إعداد: حسين التلاوي
أعلنت أمس المفوضية العليات المستقلة للانتخابات العراقية عن نتائج الانتخابات العامة العراقية التي جرت يوم 15 ديسمبر الماضي، وذلك بعد أسابيع من إعلان النتائج الأولية والانتظار إلى انتهاء النظر في الطعون التي قدمتها القوى السياسية المختلفة.
وقد أبرزت نتائج الانتخابات أن ترتيب القوى السياسية من حيث الفوز بعدد المقاعد لم يتغيَّر؛ فاستمرت قائمة الائتلاف العراقي الموحَّد المكوَّنة من الأحزاب الدينية الشيعية في الصدارة بـ128مقعدًا، تلتها القائمة الكردية بـ53 مقعدًا، ثم قائمة جبهة التوافق الوطنية السُّنية والتي فازت بـ44 مقعدًا في أول مشاركة لها في الانتخابات، وبهذه النتائج يتضح أن كلاًّ من القوى السياسية العراقية لم يَحُز على نسبة الثلثين، وكذلك توضح أن أي تحالف كردي شيعي لن يحوزها لضرورة تجاوز عدد مقاعد كتلة الأغلبية لـ183 مقعدًا، وهو ما لا يتوافر وفق النتائج السابقة التي تمنح الائتلاف الشيعي والقائمة الكردية 181 مقعدًا فقط.
في هذه الأثناء استمرت أعمال العنف في العراق مع ضعفٍ نسبيٍّ في قدرات تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين ونشاط في حركات المقاومة العراقية، فيما لم يستقر الأمريكيون ولا البريطانيون على مواعيد محددة لبدء انسحاب تدريجي من البلاد، وإن كانت بعض الإشارات قد دلَّت على قرب ذلك الانسحاب إلا أن موعدًا رسميًّا لم يُحدَّد بعد.
هذه هي ملامح المشهد العراقي الحالي.. فما الذي يمكن أن تقود إليه هذه المعطيات في المستقبل العراقي؟!
حكومة وحدة وطنية
كل العوامل السياسية والميدانية والمعيشية تدفع بضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية، ونأخذ من هذه العوامل أبرزها:
النتائج النهائية للانتخابات العامة الأخيرة أشارت إلى عدم فوز الشيعة والأكراد بالأغلبية، إلى جانب حصول السنة على عدد كبير من المقاعد وهو 44 مقعدًا مقارنةً بالعدد السابق؛ حيث حصلوا على 17 مقعدًا في انتخابات يناير 2005م، وبالتالي صاروا قوةً رئيسةً لا يمكن أن يتم تجاهلها في الحسابات السياسية العراقية المستقبلية.
إلى جانب ذلك فهناك نجاح لفصائل المقاومة العراقية المختلفة- التي تبعد في عملها وأهدافها عن تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين صاحب الأجندة المختلفة تمامًا عن المقاومة العراقية- في فرض نفسها كعنصر رئيس في الساحة العراقية.. الأمر الذي يجعل من الضروري أن يدخل السنة في الحكومة الجديدة لتكون حكومة توافق تعمل على تهدئة الأوضاع الميدانية عن طريق تحقيق المطالب التي ترفعها المقاومة العراقية، وهي وحدة العراق، وانتهاء الاحتلال الأجنبي، وإجراء تعديلات في الدستور تحافظ على إسلامية العراق وتحميه من خطر الفيدرالية.
وبجوار ما سبق فشلت الحكومة المؤقتة التي سيطر عليها الشيعة والأكراد في تحقيق أمن العراق وتأسيس نظام سياسي مستقر ومستقل عن التدخل الأجنبي، بالإضافة إلى استمرار تردي الحالة المعيشية والتي وصلت إلى حد ارتفاع أسعار الوقود والمحروقات بصورة كبيرة قادت في النهاية إلى استقالة وزير النفط المؤقت إبراهيم بحر العلوم لمرتين، كما تدهور برنامج إعادة إعمار العراق بسبب الفساد المنتشر في طرفي إدارته الأمريكية والعراقية وعدم قدرة الحكومة العراقية المؤقتة على السيطرة على مخصصاته بعد سماحها للأمريكيين بالاستيلاء عليها لصالح دعم العمليات العسكرية الأمريكية ضد المقاومة والمسلحين في البلاد.
كما ظهر فشل الحكومة المؤقتة في عدم قدرتها على ضبط الحالة الأمنية، وهو ما وضح في زيادة الأعمال المسلحة، سواءٌ من جانب المسلَّحين أو القوات الأمريكية، مع انتشار ما يسمَّى "فرق الموت" الشيعية في وزارة الداخلية العراقية والتي تقوم بعمليات تعذيب وانتهاك ضد السجناء العراقيين من السنة، وكذلك باختطاف وقتل المواطنين السنة انتقامًا من استهداف تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين للشيعة.
فرص تشكيل حكومة وحدة وطنية
كل هذه العوامل تؤكد أن حل مشكلات العراق يكمن بالدرجة الأولى في تشكيل حكومة وحدة وطنية عراقية، ولكن هل تسمح الظروف السياسية بتشكيل مثل هذه الحكومة؟!
