كنت أحاول أن أنأى بنفسي عن هذا الحِراك السياسي كله، فوجدت نفسي- لتربيتي الشمولية التي تربيت عليها- أنزل إلى الانتخابات ليس فقط للإدلاء بالصوت، ولكن للمساهمة في بناء الوطن، ومساعدة اللجنة الشعبية بالمنطقة لحماية الطوابير والناخبين، حتى ولو كنت إمامًا وخطيب مسجد من المساجد، فمن المهم أن يكون للداعية دور وطني، ونحسب أنفسنا بكل تواضع دعاة إلى الله، وسيحاسبنا الله على تلك المسئولية، ووجدتني أصوغ هذه المشاعر في كلمات، فسامحوني، فما كنت أتوقع أن يحدث ذلك أمام عيني وتسمعه أذناي.
الإخوان يتنازلون عن كل شيء ولو العقيدة
كنت أتابع إحدى اللجان الانتخابية ببولاق الدكرور- أساهم في بناء وطني وبكل نزاهة وشفافية؛ حسدنا عليها الكثير من الناس- بعد أن أدليت بصوتي أنا وزوجتي بالدقي بـ"بين السرايات"- محل الإقامة بالبطاقة- ورأيت التالي:
أخ كريم- مدرس- دخل يسألني لأنه يعرفني: من أختار في الفردي؟.
فقلت له: لا تدع أحدًا يجبرك على من تختار، ولكن اختر أنت من تشاء.
فردّ قائلاً: أنا اللي سألتك، وفعلاً أنا عاوز أعرف مين "فردي"؟.
فرددت عليه: الفردي أربعة!!، فتعجب، فقلت: نعم، أربعة مرشحين فردي، 2 حرية وعدالة و2 نور، فئات وعمال.
فردّ قائلاً: لا أنا هرشَّح النور بس.
فقلت له: خلاص تفضل: الفردي نور كذا وكذا.
وقلت له: عارف رمز القوائم؟
قال لي: أيوه.. الفانوس.
فدخل أخ كان يقف بجواري وردّ بقوة: لا.. لا تختر النور، اختر "الحرية والعدالة"، فعاتبت الأخ على تسرعه في ذلك؛ لأني أرفض هذا الأسلوب!!.
العجيب إذا بصاعقة جعلتني لمدة ربع ساعة أستغفر الله، وأقول: حسبي الله ونعم الوكيل.
المدرس الأول رد: لا لن أرشح "الحرية والعدالة".
فقلت له: لماذا؟ لأفهم فقط.. العلَّة!!.
فقال: لأن أخًا سلفيًّا زميلاً قال لي: إن الإخوان يقدمون تنازلات من أجل المناصب، ولو كانت بالتنازل عن العقيدة، فصعقني.. فصعقني.. وهزَّني من داخلي!!.
ثم قلت له: اذهب أعط صوتك لمن تحب وتريد، ثم نتكلم بعد ذلك.
ودار بيني وبينه حوار لمدة ساعة: نتحاور حول من الذي قدم تنازلات حقيقية؟ وتنازل عن مبادئه من أول: جواز الانتخابات وجواز ترشح المرأة، وحزب كل المصريين [مسلمين وغير مسلمين]، والظهور أمام المذيعات المتبرجات على الهواء أمام الناس وهلم جرًّا!!.
وللأسف الشديد.. اكتشفت أن المشكلة ليست في الانتخابات أو البرلمان، ولكن المشكلة الأخطر في أننا بحاجة إلى ثورة فهم جديدة تغزو العقول والقلوب- ولا حول ولا قوة إلا بالله- وتعال معي لنرى من الذي تخلى عن مبادئه وأفكاره الأصلية.
تصريح سلفي مخيف ومرعب: الإخوان مرجعيتهم غير سلفية!!
كنت أتابع برنامجًا على قناة "الجزيرة مباشر مصر"، مع أ. كارم محمود، وكان هناك اتصال بالدكتور يسري حمَّاد، فسأله المذيع: لماذا تحالفتم مع حزب الأصالة وحزب البناء والتنمية ولم تتحالفوا مع حزب "الحرية والعدالة"؟
فردّ قائلاً: لأن حزبي الأصالة و"البناء والتنمية" مرجعيتهما سلفية!!.
يا الله!!!.
أهكذا يكون الرد؟
والله يا إخواني: أنا أقول هذا الكلام لأن قلبي ينفطر مما يحدث.
أهكذا تكون الحقيقة؟ أهكذا تكون ممارسة السياسة؟!!.
