متابعة: أحمد التلاوي
كارثة جديدة ألمَّت بالمجتمع المصري المنكوب بحكامه ومآسيه الخاصة والعامة وبهموم لقمة العيش، وهذه الأخيرة- لقمة العيش- يبدو أنها كانت وراء هذه الكارثة؛ حيث غرقت العبارة المصرية- التي ترفع علم بنما لأسباب تجارية وملاحية- "السلام- 98"، وعلى متنها نحو 1415 راكبًا من بينهم أكثر من 1200 مصري من الموظفين العائدين من العربية السعودية لقضاء إجازتهم في مصر.
جاءت الكارثةُ في صميم نفسيةِ المجتمع المصري الذي بات يودِّع ضحايا الإهمال والفساد بشكلٍ شبه يومي، وكأنه في حالةِ حربٍ ما بين الإهمال الطبي وانهيار المنازل وحوادث الطرق وأخيرًا الحوادث البحرية التي تُعتبر من أكثر الكوارث القدرية- أو حتى غير القدرية- غير القابلة للاحتواء؛ نظرًا للصعوبات الفنية والمادية واللوجستية العالية التأثير التي تعترض طريق عمليات الإنقاذ أو حتى انتشال جثث ضحايا مثل هذه الكوارث مع سرعةِ الوفاة العالية وقت وقوع الحادث، بخلاف حوادث الطرق أو انهيار المنازل أو الكوارث الأخرى.
معلومات حول الكارثة
كانت العبارة المصرية المنكوبة "السلام- 98" قد غادرت أول أمس الخميس 2 فبراير 2006م من ميناء ضبا السعودي على البحر الأحمر وهي في طريقها إلى ميناء سفاجا المصري حاملةً عليها 1310 من الركاب بخلاف طاقم مكون من 104 فنيين وضباط وقيادة، ومن هؤلاء الركاب 99 سعوديًّا وستة سوريين وأربعة من الفلسطينيين وسودانيان اثنان وراكب واحد من كل من الجنسيات التالية: كندا والإمارات واليمن وسلطنة عمان.
وبجوار الركاب كانت العبارة تحمل 22 سيارة ركاب و16 شاحنةً وخمس سيارات من سيارات نقل البضائع، وقد غرقت قبالة سواحل ميناء سفاجا المصري على بُعد نحو 57 ميلاً بحريًّا أو نحو 90 كيلو مترًا.
ويبلغ ارتفاع الباخرة نحو ثلاثة طوابق بخلاف ارتفاع الجسم الأصلي لها وهو ما أثار العديد من التساؤلات وسط الفنيين والمختصين- ومن بينهم الدكتور سيد متولي أستاذ الهندسة الميكانيكية بجامعة القاهرة- حول مدى صلاحية الباخرة للإبحار حال كون الطوابق الثلاثة الزائدة عليها قد رُفِعت بشكل غير شرعي أو على حساب المتانة الفنية للباخرة.
وبوجهٍ عام كانت الباخرة- طبقًا لمسئولي قطاع النقل البحري في مصر والعربية السعودية- في حالةٍ جيدةٍ مع الكشف عليها من جانب سلطات الموانئ المصرية والسعودية قُبيل إبحارها من وإلى مصر، وكانت قد حصلت في العام 2001م على لقب واحدة من أفضل 95 عبارةً على مستوى العالم.
وطبقًا للمصادر المصرية في الشركة المالكة للعبارة ووزارة النقل فإنَّ العبارة المنكوبة وعمرها ما بين 25 إلى 30 عامًا وتبلغ حمولتها 6650 طنًّا مع إمكانية حمل أكثر من 2700 شخص، وتقبع الباخرة الآن على عمق 600 متر في أعماق البحر الأحمر بالقرب من منطقة جزرية- أي تضم مجموعة من الجزر الصخرية الصغيرة والمتوسطة الحجم- تسمى باسم مجموعة جزر الإخوان.
