هدد جنوبيون قادمون من شمال السودان باللجوء لدول غربية، وخاصةً الولايات المتحدة أو أستراليا، في حال الانفصال، مؤكدين أنهم يرفضون ما يجري في جنوب السودان، وفشل حكومة الجنوب في إحداث أية تنمية، كما أنهم حذروا من وقوع اقتتال داخلي بين القبائل في الجنوب حال الانفصال؛ ما يفقدهم الأمن الذي كانوا يتمتعون به خلال وجودهم في الشمال قبل الاستفتاء.
ويعاني الجنوبيون القادمون من الشمال أزمات عديدة بعد عودتهم؛ طبقًا للترحيل الاختياري الذي قامت به حكومة الجنوب حتى يدلوا بأصواتهم في الاستفتاء الذي ينتهي بعد يومين، وتتمثل هذه الأزمات في عدم وجود مأوى لهم بعد تركهم الجنوب لأكثر من 25 عامًا، واستقرارهم في الشمال، بل إن كثيرًا منهم لم يستطِع التعرف على أهله في الجنوب، كما أن الحكومة الجنوبية لم تجد لهم مأوى، فقامت بتسكينهم في إستاد جوبا وعدد من المدارس التي تمَّ مراقبتها بشكل مشدَّد؛ منعًا لتصوير الوضع المأساوي لهؤلاء القادمين من جنة الشمال، كما أشار إلى ذلك زكريا بسيسو، الذي التقينا به في أحد الأسواق وهو يتشاجر مع عدد من الباعة لغلاء أسعار السلع بالمقارنة بالشمال.
وأكد بسيسو أنه في حال الانفصال وعودة الجنوبيين الموجودين في الشمال فإنه سوف يطلب اللجوء لأية دولة أجنبية، وخاصةً الولايات المتحدة؛ لأنه يرفض العيش في دولة تحكمها حركة فاشلة، لم تقم بأية تنمية في الجنوب على مدار 6 سنوات؛ ما جعله من أفقر مناطق العالم.
وأضاف بسيسو أن الحركة الشعبية طوال الفترة الماضية وهي تتحدث عن الانفصال، ولكنها لم تقدم أي شيء يحفِّزنا على هذا الانفصال.
وتشارك "سارة واني"- وهي فتاة وُلدت في الشمال وتعلمت به- بسيسو كلامه، موضحةً أنها فوجئت بهذا الوضع في الجنوب، وأنها منذ البداية لم تكن تريد الانفصال لأنهم سودانيون، ولا يتصورون في يوم من الأيام أن تكون لهم جنسية أخرى.
ولم تنفِ سارة أن وضعهم في الشمال غير جيد، ولكنها قالت إن الشمال بالنسبة للجنوب جنة، فهم عندما رحَّلتهم حكومة الحركة لم توفر لهم مساكن والأسعار مرتفعة جدًّا، وحتى عائلاتهم لم تستطع التعرف عليهم، موضحةً أن الجنوب ليس به أي مقومات للدولة وأن دعاة الانفصال سوف يستيقظون على واقع مؤلم.
![]() |
|
المعيشة في جوبا تفتقر لأدنى مقومات الحياة المدنية |
أما السلطان حسن بكور فقال إن لديه ثلاثة أبناء، وعندما قدم إلى الجنوب كان متوقعًا أن يشاهد أية معالم للتنمية، ولكنه فوجئ بالوضع المتردي في معظم الأماكن، كما أنه شعر بعدم الأمان في ظل وجود الحركة الشعبية التي تريد أن تنفذ مخططات أمريكية وصهيونية، وتساءل بكور: "لماذا لم يحضر لنا رئيس حكومة الجنوب في إستاد جوبا ليرى أوضاعنا المأساوية ومعاملة الشرطة لنا"، وأكد بكور أن الحركة أعطتهم أموالاً من أجل العودة إلى الجنوب للتصويت لصالح الانفصال، ولكنهم صوَّتوا لصالح الوحدة؛ لأنها الأفضل لأهل الجنوب.
