مرت الدولة المصرية عبر التاريخ بفترات قوة وضعف، وفي اعتقادي أن العقود الثلاثة الماضية (عهد حكم مبارك) كانت من أكثر لحظات ضعف الدولة المصرية، خُطفت الدولة من تاريخها وتقزّمت في تاريخ شخص (عبارة مصر مبارك)، حُكمت الدولة بسياسات عقيمة وعقول فقيرة، واستُبعد المخلصون من المشاركة في حكم البلاد إما بالتغييب (عبر السجون) وإما بالتهميش أو التجاهل. كانت نتيجة هذه السياسات الخاطئة غياب مصر عن دورها الدولي والإقليمي، بل وصل الحال إلى أن اهتزت صورة الدولة العظيمة في عيون أبنائها، وأصبحت هناك صورتان للدولة، صورة لمصر التاريخية، وصورة لمصر الواقع، ووصل اليأس عند الشعب من محاولة التقريب بين مصر التاريخية ومصر الواقع، وتحرج المصريون من أن يدعوا الله تعالى: "اللهم غيِّر حالنا إلى أحسن حال"، وأصبحوا يدعونه سبحانه: "اللهم غيِّر حالنا إلى حال أحسن".
أنهى الشعب المصري هذه الحقبة السوداء عندما لبى نداء شبابه في 25 يناير (يا أهالينا انضموا لينا)، فأسقط النظام الذي حكم مصر بالاستبداد والاستعباد، وناشدوا كل الشعب المصري بألا يرضى بغير عيش العزة والكرامة (ارفع رأسك فوق أنت مصري).
قدمت ثورة 25 يناير المباركة مصر للعالم من جديد، بعدما أبهرت العالم بأدائها المتميز في ميدان التحرير وباقي ميادين مصر، فكانت الصورة التي رآها العالم صورة حقيقية قربت بين مصر التاريخ ومصر الواقع، ودلت على قوة ترابط هذا الشعب بكل فصائله ومكوناته.
ثم في استفتاء 19 مارس عزف الشعب المصري أحلى سيمفونية في عُرس ديمقراطي بنسبة مشاركة غير مسبوقة من قبل (18 مليون ناخب)، وانتهي هذا العُرس بلا أي مشاكل من التي كان معهودًا حدوثها في مثل هذه المواقف.
وعاد الشعب المصري مرة أخرى ليرسم لوحة عظيمة نحو تكوين السلطة التشريعية (مجلس الشعب)، فرأينا هذا التحرك الواعي نحو الرغبة الشديدة لإعادة مصر إلى صفوف الدولة الديمقراطية، فاصطف الناخبون في صفوف طويلة أمام اللجان الانتخابية (رغم كره الشعب للوقوف في الطابور لكثرة الطوابير في حياة الناس بداية من طابور المدرسة وانتهاء بطابور الخبز مرورًا بطابور الجمعيات وأنابيب البوتاجاز... إلخ).
ضمت هذه اللوحة العديد من الصور المُشرقة لهذا الشعب الرائع، صورة المرأة العجوز التي يحملها الآخرون لتستطيع أن تُدلي بصوتها، وهذا الرجل المسن الذي يتكئ على عصاه ليتمكن من المشاركة، وهذا المسئول الكبير نراه يقف في طابور طويل دون أن يتخطى من أمامه لأداء صوته الانتخابي، وهذه الحيادية التي رأيناها من الداخلية والجيش، ثم الصورة الإيجابية من اللجان الشعبية لحماية صناديق الانتخاب التي مُلئت عن آخرها قبل غلق وقت الانتخاب، مما جعل بعض القضاة يطلبون صناديق إضافية لاستكمال الانتخابات.
وغابت عن هذه اللوحة صور كانت مفروضة على الشعب المصري، غابت صور العنف الذي كان يُمارس من البلطجية المأجورين من النظام ومن رجال الأعمال والحزب الوطني المحظور، هذا العنف الذي كان يصل إلى حد القتل، حيث قُتل 14 مواطنًا في انتخابات مجلس الشعب 2005 (أربعة في مرحلة الدعاية، اثنان في أثناء مرحلة التصويت، ثمانية في أثناء الفرز وإعلان النتائج)، وغابت صورة التحرش بالناخبات (بتهديدهم وشد الحجاب من على رءوسهن)، وغابت صورة الاعتداء على القضاة، كما غابت عن المشهد تمامًا مقاطع الفيديو الفاضحة للتزوير الفج، كما غابت عن المشهد صور الصناديق الفارغة لعزوف الناخبين عن المشاركة.
وجه الشعب المصري بمشاركته الفاعلة الواعية والمتحضرة العديد من الرسائل، الرسالة الأولى أن الشعب المصري انطلق نحو التقدم والرقي وبناء مؤسسات الدولة الديمقراطية ولن يستطيع أن يوقفه أحد. الرسالة الثانية أعلن فيها أنه سوف يدير أموره بنفسه، ولن يوكل عنه أحدًا في بناء مؤسسات الدولة الهامة لإقامة دولة المواطنة ودولة الأمن والأمان، بغضّ النظر عن كلام النخبة السفسطائي. الرسالة الثالثة أن الشعب المصري ليس فيه ما يسمى بحزب الكنبة، وأن ما يحتاجه هذا الشعب هو فقط تهيئة المناخ وإصلاح التُربة للممارسة السياسية.
شعور جميل عندما تتطابق أو تتقارب الصورة الذهنية مع الواقع المقام، وهذا ما نتمناه أن يوفق الله الشعب المصري في التقريب بين صورة مصر التاريخية ومصر الواقع، وأن يتجاوز كل العقبات الموضوعة- أو التي تُوضع عمدًا- أمامه، وهو بعون الله قادر. وفق الله الجميع في إقامة دولة مصر الحديثة، دولة العلم والإيمان.
------------------------
أستاذ مساعد- جامعة المنصورة
دبلوم الدراسات العليا في العلاقات الدولية السياسية