- التغيير السلمي مبدأ أصيل لدى الجماعة

- مقاومة النفوذ الأجنبي يحتاج مشروعًا طويلَ الأمد

 

تناول الحديث في الآونة الأخيرة مسألة مهمة إلى حدٍّ كبيرٍ تتعلق بالإخوان المسلمين على مستوى السياسة والأمن في بُعدٍ من أبعاده، ونقصد هنا مسألة محاولات بعض الأطراف الربط بين الإخوان وبين تنظيم القاعدة على الاختلافِ الواضح بين الاتجاهين، سواء على المستوى الفكري أو الفقهي أو مكونات المشروع السياسي لكلٍّ من الإخوانِ والقاعدة؛ في محاولةٍ لسلبِ الإخوان ثمرة انتصاراتهم السياسية والإعلامية الأخيرة.

 

والحقيقة أنَّ هذه المسألة تمسُّ إلى حدٍّ كبيرٍ التطورات السياسية الأخيرة التي طرأت على الساحة والنجاحات السياسية الكبيرة التي حققها الإخوان في الانتخابات التشريعية في كلٍّ من مصر والعراق والانتخابات البلدية في فلسطين وتقدمهم الكبير على المستوى السياسي في مناطق أخرى من العالم العربي والإسلامي مع القدرةِ السياسية والإعلامية التي أدار بها الإخوان معاركهم السياسية والإعلامية في السياق؛ بحيث إنهم- وعلى أبسط مستوى- لم ينساقوا لخطابِ العنف وممارسته التي حاولت الدولة في مصر- على سبيل المثال- استدراج الإخوان إليه في الانتخابات التشريعية الماضية عبر ممارسة أسوأ أنواع البلطجة الرسمية وغير الرسمية ضد عناصر الإخوان المسلمين ومرشحيهم ومندوبيهم في الانتخابات ورغم ذلك حققوا انتصارًا كبيرًا رغم التزوير والإسقاط المتعمد لمرشحين أقوياء من الإخوان.

 

التزام أصيل

إنَّ ضبطَ النفس يُعبر عن التزامٍ أصيلٍ لدى الإخوان بمبادئ التغيير السياسي والاجتماعي السلمي مع الالتزام الكامل بالقواعد الدستورية والقانونية للعبة السياسية مهما كانت الضغوط الممارسة.

 

وفي هذا الإطار كان أهم إنجاز استطاع الإخوان المسلمون تحقيقه في الفترةِ الأخيرة وتحديدًا في عام الإصلاح؛ عام 2005م المنصرم هو أنهم استطاعوا إلى حدٍّ كبيرٍ النجاح في معركة الإعلام التي دارت على قلب وعقل الجمهور؛ وليس الجمهور العادي منه فحسب بل شرائح عريضة من الرأي العام في مصر والعالم العربي والإسلامي وكذلك الغرب سواء على الجانبِ العامل في مجال الإعلام منه أو السياسي والرسمي.

 

وعلى ذلك ومع الانتقادات الأخيرة التي وجهها الرجل الثاني في تنظيم القاعدة الدكتور أيمن الظواهري مؤخرًا للإخوان لمشاركتهم في العملية السياسية وما كرَّسه ذلك لدى الكثيرين من قناعة مفادها أن ما يُقال عن أن العنف مكون أصيل من مكوناتِ الإخوان الفكرية وعلى مستوى الممارسة إنما هو محض أكاذيب واتهامات باطلة، وأن المسيرة السياسية للإخوان ملتزمة تمامًا بحاكمية الدين والشريعة والتي تدعو في جانبٍ منها إلى سلميةِ التغيير والالتزام بالقواعد الموجودة التي تضمن- ولو حتى الحد الأدنى- من مصالح جماعة المسلمين ونقصد بها هنا الدستور والقانون.

 

نجاح عميق الأثر

كما سبق وأن قلنا؛ فإنَّ هذا النجاح السياسي والإعلامي للإخوان كان أهم جوانبه أنه استطاع إلى حدٍّ كبير نفي صفة العنف والإرهاب التي كانت سمة معممة إعلاميًّا على الإخوانِ المسلمين وسائر الحركات الإسلامية والجماعات المماثلة ليس في مصر فحسب بل في العالم كله نتيجة عددٍ من العواملِ أولها السياسة الإعلامية والأمنية والدبلوماسية التي كرَّست فيها الولايات المتحدة هذه الأفكار وعادت وأكدها بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، وقد ثبت خطأً هذه السياسة فيما بعد كما سوف نرى من خلال السلوكِ السياسي الأمريكي ذاته.