25 سيدة بالجيزة يطلبن من بعض المستشارين والقضاة
التصويت للشيخ محمد حسان حفظه الله
وهذه افتعالة خطيرة لاستخدام رمز كبير كالشيخ الفاضل محمد حسان (أحداث فردية) كل مرَّة أحداث فردية، لكن المهم عندي هنا أني أحب أن أقول كلمة في ذلك:
وأنا قادم في صباح هذا اليوم الخميس 15/ 12/ 2011 إلى مكتبي بالبطل أحمد عبد العزيز بحي المهندسين، وجدت لوحة معلقة على أول الشارع- صحيح أنَّها معلَّقة قبل الصمت الانتخابي- ولكن وجدت اللوحة عليها صورة كبيرة للشيخ محمد حسان وكلمة حفظناها عن تأييد حزب النور وتوجيه الشباب إلى تأييد النور.
المهم عندي الآن: الأخ أو الإخوة الذين كانوا يعلقون هذه اللوحات: كيف استراحت نفوسهم واطمأنت أفئدتهم إلى استخدام مثل هذه الوسائل، وهم يعلمون أنه لم يحدث.. أهكذا تكون السياسة؟!
أخلاقنا والسياسة
والعجيب أيضًا أنه كان عندي محاضرة عند مترو فيصل بالجيزة، وقبل صلاة عشاء يوم الإثنين الماضي، وهو أول يوم في ساعات الصمت الانتخابي، رأيت أحد الشباب السلفيين- وكلنا سلفيون بالمفهوم الشرعي والتاريخي، وليس بالمفهوم الدارج الآن- رأيته يوزِّع دعاية انتخابية بالأعلى عند محطة المترو.
وأنا أقص عليكم ذلك ليس فرحًا في الخطأ ولكن لحزني أن ذلك سيؤثّر في العمل الإسلامي كله، المهم قلت له: أخي الكريم، أما تعلم أن هذه ساعات صمت قانونية؟
فرد قائلاً: دا قانون؟!
فقلت له: ماذا يعني القانون؟
فردّ: مش مشكلة!!
فقلت له: يا أخي الحبيب، اعلم أن السياسة يجب أن تمارس بأخلاقنا، لا أن نمارسها بأخلاق المنحرفين، وإلا كنا من مؤيدي نظرية ميكافيللي والتي ملخصها: الغاية تبرر الوسيلة، وعندنا في الإسلام: الغاية لا تبرر الوسيلة!!.
فتركته وذهبت وأصرَّ أن يكمل مشوار الاختراق الأخلاقي للقانون!!.
انتخبوا "الحرية والعدالة".. رمز الفانوس!!!
شيء عجيب، عندما كنت أسمع هذا الكلام كنت أقول: لا يحدث، لا يجوز، مش معقول، لكن العجيب أنه اتصل بي أحد الإخوة- ممن أثق فيهم- وذكر لي ذلك حقًّا، وأكَّده طرد أحد القضاة مندوبة للنور من اللجنة، واكتشف أن كل سيدة تدخل اللجنة تقول له: أريد أن أنتخب الحرية والعدالة رمز "الفانوس"، فيتعجب كثيرًا، وأتعجب معه!.
إخواني وأحبابي الكرام.. دعونا من موضوع الانتخابات والبرلمان، والذي أعدُّها مرحلة مهمّة في تطور العقول والأفكار على الساحة المصرية خاصة، لكن يجب أن نفهم أنها وسيلة لا غير.
ودعونا نتعامل بأخلاق الإسلام؛ سواء كنا داخل الانتخابات أو في غيرها، وأنا لا أقول هذه الكلمات للنقد؛ فحسب ولكن للتذكرة لنفسي وإخواني، وربنا أمر نبيه محمدًا- وهو أشرف الناس- بقوله: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)) (الذاريات).
أقول هذه الكلمات وقد رأيت تحالف الكتلة والأحزاب من أجل القضاء على الأغلبية الإسلامية داخل البرلمان وتحدٍّ صارخ لإرادة الناس وتوجيه إعلامي مزرٍ في الحقيقة للناس بأن ينتخبوا غير الإسلاميين؛ حتى يحدث التوازن داخل البرلمان (حجة واهية).
أيها الإخوان السلفيون جميعًا (إخوانًا وسلفيين وتيارات إسلامية).. أرجوكم، تآلفوا واهتموا بأخلاقكم أكثر من الانتخابات.
أسأل الله تعالى وهو مقلب القلوب أن يثبت قلوبنا على الحق، وأسأله سبحانه أن يؤلف بين القلوب، وأن يوحّد بين الصفوف.
والله ما أنتظر أن أجعل من كلامي حوارًا نتناقش حوله، ولكنها مشاعر خرجت وكان لا بد أن تخرج، فإذا لم تعجبك فاطرحها جانبًا، وكل يؤخذ منه ويُرد إلا النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا أعجبتك فأوصلها لغيرك، ولا تنس الدعاء لكل المسلمين بالألفة والود والمحبة.
والله المستعان...
---------------
* مدرس مساعد بكلية الدعوة الإسلامية بالقاهرة- وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.