- المتعصبون في الغرب يطالبون بترحيل المسلمين من أوروبا

- الكنيسة الروسية أحرجت السلوك الأوروبي تجاه الإسلام

 

متابعة: أحمد التلاوي

يبدو أن الغرب سيظل غربًا والشرق سيظل شرقًا كما أكد مرارًا المفكر والمستشرق الغربي برنارد لويس، ورغم الاختلاف التام مع أفكار لويس عن العالم العربي والإسلامي والمشرق الحضاري بوجه عام إلا أن القضية التي يتابعها العالم الإسلامي بأسره في هذه الأيام- وهي قضية الصور ورسوم الكاريكاتير المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم- تُثبت أن الغرب لا يكِنُّ أية مودةٍ للشرق، وهنا يمثِّل الغربُ الحضارةَ الغربيةَ المسيحيةَ فيما يمثل الشرق الحضارات الأقدم والأعرق، كالحضارة المصرية والحضارات البابلية والهندية والصينية، والأهم والأعمق تأثيرًا الحضارة العربية الإسلامية.

 

ورغم ادعاء الغرب احترام الأديان والمعتقدات والإلحاح على ذلك في وسائل الإعلام للإيهام بالمصداقية والحيادية.. إلا أن الأزمة الأخيرة تثبت بما لا يدع مجالاً للشكِّ بطلانَ كافة هذه الادعاءات بالذات عندما يتعلق الأمر بالإسلام والمسلمين أو تحديدًا في كل أمر لا يتصل باليهودية والصهيونية.

 

فقد جعل الغرب الرسول- صلى الله عليه وسلم- وأنبياء الله تعالى عرضةً للنقد بل والسخرية دون رقيب أو وازع من دين أو ضمير تحت ادعاء حرية التعبير والرأي، ولكن عندما يتحدث المؤرخ البريطاني الأهم الدكتور ديفيد إيرفينج أو المفكر الفرنسي المسلم البروفيسور روجيه جارودي مُشَكِّكَيْن في الهولوكوست وفي ثوابت المشروع الصهيوني يُعتقل الأول في النمسا فيما يُضطَّهد الثاني ويحاكَم أمام المحاكم الفرنسية بتهمة انتهاك قانون (فابيوس- جيسو) المشبوه الصادر عام 1990م بسبب كتابه "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية"؛ حيث حُكم عليه بدفع مبلغ 20 ألف دولار على سبيل الغرامة!!

 

تناقض واضح

عندما بدأت الحملة الشعبية العربية والإسلامية ضد الحكومة الدانماركية وضد الصحف الدانماركية والنرويجية التي نشرت هذه الصور حاولت الحكومة الدانماركية وصحيفة (يولاندس بوستن) التي بدأت هذه الأزمة الاعتذارَ عما جرى بحق الرسول- صلى الله عليه وسلم- جاء منقوصًا ومشوَّهًا إلى حدٍّ كبير.

 

فرئيس الوزراء الدانماركي أندرياس فوج راسموسن اعتذر عن الإساءة حقًّا إلا أنه تنصَّل منها وقال إنها غير مقصودة ولم يعتذر نيابةً عن  الصحيفة الدانماركية، وقال بالحرف: إنه لا يملك ذلك، أما الصحيفة الدانماركية فلم تعتذر عن نشر هذه الصور التي تسيء للمسلمين كافة، وإنما اعتذرت عن أنها أُسيء فهمُها من جانب المسلمين في الدانمارك والعالم؛ لأنها ترمز للرسول- صلى الله عليه وسلم- هكذا فقط..!!

 

أي أن محتوى الصور ورسوم الكاريكاتير المنشورة المقصود منها ترسيخ قيم معينة تتعلق بتهمة "الإرهاب"- التي يحاول الغرب إلصاقها بالإسلام والمسلمين- واردة تمامًا، كما أن الجريدة أكدت في بيانها التوضيحي عن هذه الأزمة أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- هو المقصود من هذه الرسوم كما ورد في نص البيان المنشور على الموقع الإليكتروني للصحيفة على شبكة الإنترنت- http://www.jp.dk- والذي نقتبس منه هنا الفقرات التي توضح ذلك منعًا لأي لبس أو اتهامات باطلة في هذه الأزمة:

 

- الفقرة التي تعترف فيها الجريدة الدانماركية بأن الصور والكاريكاتير المنشور فيها يشير للرسول- صلى الله عليه وسلم..

- الفقرات التي تعتذر فيها الجريدة الدانماركية فقط عن "أي فهم غير مقصود" للصور والتي لا تعتذر فيها صراحةً عن نشر هذه الصور..

