خاص- وحدة التقارير والتحليلات
بدأت أجهزة السلطة الفلسطينية في فتح ملفات الفساد وإهدار المال العام في الأراضي الفلسطينية، فيما تفاعلت عمليات كتائب شهداء الأقصى ضد الكيان الصهيوني بصورةٍ أكثر في الكَمِّ والكيف، وذلك في أعقاب الانتصار المدوي لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" في الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جرت يوم25 من يناير الماضي، والتي كان معناها سقوطًا مدويًّا لحركة فتح وبرنامجها السياسي.
فهل يعني هذا أنَّ هناك مراجعاتٍ تجري داخل حركة فتح بعد الخسارة؟ أم أنَّ الحاصلَ هو انشقاق في الحركة التي تُعتبر الفصيل الأكبر في منظمة التحرير الفلسطينية؟
معالم الانشقاق في فتح
الواضح أنَّ ما يحدث حاليًا في داخل حركة فتح هو نوعٌ من الانقسامِ الداخلي، ويؤكد ذلك العديد من الشواهد منها ما هو متعلق بملفاتِ الفساد، والآخر مرتبط بسياسةِ المقاومة التي تبعها كتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري لحركة فتح، ومنها ما يظهر في الواقع السياسي للحركة سواء قبل أو بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة.
ملفات الفساد لماذا فُتحت الآن؟
فجأنا المدعي العام الفلسطيني أحمد المغني قبل أيامٍ بالإعلان عن وجودِ حالاتٍ من إهدارٍ واختلاسٍ للمال العام تمَّت بمعرفة بعض كبار المسئولين في السلطة الفلسطينية، وقد قدَّر المدعي العام حجمَ المبالغ التي فقدها المال العام الفلسطيني بالسرقة أو التبديد بحوالي 700 مليون دولار، فإذا ما علمنا أن حجم العجز في الموازنة الفلسطينية للعام 2005م بلغ 800 مليونًا أدركنا حجم الكارثة التي يواجهها الاقتصاد والشعب الفلسطيني جرَّاء الفساد في داخل السلطة الفلسطينية.
ولكن، لماذا هذا التوقيت؟ لم يكن جديدًا أن يتحدث أحد مسئولي فتح أو السلطة الفلسطينية عن الفساد في صفوف السلطة الفلسطينية والحركة وبخاصة على مستوى القيادات العاملة في الأجهزة الأمنية الفلسطينية، فقد صرَّح أكثر من مسئولٍ فلسطيني- قبل الانتخابات- بأنَّ هناك عملياتِ فسادٍ تتم داخل السلطة وأنَّ رجالَ فتحٍ يعتذرون عنها للشعب الفلسطيني!!
ويُوضِّح ذلك أنَّ هناك تنازعًا بين معسكرين في فتح، معسكر يرى انتهاج سياسة المكاشفة- ولو الجزئية- مع الشعب الفلسطيني، والمعسكر الآخر يرى أن السكوت سيكون في مصلحة الحركة، إلا أن نتائج الانتخابات جاءت بما قلب الطاولة على كبارِ جميع مسئولي فتح، فانتصر معسكر المكاشفة واستغلَّ الفساد لكي يُطيح بالحرس القديم، بالمنافسين، من مناصبهم في السلطة والحركة لكي يستفرد بالوضع في داخل الحركة، وذلك على الرغم من أن عناصره قد يكونون متورطين- مثلهم مثل منافسيهم- في جرائم استغلال النفوذ والفساد.
الاستغلال السياسي للمقاومة
نرى أيضًا أن عمليات المقاومة التي تقوم بها كتائب شهداء الأقصى- الجناح العسكري لحركة فتح الفلسطينية- تُعبِّر عن الانقسام الداخلي في الحركة، فرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أكد أكثر من مرة ضرورة عدم قيام الفلسطينيين بأية عمليات ضد الكيان الصهيوني، إلا أن الكتائب قامت بالعديد من العمليات ومن بينها ما هو إطلاقٌ للصواريخ على المناطقِ المختلفة من الكيان الصهيوني بالإضافةِ إلى الاشتباكات المسلحة مع جنود الاحتلال الصهيوني.
لكن الملاحظ هو تزايد العمليات- عمليات الكتائب- في الفترة التي تلت الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وذلك على الرغم من أنها هدأت قبل الانتخابات في إطار التزام الفلسطينيين الهدوء النسبي لدعم تقديم أية مبررات للصهاينة لضرب العملية الانتخابية، فما الذي جدَّ؟
الذي جدَّ هو أن (فتح) قد خسرت في الانتخابات الفلسطينية، وبالتالي ظهرت جماعةٌ فيها تحاول أن تفرض وجودها على الجماعةِ التي كانت مسيطرة على الوضع وأدَّت سياساتها إلى خسارةِ الحركة، وهي الجماعة التي تُعرف بـ"الحرس القديم"، وبالتالي يحاول "الحرس الجديد" أن يُطبِّق خططه في القضيةِ الفلسطينية رغمًا عن كبار الحركة.