 

وثانيًا موقف عدد من النظمِ السياسية الحاكمة في العالمِ العربي والإسلامي والتي ارتأت في المشروع السياسي الإسلامي الذي قدَّمه الإخوان العدو الرئيسي لها وحاربته بمنتهى العنف مستخدمة في ذلك كافة أدوات العمل الأمني والتضليل السياسي والإعلامي لعددٍ من الأسباب لا تعود إلى الوقتِ الراهن أو للأنظمة الحاكمة الحالية بل إلى وقتٍ بعيدٍ منذ أن ظهرت دعوة الإخوان أو حتى على الأقل ظهور ما يُعرف في الأدبياتِ السياسية والأكاديمية، وكذلك الإعلامية باسم ظاهرة "جماعات الإسلام السياسي" على النحو التالي:

 

1- تهديد المشروع الإصلاحي الشامل الذي طرحه الإخوان المسلمون بما يحتويه من مبادئ تناقض الفساد والديكتاتورية وانتهاك حقوق الإنسان الذي دأبت مثل هذه الأنظمة على اعتمادها كسياق عام أو خط عام لسياساتها.

 

2- حالة التعاون الوثيق القائم بين عددٍ من النظمِ السياسية الحاكمة الموجودة في العالم العربي والإسلامي وما بين القوى الغربية سواء خلال الفترة التي شهدت الاستعمار الغربي المباشر لبقاع عدة في العالم العربي والإسلامي أو في الفترة الحالية التي استبدلت فيها الدبابة والمدفع بالدولار والمنح والمعونات وأساليب المخابرات والتي يمثل لها المشروع الإسلامي للإخوان تهديدًا لمصالحها في المنطقة مما استوجب تعاونًا وثيقًا ما بين هذه النظم وتلك القوى وبخاصة التحالف الأنجلو- أمريكي.

 

3- تزداد وطأة هذا التعاون مع معارضة الإخوان في مصر وفلسطين وغيرها للكيان الصهيوني ككيانٍ غاصبٍ على أرضِ فلسطين ووضع هدف استعادة فلسطين عربية إسلامية من النهر إلى البحر كوقفٍ إسلامي لا يجوز التفريط في شبرٍ واحدٍ منه، وبالطبع كما هو معروف فإنَّ هذه المسألة- مسألة أمن وبقاء الكيان الصهيوني- تعتبر على قائمة أولويات أجندة الولايات المتحدة وأعوانها في المنطقة.

 

4- من خلال مراجعة المبادئ التي قامت على أساسها دعوة الإخوان تحديدًا وبخاصة الكتابات الأولى للإمام المؤسس حسن البنا- رحمه الله- فإنَّ أهداف الإخوان أو غاياتهم الوسيطة والنهائية المتمثلة في إقامة المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية النواة التي تؤطر لتوحيد بلاد العرب والمسلمين وإعادة الدولة الإسلامية الموحدة التي تنشر دعوة الله- عز وجل- في أرجاء الأرض وتُعيد حضارة العرب والمسلمين إلى العالم؛ هذه الأهداف والغايات لها أعداء كثيرون سواء في كتلة الغرب الحضارية أو في المنطقة العربية والإسلامية.

 

مواجهة مشروعات الهيمنة

يمكن القول إنَّ الخطر الأكبر أولاً على المشروعِ الغربي الإمبريالي في العالم العربي والإسلامي وتحديدًا في منطقة الشرق الأوسط وثانيًا على مصالح وبقاء النظم الحالية فيها هو المشروع السياسي والحضاري الإسلامي وتحديدًا المشروع الذي يحمله الإخوان المسلمون بأبعاده الثقافية والتربوية والحضارية الشاملة.