وهو ما يبرز تناقضًا واضحًا في الخطاب، فالاعتذار جاء في حده الأدنى حول أن هذه الرسوم لم يقصد منها الإساءة للرسول- صلى الله عليه وسلم- إلا أن أيًّا من الصحيفة أو الحكومة الدانماركية لم يعتذر عن نشر هذه الرسوم الكاريكاتيرية الساخرة أو ينفي أنها تمثل رسول الإسلام محمد- صلى الله عليه وسلم- كما أن الجريدة في ذات اليوم الذي نَشرت فيه هذا الكلام أعادت نشرَ بعض هذه الصور؛ مما يومئ حقًّا إلى وجود نية مبيَّته لإشعال الأمور بين المسلمين والغرب الأوروبي بعد فترة من الهدوء النسبي؛ حيث لم تشف بعد جراح ما بعد أحداث سبتمبر!!

 

هذا ومن المعلوم أن الحكومة الحالية في الدانمارك إنما هي في الأساس حكومةٌ ذاتُ اتجاه يميني وتجد دعمًا كبيرًا من جانب بعض الصحف المتبنية ذات الاتجاه اليميني ومن بينها الصحيفة الملوثة (يولاندس بوستن)؛ ولذلك يمكن فهم- وليس تفهم- موقف الحكومة الدانماركية في هذه الأزمة؛ حيث تمسكت الحكومة هناك بموقفها الذي برَّرته على أنه لا يحق لها التدخل فيما تنشره الصحف وعدم إخلال الصحيفة بالقوانين المعمول بها في الدانمارك.

 

وهو ما أثار غضب الكثير من الأطراف السياسية والاجتماعية في العاصمة الدانماركية كوبنهاجن، فعلى سبيل المثال اعتَبر 22 سفيرًا سابقًا للدانمارك في بيان مشترك لهم "أن أسلوب المزايدات الذي عمدت إليه الحكومة قد يفسَّر على أنه اضطهادٌ للأقلية المسلمة" في البلاد.

 

دعوات للمقاطعة

وفي السياق العام لم تهدأ الأزمة التي أثارتها عملية نشر هذه الصور والرسوم، فتعالت صيحات المقاطعة في العالم العربي والإسلامي للمنتجات الدانماركية والنرويجية بالذات مع تواؤم بعض الصحف في النرويج مع الـ(يولاندس بوستن) فيما نشرته وتكرار ما نشرته فيها.

 

ففي مصر كان نواب الإخوان المسلمين في البرلمان المصري وكذلك مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين قد تحركا كل في اتجاه عمل في هذا الشأن لدعم مطالب مقاطعة المنتجات الدانماركية؛ حيث وجَّه الإخوان مناشدةً لكل عربي ومسلم في هذا الخصوص، وهي مطالب ترددت ولاقت صدىً واسعَ النطاق في بلدان الخليج العربي والعالم العربي والإسلامي الأخرى؛ حيث قامت بعض المتاجر الرئيسة في العربية السعودية وغيرها من البلدان بالفعل بتعليق لوحات تنبيه كتب عليها: "لا نبيع المنتجات الدانماركية".

 

وتواءَم مجلس الشعب المصري بالفعل مع هذا الموقف بفعل موقف نواب الإخوان؛ حيث دعا الحكومة إلى سحب سفيرَي القاهرة في كلٍّ من الدنمارك والنرويج، كما تظاهر المئات في الكويت أمام القنصلية الدنماركية احتجاجًا، وطالبوا الحكومة الدنماركية بالاعتذار لكل المسلمين ووقف الإساءة للرسول والدين الإسلامي، كما دعوا الشعب الكويتي لمقاطعة المنتجات الدنماركية أيضًا وهو ذات الموقف الذي تبنَّتْه حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.

 

وعلى الإثر قام تجَّار التجزئة في دول الخليج بمقاطعة المنتجات الدنماركية وإفراغ متاجرهم منها، كما أخذ المواطنون الخليجيون في تبادل الرسائل النصية عبر الهواتف النقَّالة يدعون فيها بعضَهم البعض لمقاطعة البضائع الدنماركية.

 

هذه الدعوات والتحركات صاحبتها مظاهراتٌ امتد أثرها في الدانمارك وفرنسا وفلسطين والكويت وبلدان أخرى عربية وإسلامية، وتسبَّبت أولاً في الاعتذارات المنقوصة المشار إليها سلفًا وثانيًا في خسائر بالمليارات للمنتجات الدانماركية في البلدان العربية والإسلامية، وأخيرًا في محاولة بعض الأطراف في الدانمارك وأوروبا لاحتواء هذه الأزمة.

