- التحالف فكرة مثالية لكنها لم تنجح على أرض الواقع
- القوى السياسية تعزف عن "الفردي" والإخوان يتحملون عبئها
- الحصار الشعبي للفلول يمنعهم من اختراق برلمان الثورة
حوار: الزهراء عامر
أيام قليلة تفصلنا عن الانتخابات البرلمانية الأهم في تاريخ مصر الحديث، والتي سيجري على أساسها نقل السلطة التشريعية ونقل كل السلطات إلى إدارة مدنية منتخبة؛ بما يقطع شوطًا كبيرًا في مسيرة الثورة المصرية إلى أهدافها.
ومع أهميتها الكبرى يزداد قلق الجماهير من إفشال الانتخابات أو تغيير مسارها المنشود وتزييف إرادتها، خاصةً مع فشل القوى السياسية الكبرى في إنشاء تحالف انتخابي وقوائم موحدة تواجه محاولات الفلول للالتفاف على البرلمان والثورة.
وحول الوضع الانتخابي الراهن وأسباب تفكك التحالف الديمقراطي كان هذا الحوار مع د. محمد البلتاجي، عضو المكتب التنفيذي لحزب "الحرية والعدالة" وأمين الحزب بالقاهرة ومنسق التحالف الديمقراطي:
* نبدأ معكم من نقطة انسحاب عدد من الأحزاب والقوى الوطنية من قوائم التحالف الديمقراطي، فما أسباب ذلك؟
** أودُّ أن أوضح أن التحالف الديمقراطي هو نتاجٌ للتحالف السياسي الذي تأسس بعد الثورة لإقامة حالة واسعة من التوافق الوطني، والذي أنتج ورقة رؤية التحالف لتشكيل هيئة لوضع دستور جديد، ومن ثم جاءت فكرة إنتاج قائمة وطنية موحدة تواجه فلول النظام السابق في الانتخابات، وهذه الفكرة مثالية لكنها لم تنجح.
* ولماذا لم تنجح؟
** أطراف عدة أعلنت أنها خارج هذا التحالف الانتخابي وليس السياسي؛ حيث خرج حزب "التجمع" في البداية، ثم حزب "الوفد" في مرحلة لاحقة، ثم "النور"، وأعلن أنه سيترشح بقائمة خاصة به، وبعدها خرج حزب "الوسط" وأعلن أنه سيشكِّل قائمةً مع آخرين خارج التحالف وخارج التنسيق مع الإخوان، وخرجت أحزاب "الأصالة" و"الفضيلة" و"الناصري" و"البناء والتنمية"؛ اعتراضًا على نسبة وجودهم وترتيبهم وأماكنهم في قائمة التحالف، وبالتالي أصبحت فكرة عمل قائمة وطنية موحدة لمواجهة فلول النظام السابق فكرة غير واقعية.
ويوجد الآن في التحالف- وبشكل مستقر- أحزاب الحرية والعدالة والكرامة والغد والعمل والحضارة والإصلاح والنهضة.
سياسة الاستحواذ
* ثمة هجوم على حزب "الحرية والعدالة" واتهامه بأنه يسلك نفس طريق الحزب الوطني؛ بمحاولة استحواذه على القائمة، وبالتالي الحصول على أغلبية المقاعد في البرلمان..!.
** لا بد أن نفرق بين أمرين؛ هما: الترشُّح للانتخابات، والحصول على مقاعد في البرلمان القادم، فنحن نتحدث الآن عن نسبة ترشُّح للانتخابات وليس مقاعد البرلمان؛ لأن من يعطي هذه المقاعد هو الشعب والجماهير بالتصويت بحرية كاملة في انتخابات حرة سليمة، وأنا من حقي كحزب أن أنافس الآخرين بنسبة 100%، وهذا ليس استحواذًا أو احتكارًا؛ لأن الذي يقرر هذا هو الشعب.