 

وعندما نتحدث عن نجاحات سياسية وإعلامية حققها الإخوان يمكن أن نستدل على ذلك بعدد من الأمور على رأسها تراجع الولايات المتحدة عن وضع ما اصطلح على تسميته بـ"الجماعات الإسلامية" في بوتقةٍ واحدةٍ، وأكدت في مؤتمرات عدة رسمية- كما في مؤتمر الحوار الأمريكي- الإسلامي الثاني في العاصمة القطرية الدوحة في أبريل 2005م- على إمكانية الحوار مع المعتدلين والوسطيين من الإسلاميين بل ومحاولة بدء حوار رسمي مع الإخوان رفض بشكل كامل، ووضع الإخوان في مصر والأردن وغيرها حدًّا لهذا الحوار على أن يكون مع أطراف أكاديمية وفعاليات شعبية أمريكية دون الإدارة الأمريكية ذاتها، وهذا يعبر انتصارًا لخطاب الإخوان الوسطي وعالج كثير من الجوانبِ السلبية التي خلفتها أحداث سبتمبر وتجاوزات الخطاب السياسي والديني لبعض جماعات العنف التي ترتدي عباءة الدين بشكلٍ باطل.

 

وقد حسن الإخوان كثيرًا في الفترةِ الماضية على هذا المستوى من التحليلِ العديد من الإشكاليات التي كانت تواجه المسلمون في كثيرٍ من أنحاءِ بلدان العالم الغربي والتي كانت حالتهم قد ساءت كثيرًا بعد أحداث 11 سبتمبر من اضطهاد رسمي وشعبي واعتقالات وتدنيس للمقابر وترحيلات أمنية طالت حتى علماء الدين منهم، كما جرى في إيطاليا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة.

 

أي أنَّ هذه النجاحات لم يستفد منها الإخوان فحسب بل كان لها عميق الأثر في صدد صيانة الكثير من مصالح المسلمين في عموم العالم.

 

أبعاد متعددة

بلا شك يمتلك الإخوان المسلمون مشروعًا نهضويًّا وحضاريًّا يتسم بالشمول ليضم في غاياته عموم مصالح الأمة في مختلف تخومها، وهذا المشروع الذي تأسس منذ تأسيس دعوة الإخوان على أيدي الإمام البنا يقوم على عددٍ من المبادئ أولها شمولية الدين الإسلامي وحاكمية الشريعة في كافةِ مناحي الحياة مع وضع مجموعة من الأهدافِ الوسيطة والغايات الرئيسة التي من المفترض أن تسعى جماعة الإخوان إلى تحقيقها وتختلف الأدوات بطبيعةِ الحال من غايةٍ إلى أخرى.

 

أولاً: إزاحة القوى الاستعمارية من قلب الأمة: كان هدف إزاحة الاستعمار البريطاني والغربي عن مصر ومنطقة المشرق العربي والإسلامي على رأس أولويات أجندة الإخوان على اعتبار أنه لا مجال للحديث عن أية نهضة أو وحدة أو إحياء للأمة بينما هناك قوى استعمارية موجودة تمنع ذلك بقوة وتستنزف جهد الأمة وتعاديها على هذا النحو، ومن ثَمَّ اعتمد العمل السري والعسكري المسلح كأداة رئيسية له، وكان العمل في منطقةِ القناة من خلال التنظيم السري الذي أسسه الإمام البنا لهذا الغرض فقط أهم مظاهر ذلك، كذلك كان الحال بالنسبة للاستعمارِ الصهيوني الاستيطاني في فلسطين؛ حيث اعتمد البنا- رحمه الله- ومن تلاه على الجهاد المسلح ضد شذاذ الآفاق من المجرمين الصهاينة المغتصبين في فلسطين.

 

ثانيًا: إحياء تراث الأمة وهويتها: بما في ذلك أخلاقياتها وثقافتها وإعادة إحياء الأصول النقية للدين والشريعة الإسلامية، وكانت اللغة أو الأداة المستخدمة في هذا الموضوع هي الأداة التربوية والدعوية بما يشمل الدراسات الفقهية وإعادة طرح خطاب التربية الإسلامية كما كان في عهد النبوة الأولى والخلافة الراشدة، مع إعادة إحياء الخطاب والفعل التكافليين في المجتمع الإسلامي وغرس المكون والتراث الفكري والحضاري للأمة من جديد في ذهنية أبنائها مع وضع أولوية لتربية الفرد وتنشئته تنشئة إسلامية سليمة في إدراكٍ مبكرٍ لأهميةِ عملية التنمية البشرية التي تعتبر جزءًا أساسيًّا من عملية التنمية الشاملة في بلدان الغرب المتقدمة.

