تقرير: حسين التلاوي

انعقد مؤتمر الدول المانحة لأفغانستان في العاصمة البريطانية لندن أمس، بحضور ممثلين عن حوالي 70 دولة، وقد انتهى المؤتمر إلى إقرار منحٍ بقيمة ملياري دولار خلال الأعوام الـ5 المقبلة، إلى جانب 1.1 مليار دولار تعهدت الولايات المتحدة بتقديمها إلى أفغانستان العام القادم، وإعلان الروس إسقاطهم الديون المستحقة على الأفغان للاتحاد السوفيتي السابق والتي تقدر بـ10 مليارات دولارات.

 

وقد جاءت هذه الجهود في وقتها تمامًا؛ نظرًا لتردي الحالة الاقتصادية في أفغانستان، ولكن هل تصلح بالفعل ما خربه الحرب والاحتلال طوال الأعوام الماضية منذ بدء الحرب الأمريكية على أفغانستان في أكتوبر من العام 2001م، لتحقيق أهداف لم يتم منها إلا القليل، وهي إسقاط حكم طالبان والقضاء على تنظيم القاعدة؟

 

للإجابة على هذا السؤال يجب النظر إلى الواقع الأفغاني العام والذي شهد في العام الماضي وبدايات العام الحالي تطورات سياسية وميدانية وأمنية كبيرة.

 

الحالة الأفغانية العامة

نظرة واحدة إلى الأوضاع الأفغانية سوف تؤكد عدم بذل المجتمع الدولي أيةَ جهود لإعمار أفغانستان في السنوات التي أعقبت إسقاط حكم طالبان وتولي المجتمع الدولي- والولايات المتحدة تحديدًا- مسئولية إدارة شئون أفغانستان.

 

فالواقع الاقتصادي متدنٍ للغاية، وتشهد على ذلك العديد من الأدلة، في مقدمتها تنامي زراعة المخدرات في الأراضي الأفغانية، حيث تشارك أفغانستان حاليًا بنسبة 90% من إجمالي الإنتاج العالمي من الأفيون والهيروين، بينما يجد 9 من كل 10 مواطنين أفغان مصدرَ رزقه من عملٍ يتصل بشكلٍ أو بآخر بالمخدرات، سواء كان ذلك عن طريق الزراعة أو التجارة أو التهريب.

 

وبسؤال بعض المتورطين في هذا المجال عن سبب انخراطهم فيه، تكون الإجابة هي صعوبة الوضع المعيشي والرغبة في كسب الرزق ولو عن طريق المخدرات، ومن المعلوم أن حركة طالبان كانت قد خفَّضت نسبة مشاركة البلاد في الإنتاج العالمي للمخدرات إلى ما دون الـ10% قبل الغزو الأمريكي بشهور قليلة.

 

هذا عن الواقع الاقتصادي، أما الحالة الأمنية فقد وصلت إلى مستويات غير مسبوقة من التدني إلى الدرجة التي جعلت بعض المناطق الجبلية في أفغانستان محرمة على مقاتلي حركة طالبان وتنظيم القاعدة أنفسهم، وذلك من فرط انتشار قطاع الطرق والخارجين عن القانون فيها، ومن بين هذه المناطق إقليم نورستان الجبلي.

 

بالإضافة إلى ذلك فقد عادت أنشطةُ حركة طالبان وتنظيم القاعدة في الأراضي الأفغانية إلى التصاعد، وهو ما كان قد هدد به المتحدث باسم الحركة- عبد السلام ضعيف- بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت في البلاد، وقد تم اعتقال ضعيف بعد هذه التصريحات بأيام قلائل، ومن أبرز دلالات هذا التصاعد مقتل أرفع مسئول كندي يصل إلى أفغانستان في تفجير سيارة مفخخة في موكب الدبلوماسي الكندي وهو جلين باري، بالإضافة إلى مقتل العديد من الجنود الأمريكيين وسقوط أكثر من 1500 شخص خلال العام 2005م، فيما يعتبر أكبر حصيلة سنوية للقتلى في أفغانستان منذ الغزو.