ملابسات غامضة
فيما تنفي أجهزة الدولة الرسمية صدورَ نداءات استغاثة من جانب السفينة قبيل انقطاع الاتصال معها واختفائها من على شاشات الرادار في تمام الثانية والنصف من فجر أمس الجمعة 3 فبراير قبل أن يُعرف نبأ غرقها أكدت بعض المصادر الملاحية الأجنبية الأخرى وجود ندائي استغاثة على الأقل صدرا من السفينة، فالسفينة سانت كاترين التي كانت تبحر على ذات الخط الملاحي متوجهةً إلى ميناء ضبا أكدت أن قبطان السفينة قد أصدر نداءَ استغاثةٍ بتعرضه لحالة غرق قبل أن يختفي من على شاشات الرادار.
أما السفينة الحربية البريطانية "بولو آرك" التي بدأت في الإبحار إلى منطقة شمال البحر الأحمر، حيث من المتوقع أن تصل إلى منطقة الغرق في غضون يوم حيث تبحر على مقربة من المنطقة لتأمين خطوط التجارة العالمية، فقد أكدت أن أحد مهندسي السفينة قد أطلق نداء استغاثة من على متن أحد زوارق الإنقاذ.
وتنوَّعت الاحتمالات ووجهات النظر حول هذه الكارثة، فبعض المصادر رجَّحت أن سوء الأحوال الجوية كان وراء هذه الكارثة مع غياب أي عامل طبيعي آخر في هذا المكان بالذات الذي غرقت فيه العبارة، حيث غرقت في عرض البحر بعيدًا عن شواطئ البحر الأحمر المليئة بالصخور السوداء وأحزمة ونطاقات الشعاب المرجانية الضخمة.
وفي هذا الصدد فقد تعرَّض ميناء ضبا السعودي أمس قبيل إبحار الباخرة لعاصفة رملية، كما كان البحر الأحمر أمس هائجًا، وبلغ فيه ارتفاع الأمواج وأمواج المد إلى نحو 5 أمتار أو يزيد في المنطقة التي غرقت فيها "السلام- 98"، ولكنَّ هناك في هذا الصدد غموضًا حول الحادث؛ حيث إنه من غير المتوقَّع أن يؤدِّي ارتفاع الموج على هذا النحو إلى غرق الباخرة وهي بحالة جيدة؛ نظرًا لارتفاعها المتوسط وعرض بدن السفينة وطولها كنواحٍ فنيةٍ يدركها المتخصصون.
رأي آخر أشار إلى أن زلزال البحر الأحمر الأخير الذي ضرب هذه المناطق قبل أيام أدَّى إلى موجات مد بحري- تسونامي- ساعدت في إغراق السفينة، وأخيرًا أكد البعض على أن الحادث قد يعود إلى تحرك بعض السيارات التي كانت بأعلى الباخرة.
تعامل أجهزة الدولة
رغم أن هناك شبهات إهمال عديدة في صدد أداء أجهزة الدولة الإدارية وفي وزارة النقل تحديدًا في هذا المستوى من الكوارث فقد جاء تعامل أجهزة الدولة مع هذه الواقعة بشكل سريع إلى حد ما لعدد من الأسباب أولاً لتلافي غضبة الرأي العام المصري وبخاصة أهالي الضحايا، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الركاب المحتمل نجاتهم على قوارب الإنقاذ والطوارئ الموجودة في السفينة والأهم لتلافي الإحراج بالنسبة للحكومة الجديدة، خاصةً وأن مشكلات السلطة مع الشعب المصري غير هيِّنة وبدأت في نشر التذمر في صفوف شرائح واسعة من أبناء المجتمع المصري.