كما أن التنافس بيننا ليس تنافسًا بين مكونات الحلف بعضها بعضًا، وهي ليست فكرة نسبة الإخوان داخل التحالف، ولو افترضنا أن نصيبنا داخل قوائم التحالف 80%، فإن هذا يعني أن الإخوان ينافسون على 40% من مقاعد البرلمان فقط، وهذا أقل من السقف الذي وضعه الحزب؛ إذن نحو 60 % للقوى السياسية الأخرى.
العزوف عن الفردي
* وهل الإخوان يرغبون في الحصول على الأغلبية بزيادة أعداد المرشحين بنظام "الفردي"؟
** الإخوان لم يترشحوا إلا على 70% من المقاعد الفردية، ومع هذا معظم القوى السياسية لم تقدم مرشحين "فردي عمال" ولا "امرأة"، وكل ما قدموه "فردي فئات" "ذكور"، إذن الفردي موجود ومطروح، والقوى السياسية تعزف عنه، ونحن نتحمَّل ذلك كجزء من العبء الانتخابي، وبالتالي فإن نسبةً كبيرةً من مرشحي الحزب نشغل بها المقاعد الفردية التي لا يطلبها أحد، خاصةً "العمال" و"المرأة".
* وما النسبة النهائية لحزب الحرية والعدالة في القائمة بعد الانسحابات؟
** ليس هناك نسب.. نحن نقيس المرشحين وتربيطهم بالشكل الذي يضمن نجاح القائمة بنسبة 100%.
* ولماذا إذن التخوف المستمر من نوايا الإخوان في حصد الأغلبية البرلمانية؟
** نحن قرَّرنا منذ وقت طويل أننا نسعى للحصول على ثلث البرلمان، ونحن لن نتعدَّى هذا الثلث، ونريد بذلك الوصول إلى أغلبية برلمانية لصالح الوطن، تضمُّ كل القوى السياسية؛ حتى لا يكون هناك برلمان يحتوي على مكونات ضعيفة، وبالطبع لن يصلح لخدمة هذا الوطن لو لم يكن برلمانًا قويًّا يتكون من مكونات رئاسية قادرة على القيام بمهامه الرقابية والتشريعية؛ لذا سعينا لتوافق وطني من خلال التحالف الديمقراطي من أجل مصر للوصول إلى برلمان معبِّر عن الجميع؛ لأننا لن نقوم فيه بدور المعارضة، بل سنشارك في دور الرقابة والتشريع.
* وما أسباب تأخر إعلان قائمة التحالف بعد أسبوع كامل على فتح باب الترشُّح؟
** لأنه ما زال هناك أسماء تقدَّم وأسماء تؤخَّر، وهناك انتقال ما بين "الفردي" و"القوائم"، وما زالت هناك أسماء تطرحها القوى السياسية المشاركة في التحالف لوضعها بطريقة معينة في القائمة.
منافسة شريفة
* كيف ترى المنافسة الانتخابية بعد عدم نجاح فكرة التحالف؟
** الوضع الآن على الساحة الانتخابية أن هناك أحزابًا هي كتل انتخابية، مثل قائمة "التحالف الديمقراطي" و"الكتلة المصرية" ومجموعة جديدة تسمَّى "تحالف الثورة مستمرة" "و"حزب النور" كفصيل إسلامي و"الوسط"؛ الذي يشكِّل مجموعةً مع آخرين، وسيكون بينهم تنافس سياسي شريف، بجانب حزب الوفد؛ الذي يقوم بإعداد قائمته بطريقته، والأحزاب والفلول المنبثقة عن الحزب الوطني المنحل.
* كيف سيتعامل حزب "الحرية والعدالة" مع التكتلات الإسلامية، وعلى رأسها حزب "النور"؟
** لا بد من العمل في ضوء منافسة شريفة، تحكمها أخلاقيات الإسلام والمصالح الوطنية، ونحن نتحدث عن قوائم نسبية؛ بمعنى أنه ليس لأحدنا إزاحة للآخر، وبالتالي من الممكن أن ينجح عندنا مرشحون وعندهم مرشحون، والفيصل النهائي في التنافس هو رأي الشعب والنماذج الشخصية التي تقدمها كل الأطراف ومن يمثل فكرته، وسيبقى هذا معيار ترجيح بين الناس.