ويبدو أنَّ هذه الإستراتيجية ناجحة، حيث لم نعد نسمع أية إدانات من جانب السلطة الفلسطينية لعمليات المقاومة التي تقوم بها كتائب شهداء الأقصى في موافقة ضمنية عليها، وفي محاولة من الحرس القديم منح الحرس الجديد مساحة للتحرك تُخفف من الضغوطِ التي كادت تتطيح بهذه القيادات في أعقاب "كارثة الانتخابات".
إلا أنَّ هناك تبريرًا آخر يدخلُ في إطارِ التنافس السياسي بين حركة فتح وحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، فقد يكون تصعيد كتائب شهداء الأقصى ضد الكيان الصهيوني بغرضِ إظهار فتح على أنَّ لها برنامجَ مقاومة وبرنامج سياسة، وبالتالي لا تختلف عن حركةِ حماس؛ الأمر الذي يُعيدُ إليها بعضًا من شعبيتها المفقودة، لكنه تحرُّك يأتي بعد فوات الأوان.
فتح سياسيًّا.. الانقسام بات واضحًا
الانقسام السياسي في داخل حركة فتح كان واضحًا من قبل الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جرت يناير الماضي، وقد بدا ذلك في انشقاق وزير المالية السابق سلام فياض عن الحركة ودخوله الانتخابات في قائمة مستلقة باسم قائمة الطريق الثالث، والتي ضمَّت معه الناشطة الفلسطينية المعارضة حنان عشراوي.
كما شهدت الحركة الانقسام الأكبر الذي تمثَّل في خروج أمين سر الحركة في الضفة الغربية مروان البرغوثي والمعتقل حاليًا في السجون الصهيونية؛ حيث شكَّل قائمة باسم قائمة "المستقبل"، ودخل فيها أيضًا وزير التنمية المحلية الفلسطيني السابق محمد دحلان، الطامح إلى منصب رئيس السلطة الفلسطينية، إلا أنَّ بعضَ التوافقات أدَّت إلى دمج القائمة الرئيسية لحركة فتح والتي تصدرها اسم البرغوثي أيضًا مع قائمةِ المستقبل.
وعلى الرغم مما توقَّعه البعض من أن تؤدي "كارثة الانتخابات" إلى توحيد المساراتِ داخل حركة فتح، إلا أنَّ الخلاف استمرَّ، وقد وضح ذلك في التناقض بين تصريحات مروان البرغوثي التي طالب فيها أعضاء حركة فتح والسلطة الفلسطينية بتسليم مفاتيح السلطة إلى حركة حماس وفْق النتائج التي تحققت في الانتخابات، وبين تصريحات جاءت من محمد دحلان دعت حركة حماس إلى "عدم التفكير" في السيطرة على الأجهزة الأمنية، وهو ما أكده رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بإصدار أمرٍ جعل الأجهزة الأمنية الـ23 تابعة لسلطته بعيدًا عن سيطرة الحكومة، وبالتالي سيطرة حماس في المستقبل.
أيضًا تمثَّل ذلك في مطالبة بعض أنصار الحركة باستقالة المسئولين في فتح والسلطة الفلسطينية لمسئوليتهم عن خسارة الحركة في الانتخابات، وهي المطالبات التي ردت عليها مطالبات أخرى من داخل كتائب شهداء الأقصى بضرورة استمرار المسئولين في أماكنهم على الرغم من الخسارة، وهو ما يتنافى مع حالات الاقتحام التي كانت تقوم بها عناصر الحركة لمبانٍ حكومية من أجل الضغط على السلطة لإجراء إصلاحات.
إذن الارتباك هو السمة الأساسية للتحرك في حركة فتح في الفترة الحالية، وهو الارتباك الذي يُؤثِّر بالسلب على الاستقرار في الحالةِ الفلسطينية العامة، بالنظر إلى أنَّ عناصرَ حركة فتح لا يرغبون في التحالف مع حركة المقاومة الإسلامية حماس، وبالتالي سيعرقل هذا تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية التي يمكن أن تؤدي إلى استقرار الوضع الفلسطيني بما يسمح للفلسطينيين أن يتعاملوا مع الكيان الصهيوني وهم يقفون على أرضية داخلية صلبة، فلماذا لا تعمل فتح على تصفيةِ الخلافات الداخلية فيها بما يخدم القضية الفلسطينية؟!