لن أتحدث عن الطوابير الطويلة، وإصرار الشيوخ والعجائز قبل الشباب والفتيات على الذهاب إلى لجان التصويت لأداء الواجب الانتخابي لأول مرة في انتخابات تشريعية مصرية حقيقية، لا تزوير فيها ولا تزييف، ولا منع ولا تخويف.

 

بل أريد الإشارة إلى الدرس الذي لقَّنَه الشعب المصري الذكي إلى مجموعات من الذين يحتكرون المشهد السياسي والثقافي والإعلامي منذ ستين عامًا عجافًا، وظلوا طوال شهور مضت يستهينون باختيار الشعب وقدرته على التمييز، وراحوا من خلال الشاشات الفضائية والصحف الورقية والإلكترونية يقصفون العقل والوجدان والروح بكلِّ ما هو قبيح ورديء ودميم من الأفكار والتصورات والآراء، ويصرون في نهاية المطاف أن الديمقراطية لا تليق بالشعب المصري، وأن الانتخابات ستقوده إلى بحار الظلمات، بل إنها ستكون ميدانًا للقتل والدماء، والصراعات التي لا تنتهي!

 

في الدائرة الرابعة بالقاهرة فاز بالمقعد الفردي أحد الناشطين العلمانيين المشهورين لأسباب شتى، فما كان من المنافس الإسلامي الذي لم يوفق إلا أن قدَّم له التهنئة، وتمنى له التوفيق في مهمته التي أسندت إليه بالنيابة عن الشعب.. هذا الموقف الراقي المتحضر لم يلفت نظر السادة الذين يصرُّون على تجريد الشعب المصري من دينه وعقيدته وقيمه، ويريدون له أن يقفز على المقدسات ليكون حداثيًّا ومستنيرًا وتقدميًّا (بالمفهوم الغربي)، وإلا فإنه يعيش في القرن التاسع الميلادي، مثلما كانت أوروبا تعيش في قبضة الكنيسة، وترفض أن يكون الحكم لغير الإنجيل! حيث كان رجال الكنيسة في أوروبا يعارضون حقَّ البشر في التشريع لأنفسهم، ويطالبون بتطبيق ما كانوا يسمونه القوانين الإلهية، كما نجد في حديث هنكمار رئيس الأساقفة في إمبراطورية شارل الثالث في القرن التاسع الميلادي، لقد كتب يقول: "دعهم يحمون أنفسهم إن استطاعوا بسياج من القوانين الوضعية أو التقاليد البشرية لكن عليهم أن يعلموا لو كانوا مسيحيين؛ أنهم لن يحاسبوا على أعمالهم يوم الدين بالقانون الروماني أو بغيره من القوانين الوضعية، وإنما بالقوانين الإلهية المقدسة، ففي الدولة المسيحية يجب أن تكون القوانين مسيحية أي قوانين تتماشى مع الدين المسيحي"، يقول أحدهم: "تصوروا! نحن إذن لا نزال نعيش حتى اليوم في القرن التاسع الميلادي، نخلط السياسة بالدين، ونلجأ للسحرة؛ ونخاف من الجن والعفاريت!"

 

هذا قياس فاسد، وقياس الإسلام على المسيحية الأوربية باطل!

الإسلام ليس فيه كهنوت، ولا مؤسسة دينية، ولا رجال دين، ولا قداسة فيه لمخلوق، ولا عصمة لغير النبي- صلى الله عليه وسلم-، وكل مسلم موكول إلى ربه يحاسبه على ما اقترفت يداه، إن شاء عفا عنه وغفر له وهو واسع المغفرة، وإن شاء حاسبه بما يستحق، وهو سبحانه العادل الذي لا يظلم.

 

لا أحد في الإسلام يحكم باسم الله، ولا أحد وكيل عن الله، ولا أحد يملك غفرانًا أو حرمانًا لأحد؛ ومن يدخل إلى الإسلام يعلم علم اليقين أن الإسلام دين ودنيا، وأن القرآن الكريم قد وضع أصول الإيمان وبجوارها أصول المعاملات والسلوك والعلاقات بين الناس، وأن المسلم في عباداته وعاداته ومعاملاته متصل بالله مرتبط بقدرته سبحانه (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)) (الأنعام).

 

لسنا في حاجة أن نعيش تجربة أوروبا في القرن التاسع الميلادي، لأننا نحن أبناء الأمة الإسلامية في ذلك الحين كانت لنا اليد العليا، وكان خراج الأرض الزراعية يأتي إلى بغداد من كلِّ أنحاء المعمورة الناضجة في ذلك الحين باستثناء الغرب ومجاهل إفريقيا، وكانت بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية آنئذ لا يوجد بها أمّي أو أمية- كما يقول آدم ميتز- في كتابه النفيس عن الحضارة الإسلامية الذي ترجمه عبد الهادي أبو ريدة، فضلاً عن التفوق في المجالات الفكرية والعلمية والأدبية والعمرانية والعسكرية، وكان التشريع الإسلامي يحرك المسلمين ومن يعيش بينهم من غير المسلمين للعمل والإتقان والإبداع والتفكير والتأليف والترجمة والحياة الحرة الكريمة، كما كان يهضم ثقافات الآخرين، ويتمثل الصالح منها، ويستوعب أصحاب الأديان المخالفة وغيرهم دون قهر أو تعصب أو إقصاء.

 

كيف يأتي نفر منا بعد المشهد الرائع للتصويت في الانتخابات؛ ليعيدوا من جديد استخدام الفزاعة الإسلامية، ويصوروا الإسلام دين قهر، وتقييد للحريات، وظلم للعالمين؟!.

