كانت وثيقة السلمي شؤم على البلد؛ حيث على إثرها تأججت أحداث التحرير بعد جمعة 18 نوفمبر؛ وقُتل على إثر ذلك وأصيب العشرات من المتظاهرين. حينما تعمد إلى وثيقة تكتبها بيدك ليذعن لها خصومك، وليجتمع عليها الفرقاء وفيها ما فيها من الخلل والجور؛ فأنت إذن كأنما تريد أن تعقد عقد إذعان للأمة.
أما الوثيقة التي كتبها محمد صلى الله عليه وسلم، فاجتمعت عليه جميع الطوائف في دولة المدينة؛ فأجدني أتوق لإعادة دراستها مرة أخرى، وأحرى بأصحاب وثيقة السلمي أن يقفوا أمامها مليًّا.
لقد كانت دولة المدينة المنورة التي أقامها المسلمون فور هجرتهم، تقوم على وثيقة (دستور) ائتلافي، يجمع جميع طوائف المدينة من مسلمين ويهود ووثنيين في نظام دولة موحدة.. هي دولة الإسلام.
ففي الفترة ما بين أغسطس 622 ويونيو 624م، كتب النبي- صلى الله عليه وسلم- وثيقة- أو بمعنى عصري دستورًا- لدولة المسلمين بالمدينة، تضمَّن هذا الدستور نيِّفًا وأربعين بندًا، غالبها في تنظيم الشأن الداخلي للأمة، واشتمل على بنودٍ تُقنن العلاقاتِ بين جميع طوائف المجتمع المدني وفصائله؛ مهاجرين وأنصارًا، ويهودًا ووثنيين، وقد نصت هذه البنود بشكل صريح على ضرورة تكاتف جميع الفصائل والطوائف في صد وردع أي عدوان على المدينة المنورة، كما أكدت أسسًا غايةً في الأهمية- لأي دولة ناشئة- فأكدت مرجعية الدولة، وأنه لا مساسَ بها، وأكدت ضرورة إقامة شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح، والأخوة، والقسط، والعدل، والتكافل الاجتماعي على جميع المستويات، سواء بين الأسر أو بين الطوائف، كما نصَّت على حُرمة المدينة المنورة، وحُرمة الاتصال بأعداء الدولة ومعاونتهم، وحُرمة الغدر والخيانة والخروج على الدولة.
لقد وقف المستشرق الروماني جيورجيو على وثيقة المدينة، فأُعجب بها أيما إعجاب، وكتب عنها كلمة سائرة في كتابه "نظرة جديدة في سيرة رسول الله"، الذي ترجمه الدكتور محمد التونجي، فقال:
"وقد حوى هذا الدستور اثنين وخمسين بندًا، كلها من رأي رسول الله. خمسة وعشرون منها خاصة بأمور المسلمين وسبعة وعشرون مرتبطة بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الأديان الأخرى، ولا سيما اليهود وعبدة الأوثان.
وقد دوَّن هذا الدستور بشكلٍ يسمح لأصحاب الأديان الأخرى بالعيش مع المسلمين بحرية، ولهم أن يقيموا شعائرهم حسب رغبتهم".
وإذا ما تأملنا بنود هذه الوثيقة، لوجدنا أنها قد سبقت في تحضرها دول َالمنطقة والإمبراطوريات التي كانت موجودة في هذا الوقت، باعتبارها أنظمة فاسدة مستبدة، سواء فارس والروم، أو أنظمة رجعية منحطة كانت في الهند والصين.
فنص الدستور الإسلامي أول ما نص على وحدة النسيج بين طوائف الشعب، فكان البند الأول:
"هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم. إنهم أمة واحدة دون الناس".
وهذا معناه أن مفهوم "الأمة" في الدولة الإسلامية يتسع للمسلمين وغير المسلمين، ما دام معترفًا بهذا الدستور، وليس كدولة "إسرائيل" لا تعطي الجنسية إلا على أساس الديانة اليهودية.
ونصت على التكافل الاجتماعي بين أبناء الشعب، فجاء في الوثيقة:
"المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين".
ونصت بالحرف الواحد أن (كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف)، والعاني هو الفقير المكروب.
ونصت على حماية الأقليات غير الإسلامية، وأن لهم النصر، والدفاع عنهم ما داموا في سلطان الدولة، فجاء في الوثيقة:
"وَإِنّهُ مَنْ تَبِعَنَا مِنْ يَهُودَ فَإِنّ لَهُ النّصْرَ وَالأسْوَةَ غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلا مُتَنَاصَرِينَ عَلَيْهِمْ".
وهو أصل في رعاية الأقليات غير الإسلامية التي تخضع لسيادة الدولة الإسلامية.. فلهم حق النصرة على من رامهم أو اعتدى عليهم بغير حق سواء من المسلمين أو من غير المسلمين، من داخل الدولة أو من خارجها.
ونصت على حرمة التعدي على أرض الوطن، فجاء فيها: "وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة".
ومن أعجب ما فيها أنها نصت على الاستقلالية المالية لكل فصيل، فجاء في الوثيقة: "وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم".
فمع وجوب التعاون المالي بين جميع طوائف الدولة لرد أي عدوان خارجي، فإن لكل طائفة استقلالها المالي عن غيرها من الطوائف.
ونصت على النصح والبر بين المسلمين واليهود:
وجاء في هذا الأصل: "وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم "
فالأصل في العلاقة بين جميع طوائف الدولة– مهما اختلفت معتقداتهم– هو النصح المتبادل، والنصيحة التي تنفع البلاد والعباد، والبر والخير والصلة بين هذه الطوائف.
ونصت على حرية السفر والإقامة لكل مواطن ينتمي للدولة، فقالت:
"إنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم وأثم، وأن الله جار لمن بر واتقى".
ونصت على حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر للكل الطوائف، فقالت الوثيقة: "لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم".
هذه بعض بنود وثيقة المدينة، أنصح الدكتور سلمي أن يقرأها.
----------
* yakoute@gmail.com