما أدركت أنني في عالم الحقيقة، وأن هؤلاء المحققين هم من أبناء جلدتنا ويتكلمون لغتنا.. إلا أن الحقد ملأ قلوبهم وأعمى بصرهم وبصيرتهم".

 

وتضيف: "يتم في أغلب الأحيان احتجاز الأخوات في مقار الشرطة برفقة الجنائيات وذوات الجنح الأخلاقية والأمنية في ظروف نفسية سيئة للغاية".

 

قضايا تنظيمية

لم يقتصر اعتقال النسوة على خلفية الاشتباه بقضايا مالية أو لإجبار ذويهم على تسليم أنفسهم للأجهزة الأمنية، بل امتدت ليشمل معرفة التفاصيل التنظيمية النسوية وطرق العمل في الجامعات والمناطق والهياكل الإدارية؛ وهو ما حصل مع الآنسة "غفران زامل" التي اعتقلت لدى جهاز "المخابرات" في "مخيم العين" غرب نابلس.

 

تروي "زامل" قصة اعتقالها في سجون السلطة، فتقول: "في بداية يونيو الماضي، وبينما كنت برفقة إحدى صديقاتي في المخيم، استوقفتنا سيارة فيها اثنان وطلبا بطاقتنا الشخصية، وبعد دقائق حضرت سيارة ثانية تابعة للجهاز، ومعها فتاتان، ومن ثم توجهوا بنا إلى مقر المخابرات في منطقة "المخفية"، ثم بعد ذلك وضعوني في غرفة وصديقتي في غرفة أخرى".

 

وتضيف: "بدأ المحققون بسيل من الأسئلة، ولم يكونوا مقتنعين بإجاباتي، تمحورت أسئلتهم حول الكتلة الإسلامية في جامعة النجاح الوطنية، وعن دوري فيها أثناء دراستي، فأبلغتهم أني مجرد مؤيدة ولم أمارس أي نشاط سوى المشاركة في الأنشطة العامة، ثم سألوني عن علاقتي ببعض الشخصيات النسوية في نابلس، وفي مساء ذات اليوم اقتحموا منزلي وصادروا جهاز الكمبيوتر الخاص بي، وأخذوا بعض الأوراق والدفاتر القديمة الخاصة بالجامعة أيام دراستي، وكان بداخلها ملصقات للكتلة وبعض الأوراق، ودفتر به أرقام هواتف خاصة بصديقات، فاتهموني بأنني أحفظ هذه الأرقام لإجراء تواصل بين الأخوات في المناطق والمدن في مرحلة الانتخابات التشريعية".

 

بعد ذلك نقلوني إلى مقر الشرطة، وبقيت حتى الساعة التاسعة صباحًا، ثم أعادوني إلى التحقيق ليطلقوا في المساء سراحي".

 

أما ما شكَّل سابقةً خطيرةً وجديدة في ظروف احتجاز النساء لدى السلطة، تعرُّض "غفران" للشبح؛ حيث تؤكد تعرضها للشبح من الساعة السادسة والنصف مساءً وحتى العاشرة والنصف ليلاً، وتقول: "ربطوا عينيَّ وكانت يداي مرفوعتين، وأقف باتجاه الحائط، وأطفئوا الكهرباء، كما أجبروني على سماع الأغاني بصوت مرتفع جدًّا حتى ساعات الفجر".

 

ردود الفعل

 الصورة غير متاحة

 د. عبد الستار قاسم

الدكتور "عبد الستار قاسم" أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح بنابلس، اعتبر أن ما تقوم به السلطة الفلسطينية من حملات اعتقال واستجواب ضد نساء الحركة الإسلامية جزء من الاتفاقيات الأمنية التي ألزمت السلطة نفسها بها، بغض النظر عن كون تلك الممارسات تطال النساء أم الرجال.

 

كما وصف د. قاسم لـ(إخوان أون لاين) المؤسسات الحقوقية والفصائل بأنها جبانة وخائفة و"قليلة ضمير" في أحسن الأحوال، كما اتهمها بأنها لا تريد أن تدخل في هذا السجال حفاظًا على مصالحها ومخصصاتها المالية، هذا عدا عن كونها فصائل ومؤسسات يسارية في أغلبها، وهي على خلاف سياسي وأيديولوجي مع حركة حماس الإسلامية.

 

3 أسيرات في سجون السلطة

وفي ذات السياق، ترى النائب في المجلس التشريعي "منى منصور" اعتقال النساء على أيدي أجهزة السلطة، بأنه نقط سوداء إضافية في تاريخ هذه الأجهزة، وتجاوز لآخر الخطوط الحمراء، واعتداء على قيم الشعب الفلسطيني.

 

وأشارت منصور إلى أن جميع الحجج التي تحاول السلطة تسويقها لتبرير عملية الاعتقال هي حجج كاذبة، ولا أساس لها من الصحة، وأن الغرض منها تشويه الحقيقية وخلط الأوراق أمام الرأي العام الفلسطيني.

 

وطالبت منصور بضرورة الإفراج الفوري عن الأختين تمام أبو السعود المربية الواعظة من مدينة نابلس، وزهيرة برقان من الخليل، بالإضافة إلى ميرفت صبري من مدينة قلقيلية؛ اللواتي لا يزلن معتقلات في سجون السلطة، حتى تاريخ كتابة هذه السطور.