 

فقد قام رجل الأعمال المصري الذي يحمل الجنسية الفرنسية رامي لكح بإقالة مدير تحرير صحيفة (فرانس سوار) الباريسية جاك لوفرانك التي أعادت مؤخرًا نشرَ رسوم الكاريكاتير المسيئة للرسول- صلى الله عليه وسلم- ولكح هو مالك الصحيفة، إلا أن محرر الجريدة سيرجيه فوربت رفض الاعتذار عن نشر هذه الصور، كما أدانت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية هذه الجريمة، ووصفت بطريركية المسيحيين الأرثوذكس عملية نشر هذه الرسومات بأنها "أمرٌ خطير جدًّا"؛ لأنه "يسيء إلى المشاعر الدينية الضاربة بجذورها في الروح البشرية" وفق بيان البطريركية.

 

إهانات متعمَّدة!!

مع تنامي أعداد المسلمين في الدانمارك- بحيث أصبح المسلمون هم أصحاب الديانة الثانية في البلاد بعد المسيحية- ظهر الكثير من إشارات العنصرية الموجَّهة ضدهم، وهو وضعٌ لم تكن الدانمارك استثناءً له في أوروبا، خاصةً بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م؛ حيث أتت الحملة الإعلامية الأمريكية والصهيونية ضد المسلمين والعرب الذين باتوا مضطَّهدين في كل مكان في الغرب.

 

وفي ربيع العام الماضي بدت إشارةٌ حول هذا الأمر في كتاب مذكرات الملكة مارجريت ملكة الدانمارك؛ حيث حذرت مما أسمته بـ"الإسلام المتطرف" وطالبت المهاجرين المسلمين وأبناء الجالية المسلمة في الدانمارك- وتعدادهم 400 ألف مسلم من بين 5.3 مليون نسمة يدين أكثريتهم بالمسيحية اللوثرية الإنجيلية والتي تمثل الملكة مارجريت رأس زعامتها وينتمي إليها 85% من السكان- بتحسين مستوى لغتهم الدانماركية!!

 

وفي صيف العام الماضي أيضًا سحبت السلطات الإعلامية في الدنمارك رخصة البث من إحدى المحطات الإذاعية لفترة ثلاثة أشهر؛ بسبب دعوتها إلى إبادة المسلمين!! وكان المذيع كاج ويلهلمسن قد قال في برنامج إذاعي- طبقًا لما نقلته عنه (BBC)-: "هناك فقط ردَّتا فعل ممكنتان لوقف التفجيرات "الإرهابية"؛ إما ترحيل جميع المسلمين من أوروبا الغربية وإما إبادة جميع المسلمين "المتعصِّبين لدينهم"، وهذا ما قد يحتِّم قتل جزء كبير من المهاجرين المسلمين"!!

 

وفي الأزمة الأخيرة تضامنت المفوضية الأوروبية بشدة مع الدانمارك في وجه دعوات المقاطعة العربية والإسلامية لها، وأعلنت المفوضية أن هذه المقاطعة موجَّهةٌ إلى الاتحاد الأوروبي كله كما قامت مجموعةٌ من الصحف الألمانية والإسبانية والإيطالية في أعقاب صحيفة (فرانس سوار) الفرنسية بإعادة نشر الرسوم التي تسيء إلى الرسول محمد- صلى الله عليه وسلم- تضامنًا مع الصحيفة الدانماركية.

 

ومن هذه الصحف (دي فيلت) الألمانية و(لاستامبا) الإيطالية و(إيه. بي. سي) و(إلبريوديكو) الإسبانية كما نُشر بعضٌ من هذه الصور بصحيفة سويسرية ناطقة بالألمانية وتحديدًا نشرت رسمَين منها، وعلَّقت الـ(دي فيلت) على هذا الصدد، قائلةً إنه "لا حصانةَ لأحد من التهكم في الغرب" وهو بالفعل ما جرَى مع نبي الله عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

 

إن أقوى حصون المسلمين الآن تهان وأقدس أقداسهم يحاول أعداء الدين إهانتها، وقد بدأ المخلصون من العرب والمسلمين في تحركات مؤثرة بالفعل في سبيل كبح جماح هذه الهجمة النازية الصهيونية- حيث لا فارق بينهما- ضد الإسلام والمسلمين، ولكن الشرفاء من المسلمين ما زالوا بانتظار الكثير من هؤلاء المخلصين.