 

سياسيًا، جرت الانتخابات التشريعية في البلاد في شهر سبتمبر من العام 2005م، وهو الأمر الذي يعتبر على المستوى الظاهري جيدًا، إلا أن المضمون لا يشير إلى أي تقدم يمكن انتظاره من الانتخابات، حيث أسفرت الانتخابات عن صعود أمراء الحرب ليتولوا المقاعد البرلمانية، كما كشفت عن نجاح عدد كبير من المحسوبين على حركة طالبان، الأمر الذي يعني أن الأمر لم يختلف في البرلمان عن الواقع الذي كانت عليه البلاد قبل الغزو من سيطرة طالبان على البلاد، إلى جانب وجود ذوي النفوذ من أمراء الحرب.

 

يدل ما سبق على أن الجهود الدولية الأمريكية في إعادة إعمار أفغانستان لم تنجح، فالمخدرات تحولت إلى مصدر دخل رئيسٍ، ولا يزال العديد من المواطنين يعيشون تحت خط الفقر دون طموح في تجاوزه ليتحولوا إلى فقراء، كما تنامى نفوذ العصابات المسلحة نتيجة انضمام العديد من المواطنين إليها للحصول على فرص لكسب الرزق ولو من الأبواب الخلفية لذلك.

 

وقد شنَّت وسائلُ الإعلام الغربية على حكومات بلادها هجماتٍ عنيفةً بسبب هذا التردي الكبير الذي جاوز في تدنيه الوضع أيام حكم طالبان، ويرجع ذلك إلى العديد من الأسباب، وعلى رأسها تكريس الولايات المتحدة كل جهدها في محاولة تعقب قيادات تنظيم القاعدة دون الالتفات إلى الداخل الأفغاني الحقيقي المطلوب الالتفات إليه وهو تأسيس بنية تحتية لدولة انهارت مؤسساتها بالكامل بسبب التدخل الأجنبي، وهو ما أدخل البلاد في حالة فوضى رغم ما كانت عليه تلك المؤسسات من بساطة وضعف.

 

إلى جانب ذلك، فهناك الاستنزاف الأمريكي في العراق والذي يشمل استنزاف الجهد المادي والسياسي والعسكري، الأمر الذي جعل الحسم العسكري في أفغانستان ضربًا من الخيال بالنظر إلى جغرافية هذه البلاد التي لم يعتد الأمريكيون مثلها والتي تتطلب تركيزًا افتقده الأمريكيون بسبب المأزق العراقي.

 

الخروج من المأزق

إذن، حل الأزمة القائمة في أفغانستان لا يعتمد فقط على المنح المالية التي اجتمعت الدول المانحة في بريطانيا لتقديمها، ولكنها تعتمد أيضًا على إيجاد منظومة عمل متكاملة تجمع ما بين الاقتصادي والسياسي والأمني في آن واحد دون تقديم عنصر على آخر، وهو ما يؤكد أن الإدارة الأمريكية الحالية تندفع في مغامرات سياسية وعسكرية دون التخطيط لأوضاع ما بعد هذه المغامرات، وقد وضح ذلك في العراق أيضًا.

 

فمهما قدم المانحون مليارات الدولارات دون أن يكون هناك إطار عمل متكامل يهدف إلى بناء المواطن الأفغاني بصورة تحافظ له على عاداته وتقاليده الدينية والثقافية والاجتماعية، فلن يؤدي ذلك إلى تحسين الوضع الأفغاني، وسيتحول الأمر إلى ما يشبه إلقاء الأموال في بئر من دون قرار، وهو البئر الذي صنعته الإدارة الأمريكية في اندفاعها نحو الانتقام غير العقلاني ولا المخطط له بعد أحداث 11 سبتمبر.