وعمومًا فقد جاء تحرك أجهزة الدولة في هذا الأمر على النحو التالي:
(أ) السلطة التنفيذية
1- أولاً تمَّ فرض طوق أمني كامل على ميناء سفاجا مع توافد أهالي الركاب، فيما أمر وزير الداخلية- اللواء حبيب العادلي- مصلحةَ الموانئ بفتح قرية الحجاج في ميناء سفاجا أمام الأهالي والناجين وجثث الضحايا.
2- قامت القوات المسلحة المصرية أولاً وعلى مستوى القوات البحرية بإرسال أربع سفن إنقاذ إلى المنطقة المنكوبة، بالإضافة إلى مدمرة، أما القوات الجوية فقد أرسلت ثلاث طائرات نقل عسكري من طراز (سي- 130) مجهزةً بمستشفيات ميدانية ومعدات إنقاذ مع تطويق مكان الكارثة بعدد من الطائرات الهليكوبتر.
3- اتَّصلت السلطات المصرية بنظيرتها السعودية لبحث المسألة والمساعدة في انتشال الناجين وجثث الغرقى.
4- أعلنت وزارتا الصحة والسكان والنقل حالةَ الطوارئ بالنسبة للأجهزة المعنية، ووُضِعت المستشفيات في البحر الأحمر والسويس في حالة طوارئ، كما قام وزير النقل محمد منصور بالانتقال إلى مكان الحادث بطائرة حربية مع الاتصال بوزارة الدفاع لتقديم المزيد من التسهيلات، إضافةً إلى إعلان كل من اللواء بكر الرشيدي محافظ البحر الأحمر واللواء فؤاد سعد الدين محافظ السويس حالةَ الطوارئ لمتابعة الكارثة.
5- رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء تتابع الحادث "عن كثب" بحسب التعبير الرسمي المتَّبع، وصرَّح كل من السفير سليمان عوَّاد- المتحدث باسم رئاسة الجمهورية- ومجدي راضي- المتحدث باسم رئاسة الوزراء- بأن هناك أوامر بإعطاء الأولوية لعمليات الإنقاذ، ثم التحقيق في أسباب الحادث، وبالفعل سافر الآن إلى سفاجا وفدٌ أمني وعدد من المحققين يضم 20 من الأطباء الشرعيين بالإضافة إلى خبراء الأدلة الجنائية وكبار مسئولي الأمن العام.
(ب) السلطة التشريعية ونواب الإخوان
أصدر الدكتور أحمد فتحي سرور- رئيس مجلس الشعب- قرارًا بدعوة لجنة النقل والمواصلات في مجلس الشعب لجلسة عاجلةٍ اليوم السبت؛ لبحث أسباب الحادث وتداعياته، وقضية التعويضات مع توقعات بتقدم الكثير من النواب لأسئلة وطلبات إحاطة عن هذه الكارثة طبقًا لما صرَّح به المهندس عزت بدوي رئيس اللجنة المشار إليها أمس الجمعة.
أما نواب الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين فقد قدَّموا 40 بيانًا عاجلاً لرئيس الحكومة الدكتور أحمد نظيف ووزير النقل المهندس محمد منصور عن غرق الباخرة.
وطبقًا لما نشره موقع (إخوان أون لاين) حول هذا الشأن فقد قام نواب الإخوان- ومن بينهم رئيس الكتلة البرلمانية الإخوانية الدكتور محمد سعد الكتاتني- باتهام الحكومة بالإهمال والتقصير في إنقاذ ركاب السفينة، وقالوا في طلبات الإحاطة- طبقًا للتقارير الصادرة عن مجلس الشعب-: إن الباخرة قد تمَّ انقطاع الاتصال بها قبل وصولها الميناء بساعتين، رغم أن الوقت المحدد لوصولها قد مرَّ ولم يحدث أن قام أحد بالبحث عن سبب تخلف الباخرة عن الوصول في موعدها؛ مما أدَّى إلى إحداث مثل هذه الكارثة المروعة.