امتحان حقيقي
* يقال إن الشعب المصري اختار الإخوان في الانتخابات الماضية انتقامًا من الحزب الوطني المنحل؛ فهل يختاركم اليوم؟!
** لاشك أننا أمام امتحان حقيقي، وكنا ندَّعي في السابق أننا لو نزلنا أمام الحزب الوطني بانتخابات شريفة سنحصل على 100%، وهذا كان واقع الانتخابات الطلابية والنقابات المهنية في السابق في المرات التي كان يسمح بانتخابات شريفة بيننا وبين الحزب الوطني، أما بعد الثورة فقد وُلد مناخ جديد وانتخابات حرة، وهناك أطراف سياسية شريفة ومتعددة أخرى.
التعددية السياسية
* ترشح الإخوان بنسبة 100% في انتخابات الأطباء ولم يحصدوا سوى 65% من المقاعد؛ فهل هذه النتيجة تؤشر للانتخابات البرلمانية؟
** هذه قواعد لعبة سياسية ديمقراطية صحيحة، تبشِّر بأننا مقبلون على حالة تعددية، ولن يكون الإخوان اللاعب الأوحد أو المنفرد حتى لو ترشَّحوا على 100%، ستظهر قوى جديدة تثبت حالة التعددية في الساحة السياسية القادمة، فالتنافس- سواء بين الإسلاميين الذين ينتمون لمدارس إسلامية أخرى وبين الإخوان الذين لهم مدرستهم الإسلامية، أو بين السياسيين من تيارات أخرى ليبرالية ويسارية وقومية وغيرها وبين الإخوان كتيار إسلامي سياسي- هو تنافس سيفتح حالة التعددية في الساحة السياسية القادمة في كل الأحوال، لن يكون هناك احتكار أو أحادية في المشهد السياسي، وهذا لصالح الجميع ولصالح الإخوان أنفسهم.
* كيف يكون لصالح الإخوان؟
** حتى يدفع الإخوان على زيادة التطوير والابتكار والإبداع وتقديم الجديد؛ فحين يضمن الإخوان حصولهم على 100% في الانتخابات ستكون هناك حالة من الجمود، وثقة في أنهم ناجحون بدون أن يطوِّروا أنفسهم، وحينما يكون هناك حالة تنافسية وتعددية تفرض نفسها فهذا يفرض عليهم حالةً من التطوير والتجويد والابتكار والإبداع وتقديم الجديد.
برلمان الثورة
* هل من ضمانات تمنع الفول من اختراق البرلمان القادم؟
** نحن نؤمن بضرورة إجراء انتخابات شريفة لإنتاج برلمان يستكمل مسيرة الثورة، وأهم هذه الضمانات أن يصدر قانون العزل السياسي، ونحن نتحدث تحديدًا عن أعضاء اللجان العامة للحزب الوطني واللجان التأسيسية ولجنة السياسات ونواب مجلسي الشعب والشورى على الأقل في انتخابات 2010م، وهذه ضمانة أساسية وأحد مطالب الثورة.
ولا بد للمجلس العسكري أن يسعى لتنفيذها، بجانب الحصار الشعبي الذي يجب أن يبدأ الآن فورًا لعمل قوائم سوداء لرموز الحزب الوطني ولمن أفسدوا الحياة السياسية والتشريعية في المرحلة السابقة، ويمهِّد هذا لمنع هؤلاء من اختراق الحياة البرلمانية؛ لأنه لا يعقل أن يتصدَّر برلمان الثورة- أو يوجد فيه- أعداء الثورة.
* بماذا تفسر تباطؤ المجلس العسكري في إصدار قانون العزل السياسي؟
** هذه محاولات لإعادة إنتاج ماضٍ؛ بالسماح لمن قامت ضدهم الثورة أن يكونوا في صدارة المشهد السياسي بعد الثورة، وهو تعطيل لمسيرة الثورة.
