أصدرت الإدارة الأمريكية خلال الفترة الماضية العديد من التصريحات المتناقضة، فنرى تصريحات أنها مساندة للثورة المصرية وتصريحات أخرى تفرغ الثورة من أهدافها وتصريحات تؤيد المجلس العسكري، وتصريحات تتحدث عن بطء المجلس العسكري في نقل السلطة إلى الشعب المصري، وأخرى مشددة على إجراء الانتخابات البرلمانية في موعدها المحدد سلفًا.
ونرى زيارات ولقاءات عديدة بين الإدارة الأمريكية، وكل الأطراف المصرية من أحزاب، وقوى سياسية وممثلي المجتمع المدني بل إن أكبر بعثة دبلوماسية لدول أجنبية في الشرق الأوسط هي للولايات المتحدة الأمريكية بل إن أكبر مكتبC.I.A في الشرق الأوسط موجود داخل السفارة الأمريكية.
ماذا تريد الولايات المتحدة من مصر؟
تريد نظامًا ديمقراطيًّا حقيقيًّا شكليًّا أو ديكتاتوريًّا أو عسكريًّا من مهامه الرئيسية والأساسية توفير غطاء سياسي لتحقيق أهداف السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
بحيث تمارس أمريكا نفوذها في المنطقة بمباركة عربية ومظلة من دول عربية على رأسها مصر. هذه المظلة (الجامعة العربية)، أو (دول الاعتدال).
من الأهداف:
1- حماية أمن الصهاينة وبقاؤهم كجدار عازل بين الشعوب العربية والتواصل العربي، وجدار مانع للوحدة العربية والعمل العربي المشترك- ومن أهدافها الضغط على الحكومات والأنظمة من أجل تفعيل الاتفاقيات الدولية بين الدول العربية والكيان الصهيوني كاتفاقية كامب ديفيد، وكل ما من شأنه تطبيع العلاقات حتى تصبح تل أبيب عضوًا أساسيًّا طبيعيًّا في المنطقة العربية وتتغير اسم الجامعة العربية- من جامعة الدول العربية إلى جامعة دول الشرق الأوسط ويصبح الكيان الصهيوني ناظر دول الشرق الأوسط فهي البوابة الحقيقية لأي دولة تريد بناء علاقات مع الإدارة الأمريكية فلا بد أن تمر عبر الكيان الصهيوني. وكل الأوامر الأمريكية من سياسات يشرف على تنفيذها الكيان الصهيوني..
2- مصالح أمريكا في المنطقة من:
أ- قواعد عسكرية لضرب أي دولة تخرج على قواعد اللعبة مثلاً تحاول امتلاك أسلحة نووية مثل إيران- خلع أنظمة ترفع راية العصيان مثل العراق- عصا مرفوعة لضمان السمع والطاعة والأوامر الأمريكية- وإلا- فالقواعد العسكرية والبوارج والسفن والأسطول جاهز للتحرك.
ب- البترول- العامل الأساسي- للصناعة والسيطرة على الاقتصاد العالمي وتحجيم صناعات دول منافسة مثل الصين وروسيا.
ج- تحجيم نفوذ روسيا في المنطقة العربية وهذا جزء من الصراع مثال ما حدث في "العراق"، "ليبيا"، الآن في "سوريا"، بغض النظر عن الأسباب الداخلية من ديكتاتورية الأنظمة، واستبداد الرؤساء فيها وأنهم بالفعل مجرمون بملابس رؤساء.
د- خروج مصر خارج السيطرة الأمريكية معناه انتهاء محور الاعتدال- الذي يستخدم في تحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة العربية.
لذلك الإدارة الأمريكية أصبحت في حيرة من أمرها. هل تدعم التحول الديمقراطي في مصر؟ ونتائج الجولة الأولى تقول إن الإسلاميين الأكثر حظًّا بالفوز بأغلبية المقاعد البرلمانية، ومعروف سلفًا أن الإسلاميين لهم منهج لا يقبل التبعية إنما ينحاز لمصالح الشعوب والوطن- وعلى الأقل سوف يعاد ترتيب المائدة من (تابع- إلى ند).
هل تدعم أمريكا بقاء المجلس العسكري، وبذلك تزداد كراهية الشعب المصري للإدارة الأمريكية وتصبح صورة الولايات المتحدة أنها عدو الشعب المصري، والتي وقفت ضد الثورة المصرية وأفرغتها من محتواها؟
هل تدعم الليبراليين والعلمانيين كما كانت ولا زالت تدعم رغم أنهم لا يتمتعون بشعبية داخل المجتمع المصري لأن الشعب المصري متدين بطبيعته وتدينه وسطي معتدل ولا يقبل التطرف أيًّا كان مصدره؟
من هنا جاءت التصريحات المتضاربة- ومن هنا استمرت اللقاءات حتى تحديد الإدارة الأمريكية اختياراتها.
وأقول في السابق كانت معادلة التغيير في مصر ثقلها الأكبر في الخارج (إسرائيل وأمريكا) أما الآن فإن ثقلها الأكبر في الداخل (الشعب المصري الحر الأبي) فإذا أرادت الإدارة الأمريكية تقليل معدلات الكراهية لها فلتنحاز للشعوب وحقها في رسم خريطة مستقبلها.