تطرح قضية البرنامج النووي الإيراني الذي يصرُّ الغرب على محاصرته بدعوى أنه عسكري الأهداف، وتهديد إيران للغرب بقطع إمداداتها النفطية عن السوق العالمية في حال ما أُحِيل الملف إلى مجلس الأمن الدولي.

 

إن هذه القضية تفتح ملفًّا بالغَ الخطورة، وهو استغلال العرب والمسلمين للثروات التي يحوزونها كورقة ضغطٍ على الغرب لتحقيق الأهداف العربية والإسلامية، فهل يقع هذا في إطار الممكن؟!

 

النفط الإسلامي

إذا ما أخذنا النفط الإسلامي نموذجًا، ونظرنا إليه من حيث إمكانات الدول الإسلامية النفطية لوجدنا أن من بين الدول الكبرى المنتجة للنفط عالميًّا تأتي السعودية على رأس القائمة، فيما تأتي إيران في المركز الرابع، وكلتاهما قوةٌ إسلاميةٌ لا يستهان بها، كما تضم منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) كلاًّ من الجزائر ونيجيريا في عضويتها.. الأمر الذي يعني أن كبار الدول المصدرة للبترول من البلاد الإسلامية.

 

يعني هذا أن نسبةً كبيرةً من الثروة النفطية للعالم- على مستوى الإنتاج وكذلك الاحتياطي- إسلامية (إن جاز التعبير).. الأمر الذي يدفع بضرورة استخدام هذه الورقة لفرض الآراء الإسلامية على القوى العالمية أو على الأقل الوجود الفاعل في الساحة الدولية، بدلاً من الاكتفاء بموقف المتفرّج أو الطرف الأضعف، وهو الواقع الحالي.

 

نظرة واحدة إلى زيارة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى الصين توضح لنا حجم التأثير الذي يمكن أن تُحدثه الدول الإسلامية على الخارج باستخدام الورقة النفطية، فقد استوردت الصين أكثر من 20 مليون طن من النفط في الأشهر الـ11 الأولى من العام 2005م، وهو ما يعني أن الاقتصاد الصيني يعتمد بالدرجة الأولى على النفط السعودي، لكنَّ المشكلة الرئيسة في هذا السياق هي قدرة الحكومات الإسلامية على اتِّخاذ مثل هذا القرار، ودرجة صمودها أمام رد الفعل الغربي أو الخارجي بوجهٍ عامٍ على مثل هذه الخطوة.

 

تتمثل المشكلة في أن الحكومات العربية والإسلامية تعاني بنسبةٍ كبيرةٍ من عدم استقلال القرار ومن التبعية للخارج، وقد يكون هذا الخارج غربيًّا وقد يكون شرقيًّا، فيصعب أن نجد دولةً عربيةً أو إسلاميةً تتخذ قراراتِها من منطلقات المصلحة الوطنية، وعليه فإن استخدام مثل هذه الورقة يُعتبر من المستحيلات حاليًّا.

 

فعندما استخدم العرب سلاحَ النفط في حرب العام 1973م لوقف الدعم الغربي للكيان الصهيوني في مواجهة الجيشَين المصري والسوري كان رد الفعل الأمريكي واضحًا؛ حيث بدأت أولى طلائع الوجود الأمريكي في الخليج، وأخذت القوات الأمريكية تُجرِي تدريباتٍ في الصحاري الأمريكية على اقتحام حقول النفط العربية؛ تمهيدًا لاحتلال المناطق النفطية العربية في حال تكرار مثل هذه المقاطعة، أو في حال زيادتها عن الحد الذي يمكن أن تتحمله الدول التي تعتمد على النفط العربي وقتها.

 

ومنذ العام 1973م وحتى هذه اللحظة لم يستطع العرب أو المسلمون بناءَ صيغةٍ سياسيةٍ أو أمنيةٍ تمكِّنهم من استخدام الورقة النفطية بما يحقق لهم أغراضَهم السياسية، ويضمن سلامة البلاد العربية النفطية وغير النفطية على حدٍّ سواء.. بل إن الدول العربية أخذت تقدِّم للغرب الذرائع المختلفة لكي يتدخل في الشئون الأوسطية، وكان احتلال العراق للكويت في أغسطس من العام 1990م وتهديده بحرق الآبار النفطية الخليجية حال استخدام المجتمع الدولي للقوة ضده أحد أبرز الأسباب التي قادت إلى تدخلٍ غربي أمريكي بالأساس في دول الخليج؛ حيث جاءت القوات الأجنبية ولم تخرج من وقتها.