وأكد بكور أنه سوف يهاجر للخارج في حالة الانفصال، ولن يستقرَّ في الجنوب، موضحًا أنه التقى بعدد كبير من أبناء الجنوب المستقرين في الجنوب وليسوا قادمين من الشمال، وهم أيَّدوه في نفس الخطوة وسوف يهاجرون إلى خارج الجنوب، وبرَّر بكور موقفه في أنه يتوقع اقتتال بين القبائل وقيادات الحركة للاستحواذ على ثروة البترول، وهو ما يعيدنا إلى الحرب مرةً أخرى، وفي حال إذا رفضت الحكومة في الشمال استمرارهم في أماكنهم ووظائفهم فسوف يلجئون إلى الخارج.
ويشير يابوريك عبد الله، وهو محامٍ جنوبي قادم من الشمال للتصويت في الاستفتاء، إلى أنه في حال الانفصال فإن الدولة الجديدة سوف تواجه أزمة فشل في الإدارة؛ لأن المواطنين الجنوبيين القادمين من الشمال شعروا بفرق واضح بين الحياة والتنمية هنا وهناك، كما أن هناك عددًا مقدرًا من أبناء الجنوب أنفسهم لديهم تخوف من نشوب اقتتال داخلي بين القبائل والأحزاب، بل وبين الجيش الشعبي نفسه، ولذلك فهناك عدد لا بأس به؛ إما أن يظل في الشمال ويتنازل عن انتمائه للجنوب في حال الانفصال، أو أنه سوف يرحل للخارج بحثًا عن الأمن والاستقرار الذي شعر بعدم وجوده في الجنوب، مضيفًا أن دعاة الانفصال لم ينظروا إلى هذه القضايا واهتموا فقط بالبحث عن مصالحهم الخاصة.
وأشار عبد الله إلى أنه عندما عادوا إلى الجنوب للتصويت توقعوا أن يجدوا مكانًا للإقامة ولكن الحكومة قامت بتوزيعهم على المدارس والكنائس دون أن تقدم لهم أية خدمات، وهو ما جعل عددًا كبيرًا يستقر على عدم العودة للجنوب مرةً أخرى في حال الانفصال.
أما سليل يلي، وهو مواطن جنوبي لم يخرج من قريته طوال حياته، فقال إن عمره الآن 34 عامًا، ولم يجد فرصة عمل مستقرة، وعندما جاء عدد من أقاربه الذين كانوا في الشمال لم يستطع التعرف عليهم، ودارت بينه وبينهم حوارات عديدة استقر بعدها على أنه سوف يلجأ إلى مصر أو السعودية حتى يدرس القرآن، ويعمل داعية ومعلمًا يجوب إفريقيا، وعندما سألته: ولماذا لا تتعلم ثم تعود إلى وطنك؟ قال إن حكومة الحركة تضطهد المسلمين وهو لا يشعر معهم بالاستقرار أو الأمان.
وتشير نانجو أغو، إحدى العائدات للجنوب من أجل الاستفتاء، إلى أنها تركت أبناءها في الخرطوم لاستكمال دراستهم، وجاءت إلى الجنوب مع عائلتها قبيل الاستفتاء للتعرف على الأوضاع فيه حتى يقرِّروا موقفهم هل الاستقرار في الشمال أو الجنوب، وتضيف أنها شخصيًّا ضد الانفصال ولكن عائلتها كانت تفضل ذلك والعودة للجنوب، وبعد أن شاهدوا الحياة في الجنوب قرَّروا التصويت للوحدة والعودة للخرطوم؛ حيث الحياة الهادئة والمستقرة، موضحةً أنها شعرت أن وجود أبنائها في الشمال أكثر أمانًا لهم؛ حيث إنهم يتلقون تعليمهم دون أي مشكلات.