وفي طلبات الإحاطة الخاصة بهم قال نواب الإخوان: إن الأجهزة التنفيذية للدولة تتحمَّل وحدها المسئولية الكاملة لغياب وسائل الأمان والسلامة البحرية المعمول بها مع كل سفن وبواخر العالم، كما طالبوا بمعرفة السبب الحقيقي لتأخر الباخرة والعثور عليها.
بجانب ذلك أكد نواب الإخوان على أمرين مهمين واجب على الحكومة توضيح موقفها منهما، أولاً التعويضات، وثانيًا كشف خفايا الحادث ومحاسبة المسئولين والمقصرين مع أهمية دراسة أسباب هذه الكارثة لإمكان تلافيها في المستقبل.
كما قام كل من عباس عبد العزيز وسعد خليفة نائبا الإخوان في محافظة السويس بالذهاب إلى موضع الحادث للمتابعة أولاً بأول.
(ج) المجتمع المدني
أولاً أعلن الهلال الأحمر المصري عن تشكيل غرفة عمليات في البحر الأحمر لمساعدة الناجين وأُسر الضحايا مع بدء بعض الجمعيات الخيرية في توجيه المساعدات إلى ميناء سفاجا ومستشفيات البحر الأحمر والسويس، أما اتحاد الأطباء العرب الذي يتولى الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح - أحد كبار رموز الإخوان- مسئولية الأمانة العامة له فقد قام بإرسال العديد من القوافل الطبية والإنسانية لمساعدة الناجين وذوي الضحايا حتى تنتهي هذه المحنة.
كوارث سابقة
وفي هذا الصدد نشير إلى أن العبارة "السلام- 95" التابعة لنفس الشركة المصرية المالكة للسفينة المنكوبة "السلام- 98"- شركة السلام للنقل البحري- قد غرقت في مياه البحر الأحمر بعد تصادمها مع سفينة تجارية قبرصية في أكتوبر الماضي، إلا أنَّ رجال الإنقاذ المصريين تمكنوا من إنقاذ جميع الركاب الذين كانوا على متن تلك العبارة، وكان سبب الحادث في الأساس فنيًّا في العبَّارة المصرية بجانب زيادة حمولة السفينة عن العدد المقرر.
وفي هذه الكارثة اتهم العديد من المعتمرين الذين كانوا على متن الـ"95" أن الشركة المالكة قد "نصبت" عليهم وأصدرت تذاكر سفر دون وجود عدد كافٍ من الرحلات لها؛ مما أدى أولاً لتكدُّس المعتمرين المصريين في الموانئ المصرية والسعودية لأكثر من أربعة ليال وعلى متن السفينة ذاتها مما أدى إلى الحادث.
كما سبق أن غرقت العبارة المصرية "سالم إكسبريس" في البحر الأحمر قبالة سواحل ميناء الغردقة المصري في ديسمبر 1991م مما أدَّى إلى مصرع جميع الركاب الذين كانوا على متنها وعددهم 476 شخصًا، وقد أرجعت التقارير التي صدرت في ذلك الحين سببَ الحادث إلى أخطاء فنية في القيادة وقع فيها قبطان السفينة الكابتن محمد مورو.
والآن وقد أعلنت السلطات المصرية عن انتشال نحو 180 جثةً وحوالي الأربعمائة من الناجين طبقًا لبعض مصادر البحرية المصرية، ولكن هل يمكن أن يكون الأمر قاصرًا على هذه التحركات التي جاءت فقط لاحتواء كارثة بحرية رهيبة بكل المقاييس أم أن الأمر بحاجة إلى تحرك أكثر عمقًا لتلافي أن نرى "سالم إكسبريس" جديدة أو "السلام- 95" و"السلام- 98" أخرى أو قطار الصعيد من جديد؟
المشكلة في أجهزة الدولة في هذا الصدد أنها لا تبدأ في التحرك إلا بعد وقوع الكوارث، أما تلافي أسبابها فهذا ما استعصى عليها للآن!!