 

التوجه الإيراني الجديد

لكنَّ بوارقَ أمل لاحت في السلوك الذي يتبعه الرئيس الإيراني الجديد محمود أحمدي نجاد في التعامل مع الملف النووي وتهديدات القوى الدولية للإيرانيين على خلفية هذا الملف؛ حيث بدأ نجاد في التلويح بورقة النفط في وجه العقوبات الغربية أو أية إجراءاتٍ عسكريةٍ غربيةٍ أو صهيونيةٍ محتمَلةٍ ضد البلاد.. فماذا فعل نجاد؟!

 

في البداية لوَّحت إيران بأنها سوف تحجب إنتاجها النفطي عن السوق العالمية حال ما تم توقيع عقوبات عليها، وهي التهديدات التي لاقَت أذنًا صاغيةً من الغرب إلى الدرجة التي خلا فيها مشروع قرار بريطاني تم تقديمه إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية بخصوص البرنامج الإيراني من أية إشارةٍ إلى إمكانية توقيع عقوباتٍ على إيران.

 

ولكي تعمل إيران على زيادة الضغوط النفطية على الغرب طالب أحمدي نجاد منتجي النفط العالميين بخفض إنتاجهم؛ نظرًا لعدم حاجة سوق النفط في الربيع المقبل لكل كميات النفط المنتجة حاليًا، وهي التصريحات التي أدَّت إلى رفع أسعار النفط عالميًّا إلى 67 دولارًا للبرميل الواحد، وسط توقعاتٍ بارتفاعها إلى 100 دولار في حال ما نفَّذت إيران تهديداتها بحجب إنتاجها النفطي.

 

ولم يقتصر الموقف الإيراني على ذلك، بل وصل إلى حد تواتر أنباء عن سحب إيران ودائعها من البنوك الأوروبية مخافة أية عقوباتٍ محتمَلة ضدها تؤدي إلى تجميد هذه الودائع، وهو الأمر الذي أثار قلق القطاع المصرفي الغربي لضخامة الودائع الإيرانية، واحتمال أن يعقب هذا الإجراء خطواتٌ أخرى تسير في اتجاهه، سواءٌ من جانب إيران أو من بعض الدول الإسلامية المؤيدة لها.

 

إذن من السابق يتضح أن الإيرانيين يتخذون سلاح الاقتصاد في مواجهة سلاح النفوذ الدولي.. فهل يكتب لمحاولاتهم النجاح في ظل تزايد الضغوط الصهيونية على الغرب لتوقيع عقوبات على إيران أو حتى لتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية؟!

 

الواقع الإسلامي يؤكد أن إيران ستظل وحدَها في هذه المواجهة من دون ظهيرٍ إسلامي كبير، والدليل على ذلك هو أن السعوديين قد انتقدوا تصريحات أحمدي نجاد الخاصة بخفض إنتاج النفط، كما صرَّحوا بأن أسعار النفط الحالية مرتفعةٌ ويجب أن يتم خفضها، وهو ما يعني زيادة إنتاج المملكة النفطي والذي يصل حاليا إلى 8 مليون برميل يوميًّا، وتخطِّط الحكومة السعودية لإيصاله إلى 10.5 مليونا في خلال الأعوام القليلة القادمة.

 

من جانبٍ آخر نرى أن نيجيريا- كدولة إسلامية- ليست مستعدةً للدخول في هذا الصراع النفطي، في ظل مساعيها لاستخدام ورقة النفط للدخول إلى مجلس الأمن الدولي، وهو وإن كان مكسَبًا للدول الإسلامية بصفة عامة إلا أن النيجيريين في حال دخولهم إلى المجلس سوف يكونون ورقةً أخرى في يد الغرب لتحقيق المطامع الدولية في البلاد الإسلامية، أي أن الغرب استخدم سلاح النفط في هذه النقطة ليكسب ورقة ضغطٍ جديدةً على العرب والمسلمين.

 

الواضح إذن غياب القدرة العربية والإسلامية- بصفةٍ عامةٍ- على استغلال الثروات المتاحة (سواءٌ كانت نفطيةً أو حسابات مصرفية) للضغط على الخارج من أجل تحقيق الممكن تحقيقه من مصالحَ إسلاميةٍ، ويأتي ذلك كنتيجةٍ مباشرةٍ للتبعية السياسية العربية والإسلامية سياسيًّا واقتصاديًّا للخارج، وهي التبعية التي تتزايد يومًا بعد يوم، ولا أدلَّ على ذلك من فتح الكويت سوقَها النفطي أمام الاستثمارات الأجنبية، وتوقيع مصر اتفاقيةَ المناطق الصناعية المؤهَّلة المعروفة بالـ"كويز" مع كلٍّ من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.