 

إن هؤلاء النفر مذعورون؛ لأن الناس اختاروا في المرحلة الأولى من الانتخابات التشريعية المصرية من يحملون راية الإسلام، وليس راية التبعية للغرب أو مخاصمة الإسلام!، لقد ظلت قنوات المال الحرام وصحف الضرار، وهي تتبنى فقه الاصطياد، تجمع حوادث هامشية فردية، لتشكك في الإسلام وليس التيارات الإسلامية المتنافسة في الساحة السياسية، وتنتقل من ثمّ إلى ضرورة هدم التجربة الديمقراطية التي تحاول مصر أن تدخلها بنجاح وتحضر ورقي، وكأنه لا يليق بشعبنا أن يعيش الديمقراطية في ظلِّ عقيدته وقيمه ومبادئه وأخلاقه ؟!.

 

تأمل مثلاً ما يقوله أحدهم، وكأن القيامة قد قامت: "مصر فوق كل المتأسلمين"، ثم يضيف مهددًا: "ولن نقف- نحن المصريين- مكتوفي الأيدي أمام ما يحاك من مؤامرات ودسائس لوأد ثورة ٢٥ يناير العظيمة، وإعادتنا إلى عصور الجهل والظلام والاستبداد".

 

وإني أسأله أولاً: من أنتم؟! ومن الذي منحك حقَّ التحدث باسم المصريين، وهم الذين خذلوا أمثالك في الانتخابات ولم يصوتوا له؟!.

 

أليس عجيبًا أن يكون روبرت فيسك (الإنجليزي الأحمر) أكثر إنصافًا لمصر وأهلها من بعض (الإنجليز السمر)؟!.

 

يقول الكاتب البريطاني الشهير: "عندما شاهدت الصفوف الطويلة التي اصطف فيها المصريون أمام لجان الاقتراع لبرلمان الثورة، خطر ببالي شيء هو أنه لا يزال هناك تصويت يحدث، لكن لا أثق أن هناك انتخابات عادلة، متسائلاً: هل يصوتون لبرلمان له قوة وصلاحيات أم مجرد واجهة؟".. ويضيف فيسك في حواره لقناة فضائية مصرية مساء 30/11/2011م: "أظن أن المصريين اصطفوا في صفوف طويلة ليقولوا: إن مصر لنا جميعًا وليست ملكًا لشخص بعينه أو مجموعة من الأشخاص"، وذلك ردًّا على احتمالات وقوع نزاع بين الأحزاب ذات الأغلبية في البرلمان والمجلس العسكري.

 

إن فيسك ينظر إلى المستقبل من خلال وعيه الناضج بمفهوم الديمقراطية ودور البرلمان وعلاقته بالسلطة التنفيذية، وإشارته القوية أن البرلمان مؤسسة ذات صلاحية سياسية وليس مجرد ديكور للسلطة التنفيذية، ولكن الإنجليز السمر مشغولون عن ذلك وعنّا بالحلم الشرير؛ وهو استمرار وجودهم الاستثنائي الشاذ على حجر السلطة ستين عامًا بالمخالفة للديمقراطية وصندوق الانتخابات، وحقائق الواقع على الأرض التي تعطي الأغلبية حق القيادة مع احترام حقِّ الأقليات.

 

إن المرحلة الصعبة التي تمرُّ بها مصر تقتضي التعاون والتوافق والتفاهم من أجل استعادة الاستقرار والأمن وإدارة عجلة الإنتاج، وتصحيح الأخطاء، وتصويب المسارات.

 

إن الشعب المصري، بل كل الشعوب في العالم، تختار مَن تستريح إليه، ويعبِّر عنها وعن هويتها وقيمها وثقافتها وآلامها وأحلامها، ولا تختار أولئك الذين يعيشون في أبراج عاجية أو مقاهي وسط البلد وحاناتها، ويعبِّرون عن ثقافات معادية، وأفكار غريبة شاذة بعيدة عن واقعهم ومستقبلهم، وهو ما فعلته شعوب عديدة في تركيا وتونس والمغرب، ومصر أيضًا.

 

إن احترام إرادة الشعب المصري يفرض على المتنافسين في الميدان السياسي والثقافي والإعلامي أن ينزلوا من عليائهم إلى الشارع ليروا كيف فشلت وزارة التضامن في توفير الرغيف أو أنبوبة الغاز التي وصل ثمنها في بعض المناطق إلى خمسين جنيهًا، وإلى اللحم الذي لا تذوقه معظم الأسر إلا في المناسبات، وأحوال الفلاحين التي بلغت حدًّا من البؤس لا يمكن السكوت عليه بسبب المياه والأسمدة والبذور والمبيدات والتسويق وغير ذلك، وأحوال العمال الذين تمَّ تسريحهم بعد الخصخصة الظالمة، أو بسبب توقف بعض المصانع أو عدم وجود الخامات الخاصة بالتصنيع، وأحوال الموظفين التعساء الذين أهلكهم الغلاء وقلة الدخل.

 

إن الاكتفاء بسكنى فضائيات المال الحرام وصحف الضرار وهجاء الإسلام؛ عارٌ على الإنجليز السمر ومثقفي السلطة المزمنين، الذين أيدوا الطغيان في كلِّ العصور، وساندوا الاستبداد في كلِّ الأحوال، ومازالوا يملكون وجوهًا سميكة، وأبواقًا لا تعرف ذكر الله، وأقلامًا لا تعرف الوضوء!.