متابعة- أحمد التلاوي
لقاء لم يكن من المتوقَّع أو من المتخيل أن يُعقد، هذا هو التوصيف الأكثر اختصارًا والأكثر تعبيرًا عن اللقاء الذي جمع- بالأمس- بين كل من الأمين العام لحزب الله اللبناني- السيد حسن نصر الله- والنائب المسيحي ميشيل عون، زعيم التيار الوطني الحر وزعيم أكبر تكتل مسيحي في مجلس النواب اللبناني.
وفي الحقيقة إنه لا اللقاء ولا نتائجه ولا حتى نبرة الخطاب السياسي والإعلامي لكلا الطرفين خلال وبعد اللقاء كانت هي أيضًا متوقعةً على خلفية مجموعة من العوامل والمحددات على رأسها أنَّ الطرف الأول في اللقاء هو أحد أهم وأكبر حلفاء دمشق ومشروعها في لبنان وإقليم المشرق العربي وحتى طهران.
أما الثاني- ميشيل عون- فهو العدو الألد لدمشق التي تسببت قواتها بالتعاون مع حزب القوات اللبنانية- المحظور حاليًا بزعامة الدكتور سمير جعجع الموجود حاليًا في منفاه الاختياري بفرنسا- في العام 1990م في تدمير قوات عون وحكومته العسكرية التي كان قد أعلنها على حساب حكومة الطائف الشرعية، ومن ثَمَّ نُفِي عون إلى العاصمة الفرنسية باريس لمدة 15 عامًا في أواخر أيام الحرب الأهلية اللبنانية قبل أن تسمح تحولات ما بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق- رفيق الحريري- بعودة" عون" وخروج القوات السورية من لبنان ليقود "عون" المعارضةَ المسيحيةَ ضد سوريا.
العامل الثاني الذي يجعل من هذا اللقاء أمرًا غير متوقَّع لا في انعقاده أو في الاتفاق الذي تمخَّض عنه، هو أن "عون" كان أحد أشد المتحمسين لنزع سلاح حزب الله متماهيًا في ذلك مع القرارات التي دفع التحالف الغربي، الأمريكي- الفرنسي مجلس الأمن الدولي لاستصدارها منذ خريف العام ما قبل الماضي 2004م وحتى أواخر العام المنصرم 2005م والتي تعتبر سلاح الحزب والمقاومة الفلسطينية في لبنان سلاحًا "ميليشياويًّا" يجب نزعه!!
كما أنَّ طبيعة الشخصين ذاتهما اللذين جلسا معًا من التباعد بحيث لم يكن من المتصوَّر- على اختلاف شخصية أو أجندة كليهما وتحالفاته- أن يجتمعا، بل ويتفقا.
ظروف مغايرة
لم يكن هذا الاجتماع مقررًا ربما حتى ساعات قبيل انعقاده، حيث جاءت القشَّة التي دعت نصر الله وعون للجلوس معًا بعد الأزمة الحكومية الأخيرة التي أدَّت لاستقالة وزير الداخلية اللبناني حسن السبع على خلفية المشكلة التي أثارتها الأقلية المسيحية اللبنانية مؤخرًا في أعقاب المظاهرة التي اندلعت حول السفارة الدنماركية بحي الأشرفية بالعاصمة اللبنانية بيروت، والذي تقطنه أغلبية مسيحية، وهي المظاهرة التي تطوَّرت إلى حدِّ إحراق مبنى السفارة ومقتل مواطن لبناني وإصابة ثلاثين آخرين، مع تجاوز بعض المندسين في المظاهرة- طبقًا لمنظميها- للخط العام السلمي لها، وقيامهم بالتعدِّي على قوات الأمن اللبنانية وسحب خراطيم المياه وبعض الأسلحة المخصَّصة لتفرقة المتظاهرين من رجال الأمن وإطلاقها عليهم مجددًا.
ويبدو أنَّ هذه الأحداث التي أعقبها مؤتمر صحفي لعون طَالَب فيه باستقالة الحكومة اللبنانية قد نكأت جرحًا ما لدى اللبنانيين وبخاصة مسيحيي البلاد، وعلى رأسهم (الموارنة) الذين ينتمي إليهم ميشيل عون بعد أعوام من الحرب الأهلية المدمرة على المستويين المادي والمعنوي، كما أن خطة فرنسا والولايات المتحدة لمزيد من التضييق على سوريا لا تزال تطبَّق من قِبَل بعض معارضي سوريا وحلفاء فرنسا تحديدًا في لبنان.
