متابعة- سمير سعيد
كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أعلن من مدريد الخميس 9/2/2006م أنه سيدعو قريبًا مسئولين في حماس إلى موسكو لإجراء مباحثات حول مستقبل عملية السلام بين الكيان الصهيوني والفلسطينيين، الأمر الذي سارعت حماس إلى الترحيب به، في حين ندَّدت به الحكومة الصهيونية واعتبرته "طعنةً في الظهر"!!
هذه الدعوة الروسية لقادة حماس كانت بمثابة القنبلة التي انفجرت في الساحة السياسية الدولية من ناحية، ومن ناحية أخرى كانت مكسبًا دبلوماسيًّا جديدًا لحركة حماس يكسر حاجز العزلة الغربي والحصار الأمريكي، وهو ما أكدته وزيرة الخارجية الصهيونية (تسيبي ليفني) التي وصفت الدعوةَ الروسية لوفد حماس بأنها ستُحدث شرخًا في جهود عزل الحركة دوليًّا، إلا أنها استبعدت وصول الأمر إلى حد الأزمة بين الروس والصهاينة.
وبهذه الدعوة أصبحت روسيا- أول عضو في لجنة الوسطاء الدوليين الأربعة للتسوية في الشرق الأوسط (التي تضم أيضًا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وهيئة الأمم المتحدة- تعلن صراحةً عن استعدادها للحوار مع حركة حماس، زاد على ذلك أنَّ موسكو مستعدةٌ لإجراء حوار على أعلى المستويات، كما صرَّح المسئولون الروس.
نجاح دبلوماسي
وتجدر الإشارة إلى أن روسيا قد حققت نجاحاتٍ سياسيةً ودبلوماسيةً في الفترة الأخيرة بعد سنوات من التراجع، خاصةً بعد انفجار الثورات البرتقالية التي بدأت بأوكرانيا؛ حيث نجحت روسيا في الانضمام إلى عدد من المؤسسات الدولية، على رأسها منظمة المؤتمر الإسلامي، ومجموعة "آسيان"، وإرسال قوات حفظ سلام دولية للسودان، إضافةً إلى استعادتها السيطرة على بعض حلفائها في آسيا الوسطى الإسلامية، وخطوة دعوة حماس والحوار معها تشكِّل خطوةً للأمام في اتِّجاه تفعيل الدور الروسي في العالم بشكلٍ عام وفي المنطقة بشكل خاص.
ويبدو الوضع من الوهلة الأولى غير واضح المعالم؛ فحماس مُدرَجةٌ على قوائم المنظمات الإرهابية في الكيان والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في الوقت الذي تُعتبر فيه روسيا شريكًا لهذه الأطراف في مكافحة الإرهاب؛ ولهذا فإن الكثيرين في العالم العربي رأَوا في كلمات بوتين تحديًا موجَّهًا إلى الولايات المتحدة وضربةً لسياسة الكيان، أما الحقيقة فإنها ليست على هذه الصورة؛ لأن موسكو لا تنوي التخلِّي عن علاقات الشراكة مع تلك الأطراف.
البحث عن دور
إذًا فما الذي يقف وراء دعوة بوتين؟ هناك نقطتان تدفعان روسيا إلى إجراء محادثاتٍ مع حماس، تمثِّل الأولى رغبة موسكو في التأكيد على أنها ما زالت قوةً مؤثرةً في الشرق الأوسط، أما النقطة الثانية فتتعلق بالتأكيد على سياسة التقارب التي تنتهجها روسيا مع العالم الإسلامي في الفترة الأخيرة، واستعادة بعض نفوذها، هذا مع العلم بأن هناك تنافرًا بين السياسة الأمريكية وحماس، على عكس ما كان إبان عهد سلطة فتح، وهو ما يفتح الطريقَ أمام موسكو في هذا الشأن للعب دور، وهو ما تحتاجه حماس في ظل التهديدات الأمريكية والأوروبية والتحريض الصهيوني.
كما أن روسيا غير راغبة في تأجيج "صراع الحضارات"؛ لأنها تدرك أنَّ ذلك يقوِّض الاستقرارَ داخل الحدود الروسية نفسها التي تضم العديد من الجمهوريات والقوميات المسلمة؛ ولهذا فإن روسيا أخذت على عاتقها لعب دور الوسيط بين الشرق والغرب، وتأتي الاتصالات مع حركة حماس في هذا الاتجاه أيضًا.
حماس والإرهاب
ولا بد من القول بأنه لا يستطيع أي عضو من أعضاء اللجنة الرباعية (عدا روسيا) أن يُجرِي حوارًا مع حماس بدون إلحاق ضرر بتصريحاته ومواقفه السابقة أمام المجتمع الدولي ومواطنيه، أما موسكو فإنها لم تُخْفِ أبدًا حقيقةَ أنها لا ترى في حماس منظمةً إرهابيةً، وتكمن القضية أيضًا في أن القانون الروسي لا يُدرِج في قائمة المنظمات الإرهابية إلا المنظمات التي تمارس نشاطًا "إرهابيًّا" على أراضي روسيا كالمجاهدين الشيشان.