الظروف الحالية تفتح الطريق أمام تشكيل مثل هذه الحكومة بالنظر إلى رغبة الأمريكيين في عدم رؤية حكومة شيعية عراقية تتقارب مع الإيرانيين، وبالتالي تهدد أمن دول الخليج العربية وتعيد الحالة الخليجية إلى مرحلة تصدر الثورة الإسلامية الإيرانية لدول الخليج العربية ولكن من دون وجود "العراق القوي" تحت حكم الرئيس المخلوع صدام حسين ليكبح جماح الفتى الإيراني الثائر.
كما أن تشكيل حكومة توافق عراقية وما سيؤدي إليه من تشكيل هدوء الأحوال على الأرض سيساعد على تحديد الأمريكيين لموعد لبدء انسحابهم التدريجي من العراق، وإنهاء الاحتلال الذي بدأ منذ الأول من مايو عام 2003م، بعد أن نجح الغزو الذي انطلق في مارس من العام نفسه في الإطاحة بالنظام العراقي السابق.
ويرغب بعض الشيعة في إحلال الاستقرار في العراق، وهو الاستقرار الذي لن يأتي إلا بمشاركة السنة مما يساعد على تهدئة المقاومة ومنْح جهدها العسكري ظهيرًا سياسيًّا في البرلمان والحكومة- اللذين يتمتعان بصفة "الدائم" هذه المرة لا المؤقت- وبالتالي يساعد في تحقيق أجندتها.
ومن بين الأطراف الشيعية التي تسعى إلى ذلك آية الله العظمى السيد علي السيستاني- المرجع الشيعي الأعلى في العراق- والذي دعا إلى حكومة وحدة وطنية، وهي الدعوة التي لم تلقَ قبولاً لدى رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق السيد عبد العزيز الحكيم الذي يفضِّل تشكيل حكومة وفق نتائج الانتخابات، إلا أنه عند الصدام بين الرأيين فسوف يتفوق رأي السيستاني بكل تأكيد؛ حيث يفضل الشيعة رأي المرجعية الدينية على رأي المنظمات السياسية مهما يكن حجم ثقلها.
أيضًا عوامل إقليمية تدعم تشكيل حكومة وحدة وطنية، فإيران المشتبكة مع الغرب في قضية الملف النووي الخاص بها لا تريد فتح ملفاتٍ جديدة، وبالتالي ستعمل على تهدئة المخاوف الغربية من إمكانية دعمها نظامًا شيعيًّا في العراق في مقابل تشدُّدها في البرنامج النووي واستمرار دعمها للمقاومة في الأراضي الفلسطينية ولبنان.. الأمر الذي يجعلها تدعم تشكيل حكومة وحدة وطنية في العراق.
كذلك لا تريد تركيا إقليمًا كرديًّا عراقيًّا منفصلاً على حدودها الجنوبية يسمح بمد نزعة الانفصال إلى إقليم كردستان التركي في الجنوب الشرقي، وبالتالي ستعمل على إدخال السنة الرافضين لتقسيم العراق في الحكومة الجديدة، كما أن مصر تدعم استقرار العراق وعدم تقسيمه، وبالتالي سوف تدعم دخول السنة، ويدعم ذلك بعض الأنباء التي تحدثت عن أن الأمريكيين يُجرون حوارًا مع مسلَّحين عبر وسطاء قد ينتقل إلى المرحلة المباشرة وتستضيف القاهرة جولات منه.
الصورة المتوقَّعة بعد تشكيل الحكومة
من المتوقَّع أن يمر تشكيل الحكومة العراقية الجديدة بصعوبات كثيرة، من بينها التعرض للضغوط الخارجية في توزيع الحقائب وبخاصة الداخلية والنفط والخارجية، إلى جانب اختيار الشخصيات التي سوف تتولى المناصب، فالسنة على سبيل المثال قد يعترضون على تولي بيان جبر صولاغ مسئولية وزارة الداخلية مجددًا بعد تورط الوزارة في فضائح تعذيب ضد السنة ومحاولة صولاغ تبريرها أو التقليل من شأنها.
إلا أنه في حال تشكيل الحكومة العراقية على أساس حكومة وحدة وطنية فإنه من المتوقَّع أن يغادر الاحتلال العراق في فترة تنتهي في العام 2007م، إلى جانب انخفاض معدلات العمليات العسكرية، وتقلُّص- إن لم يكن اختفاء- نشاط تنظيم القاعدة مع استمرار حالة الهشاشة السياسية بصورة جزئية دون القدرة على تحسين الحالة المعيشية والاقتصادية بصورة سريعة.
فعلى الأرجح قد تستمر الأزمة المعيشية إلى حين انتهاء ولاية الحكومة المرتقب تشكيلها والتي سوف تخدم لمدة 4 سنوات أو حتى يمكن الانتظار 4 سنوات أخرى؛ حتى يمكن القضاء على الآثار المختلفة لسنوات الحصار والاحتلال والتي أنهكت البنية التحتية العراقية، كما أضعفت من التماسك السياسي للشعب العراقي والذي يُعتبر مهمًّا في أية عملية بناء اقتصادي، إلى جانب ما أدت إليه ديكتاتورية النظام الاستبدادي المخلوع والغياب الأمني في ظل الاحتلال من هجرة للعقول العراقية التي تُعتبر أساسيةً في عملية إعادة إعمار العراق، والأهم إعادة إعمار الإنسان العراقي.