وعلى ذلك مثلاً اتَّهم النائبُ اللبناني الدرزي وليد جنبلاط- زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي- سوريا بتدبير هذه الاضطرابات "لإثبات عجز اللبنانيين عن الحفاظ على استقرار بلادهم بعد انسحاب القوات السورية منها" ربيع العام الماضي 2005م طبقًا لنصِّ تصريح جنبلاط، وهو موقف أيَّده فيه- كما سبق القول- ميشيل عون، كما وصف معارضو سوريا في لبنان هذه الاضطرابات بأنها "محاولة انقلابية سورية تهدف إلى تحويل لبنان إلى عراق ثان"!!.
كما نقلت التقارير الصحفية الواردة من بيروت مطالبة معارضي الوجود السوري في لبنان- وعلى رأسهم جنبلاط- التقدم بشكوى إلى مجلس الأمن الدولي ضد دمشق على خلفية أحداث الأشرفية الأخيرة، إلا أن مجلس الوزراء اللبناني قال: إنه سوف ينتظر نتائج التحقيق في هذه الأحداث، ودعا- في بيان له حول هذه المسألة- إلى ما أسماه بـ"التعجيل بالتحقيق الشامل" من أجل تحديد كل المسئوليات، خاصةً مسئوليات المخابرات الخارجية في اضطرابات الأشرفية هذه والتي طالت ملكيات خاصة وسيارات بجانب الاعتداء على إحدى الكنائس.
وفي السياق قامت السلطات اللبنانية باعتقال عددٍ من المشتبه في تورطهم باضطرابات الأشرفية، وكان من بينهم فلسطينيون وسوريون وهو ما يومئ إلى أنَّ سوريا كانت حاضرةً وبقوة في لقاء نصر الله- عون الأخير.
من داخل الاجتماع
على أنَّ الدواعي المعلنة لهذا اللقاء الفريد من نوعه- والذي عُقِد في كنيسة مار ميخائيل الخاصة بالطائفة المارونية في لبنان والواقعة في منطقة الشياح بالضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت- كانت ذات طابعٍ داخلي، إلا أنَّ ما دار فيه كان سياسيًّا إقليميًّا وبامتياز، طبقًا للمصطلحات المستخدمة في الصحافة اللبنانية ذاتها.
كذلك كان مكان انعقاد الاجتماع ذا دلالة في صدد موضوع اللقاء بين نصر الله وعون؛ حيث هدف نصر الله من اختيار كنيسة مار ميخائيل الخاصة بالطائفة المارونية اللبنانية إلى الإشارة إلى قضية الوحدة الوطنية اللبنانية وأيضًا تهدئة خواطر مسيحيي لبنان بعد أزمة طويلةٍ استحكمت بين الطرفين منذ عامٍ ونصف العام، بعد التجديد للرئيس اللبناني "إميل" لحود، على خلاف رغبة الأطراف المسيحية اللبنانية التي عارضت ذلك في خريف العام 2004م، مع ترسيخ هذا الترشيح للوجود السوري السابق في البلاد واعتدائه على الديمقراطية اللبنانية، مع عدم رضاء الكنيسة المارونية اللبنانية عن تبعية لحود لدمشق وهو الماروني، مع عداء الكنيسة التي يتزعمها مار نصر الله بطرس صفير- الذي أتى لقاء عون- نصر الله على غير رغبته- للسوريين منذ النصف الثاني للحرب الأهلية اللبنانية.
وقد عُقِد اللقاء تحت حراسة أمنيةٍ مشددة، وفي حديث نصر الله خلال المؤتمر الصحفي الذي عقد في أعقاب اللقاء كرَّر نصر الله حديثًا سابقًا له حول أنَّ عون مرشحٌ حقيقي لرئاسة الجمهورية اللبنانية، وأنه يمتلك- من وجهة نظر حزب الله- "الحيثية الشعبية والشخصية لتولي منصب الرئاسة".
وهو ما يثير تساؤلاتٍ عدة حول هذا الموقف "الانقلابي" لحزب الله من حلفاء سوريا وأعدائها في لبنان، فالأمين العام للحزب حسن نصر الله يجتمع مع عون ألد أعداء سوريا في البلاد ويزكِّيه على الرئيس الحالي لحود، أحد أقرب المقربين من دمشق، مما يؤشر إلى إمكانية ظهور تحالفات سياسيةٍ جديدةٍ في لبنان القائم من الأصل على مجموعة من التحالفات الهشة.
إلا أنَّ نصر الله حرص أيضًا على تهدئة الخواطر حول هذا اللقاء "الغريب"، فقال في المؤتمر الصحفي: "إن اللقاء ليس موجهًا ضد أي جهة أو أحد"، وإنه كان منتظرًا منذ وقت طويل، وإنه يهدف فقط لأن يؤسِّس تعاونًا قائمًا على منهجٍ ورؤيةٍ بين التيار الوطني الحر الذي يتزعمه عون وحزب الله بقيادة نصر الله، بحيث يكون اللقاء دعوةً لجميع الأطراف اللبنانية للجلوس والتفاهم دون نفي أي قوةٍ سياسيةٍ في البلاد الممزَّقة من الأصل.