 

ثالثًا: المشروع السياسي للإخوان المسلمين: يقوم هذا المشروع في أصوله على أساس أنَّ إعادةَ الإسلام والمسلمين إلى واجهةِ الحضارة العالمية على أول سلمها لن يكون دون مشروعًا سياسيًّا يقوم على تأسيسِ المجتمع الإسلامي النواة الذي يصل بنا بعد ذلك إلى الدولة الإسلامية النواة، ومن خلال انتشار دعوة الإخوان في أكثر من دولةٍ قوميةٍ ووطنيةٍ عربية وإسلامية سيتم الوصول إلى مجموعة من الدول النواة التي تتبنى المشروع الإسلامي في الحكم والعلاقات الخارجية، ومن ثم يتم تأسيس اتحاد إسلامي أكبر حتى الوصول إلى الغاية النهائية للدعوة الإخوان وهي إعادة الأمة الإسلامية موحدة تتقدم الركب الحضاري العالمي، كما كانت قبل قرون، واعتمد المشروع السياسي للإخوان في هذا السياق على قواعد اللعبة السياسية دون اللجوء إلى العنف رغم ما مورس ضدهم في هذا الإطار عبر العقود الماضية.

 

 

 الإمام الشهيد حسن البنا

وفي هذا السياق قال الإمام حسن البنا- رحمه الله- حول الحكومة الإسلامية- كجانب مؤسسي مهم من فكر الإخوان وعملهم- إنَّ هذا الهدفَ هو واحد من أبرز ما توجه إليه دعوة الإخوان جهودها، وقال في هذا الصدد: "إنَّ الإسلامَ الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنًا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد، وقد جعل النبي الحكم عروة من عرى الإسلام، والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقهيات والفروع، فالإسلام حكم وتنفيذ كما هو تشريع وتعليم، كما هو قانون وقضاء، لا ينفك واحد منهما عن الآخر".

 

طابعان أساسيان

وفي هذا الإطار ومن خلال كتابات الإمام البنا وعدد آخر من أدبيات مفكري الإخوان فإنَّ المشروعَ النهضوي المتكامل الذي طرحه الإخوان اتخذ طابعين أساسيين أولهما التدرجية وثانيًا الطابع السلمي.

 

وقد كانت هناك العديد من العوامل التي دعمت هذين التوجهين أولهما تردي الوضع العام على مستوى مصر والأمة العربية والمسلمة والذي هو بحاجة إلى خطة إصلاح طويلة الأمد، كذلك فإنَّ التحديات التي واجهت الدعوة في أوائل أيامها وحالة الضعف التي كانت عليها كانت تستوجب أن يكون سابغًا عليها الطابع التدريجي في الحركة تحديدًا.

 

كذلك كان الإمام البنا حصيفًا في توقعاته المتعلقة بالتحديات التي ستواجه دعوة الإخوان في العقود التي تلت ظهور الجماعة وإعلانها عن نفسها، ففي مقاله الافتتاحي للعدد الأول من مجلة "النذير" السياسية الأسبوعية الصادر في مايو من العام 1938م والتي صدرت عندما قرر الإمام البنا- رحمه الله- نزول ميدان العمل السياسي قال محذرًا من تعرض الإخوان لـ"الاضطهاد وما فوق الاضطهاد، والسجون وما أشق من السجون، ولتبلون في أموالكم وأنفسكم".

 

عندما نطرح هذه القشور من فكرِ الإمام البنا وقضية المشروع السياسي لدى الإخوان المسلمين فإننا لا بد أن نُدرك الفارق الكبير بين هذا المشروع وبين الأضاليل التي يروجها الكثيرون في هذه الأيام لاجتزاء وسلب الانتصار الكبير للإخوان ولسنا في هذا المقام بحاجة إلى تعريف الفارق بين المشروع السياسي للإخوان وبين أي مشروع لدى أي جماعة اسلامية أو تنظيم سياسي- كالقاعدة- أو حزب أو غيره من الحركاتِ السياسية الدينية وحتى العلمانية في العالم.. فالفارق أكبر وأوضح من أن نتناوله.