الإخوان والمجلس العسكري
* اتهامات عدة للإخوان المسلمين بعقد صفقات مع المجلس العسكري.. فما ردك؟!
** هذا كلام غير صحيح؛ فالمجلس يتحاور مع ائتلافات الشباب بكل أشكالها، وعندما اختار حكومةً جاء فيها الوفد والتجمع ولم تضمّ إخوانًا، وعندما تم تشكيل المجلس الأعلى لحقوق الإنسان لم يضمّ أي عضو من الإسلاميين، بينما ضم أشخاصًا من التيارات السياسية الأخرى؛ فالمجلس يتحاور مع كل القوي السياسية، ولا توجد خصوصية في العلاقة بينه وبين الإخوان.
وحينما كان المجلس العسكري يستجيب لمطالب الثورة، وقام بحل المجالس النيابية وإقالة حكومة شفيق والمجالس المحلية والحزب الوطني وأمن الدولة؛ كان من الطبيعي أن ندعمه أو نشكره، وأن نقف إلى جواره فيما سمَّاه البعض بالتوافق بين الإخوان والمجلس العسكري، وحين بدا في المشهد مظاهر تدعو للقلق من ناحية استمرار تقديم المدنيين للمحاكمات العسكرية وتجديد حالة الطوارئ وتفعيلها وإصدار مراسيم لا تكفي احتياجات المرحلة- فضلاً عن تعطيل قانون العزل السياسي، بالإضافة إلى ترك الحالة الأمنية على هذا النحو وترك عناصر البلطجة في الساحة- أصبح خطابنا واضحًا اتجاهه ورافضًا بقاء الأوضاع على هذا النحو فيما سمَّاه البعض صدامًا أو نهاية شهر العسل بين الإخوان والمجلس العسكري، ونحن لا نهتم بهذه التصنيفات أو المسميات، وإذا أحسن المجلس العسكري نشكره وندعمه، وإذا لم يسعَ المجلس العسكري سعيًا جادًّا لتسيلم السلطة إلى سلطة مدنية منتخبة برلمانًا وحكومةً ورئيسًا فسنقف في وجهه.
هذه أقوال تناقلتها أطراف سياسية مختلفة مع الإخوان، وتناقلتها منابر إعلامية بطبيعتها مضادّة للإخوان كما قلت، ولا أقول إن الإخوان لا يخطئون، ولكنهم يجتهدون فيصيبون، ويجتهدون فيخطئون، وعندما كان المجلس العسكري يحسن كانوا يأتون في المشهد داعمين له، وحينما سار المجلس العسكري على النهج الذي لا يحقق مطالب الثورة أو لا يضمن انتقالاً واضحًا للسلطة بدأ صوت الإخوان يعلو ضدهم.
احتياجات الوطن
* لماذا تم اختيارك على رأس قائمة جنوب القليوبية؟
** الانتخابات في هذه المرحلة- وخاصةً القوائم- لا تمثل حالة عطاء محلي وارتباط بدوائر بقدر ما تمثل احتياجات الوطن لمن يقوم بحمل أعباء المرحلة في هذا الوقت، والدور المنتظر من البرلمان ليس دور خدمات محلية هنا أو هناك، ولكنه برلمان يُنتظر منه مهام محددة، وهي استلام كامل للسلطة التشريعية من المجلس العسكري، وهذا يمثل أولى مراحل انتقال السلطة من الجيش إلى سلطة مدنية منتخبة، بجانب تشكيل لجنة لوضع دستور، وفق رغبة الوطن ومكوناته، وهذا يمثل عصرًا اجتماعيًّا جديدًا لتاريخ مصر، بالإضافة إلى دوره الرقابي على أداء الحكومة، بل على أداء المجلس الأعلى للقوات المسلحة لحين انتهاء المرحلة الانتقالية، فضلاً عن تشكيل حكومة وطنية منتخبة قادرة على القيام بأعباء المرحلة، وبالتالي أنا لا أتصور أن يكون للبرلمان علاقة بمنطقة جغرافية، وهذه الأدوار من اختصاص المجالس المحلية القادمة.