وكانت أهم النقاط التي تباحث فيها الطرفان واتفقا عليها خلال اللقاء من خلال وثيقة التفاهم التي أعلنت بعد الاجتماع:
- العمل على ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا في أقرب فرصة وعلى نحوٍ لا لبسَ فيه، بما يتطلب من الحكومة اللبنانية البحثَ عن حلٍّ لمشكلة هوية مزارع شبعا التي تحتلها القوات الصهيونية وتصرُّ على أنها سورية ولن تُخلى إلا بموجب اتفاق تسوية نهائي مع دمشق، وأنها تخرج من نطاق القرار رقم 425 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في أعقاب الاجتياح الصهيوني الأول للبنان في العام 1978م والذي تدَّعي الحكومات الصهيونية أنها نفَّذته بالكامل بعد الجلاء عنوة عن الجنوب اللبناني في مايو من العام 2000م، إلا أنَّ دمشق- التي كانت تعترف فيما مضى بلبنانية المزارع- عادت وشكَّكت في ذلك بعد الأزمة الأخيرة مع لبنان بعد اغتيال الحريري.
- النقطة الثانية في الوثيقة الصادرة عن اجتماع عون وحسن نصر الله كانت مطالبة سوريا بـ"التعاون الكامل" مع لبنان من أجل كشف مصير المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، وفي المقابل تحرير الأسرى اللبنانيين الموجودين في السجون الصهيونية.
- إقامة علاقات دبلوماسية بين لبنان وسوريا تلغي تمامًا فكرة تبعية لبنان لسوريا أو أنَّ لبنان جزء من "سوريا الكبرى" وتضع العلاقات بين البلدين على أُسس التكافؤ وكـ"علاقات دولة لدولة" وليس علاقة عاصمة مثل دمشق بمجال حيوي لها أو فناء خلفي إضافي لسوريا على البحر المتوسط.
- تحرير مزارع شبعا من الاحتلال الصهيوني، وهي نقطةٌ شديدة الأهمية تعني تحولاً كاملاً في فكر وسياسات عون ومواقفه؛ لأنَّ التسويةَ مع الكيان الصهيوني كانت هي الأقربَ في خطاب القوى المسيحية اللبنانية وبعض القوى الأخرى هناك.
- تحسين الظروف المعيشية للفلسطينيين في لبنان، والتأكيد على حقهم بالعودة إلى بلادهم، ورفض توطينهم، وهو بالمقابل تغيير في موقف حزب الله؛ لأنَّ تحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وتعدادهم نحو 450 ألف فلسطيني يعني البدءَ في توطينهم فيما بعد رغم الرفض "المعلَن" في خطاب القوى الشيعية في لبنان لتوطين اللاجئين لاعتبارات تتعلَّق أولاً بالتوازنات الديموجرافية الطائفية في البلاد، وما نتج عنها من محاصصة سياسية وبيروقراطية في البلاد، وثانيًا لاعتبارات الصراع مع الكيان الصهيوني والقضية الفلسطينية.
- دعوة اللبنانيين الموجودين في الكيان الصهيوني إلى العودة إلى لبنان كمدخل لحل أزمتهم، وأغلبهم من المسيحيين الموارنة ممن تعاونوا مع الاحتلال الصهيوني في لبنان قبل انسحابه قبل ما يزيد على الأعوام الخمسة، سواء في ميليشيات جيش لبنان الجنوبي العميل للكيان الصهيوني أو تعاونوا مع قوى المخابرات والجيش الصهيونية، وفرُّوا من الجنوب تحت جنح الظلام مع قوات جيش الاحتلال الصهيوني؛ خوفًا من حزب الله الذي تقدَّمت قواته لتحل محل القوات الصهيونية في الجنوب اللبناني.
وأخيرًا شدَّدت الورقة على أهمية الحوار بين اللبنانيين جميعًا كما سبق القول. وعمومًا- ومن خلال البنود السابقة- ظهرت إلى حيز الوجود تساؤلات مهمة للغاية وبحاجة إلى إجابة؛ لأن إجابتها سوف ترسم العديد من القناعات والمصائر في لبنان وما حول ومن بينها: "هل باع حزب الله سوريا؟" و"ما هو مصير الفلسطينيين في لبنان بعد أن انضم حزب الله بشكل غير معلن لقوى التسوية هناك؟" و"ما هو مصير الأزمة السورية- اللبنانية بعد؟" و"ما هو موقف سوريا من هذه التحولات في التحالفات في البلاد؟" وأخيرا وليس آخرا "أين الكيان الصهيوني من هذه الانقلابات مع وضوح بصمته فيها؟".
ومع مساسها باعتبارات الأمن القومي لأطراف عربية عدة فإن العرب- كافة العرب- في الواقع معنيون بالإجابة عن هذه الأسئلة!!