كتب: سمير سعيد

انعقدت مؤخرًا الدورة الـ42 لمؤتمر ميونيخ للأمن الذي بدأت فاعلياته السبت 4 /2/2006م تحت عنوان "أوربا والولايات المتحدة.. ترميم الشراكة الأطلسية".

 

وكما هو متوقَّع استحوذ التصعيدُ الأخير في أزمة الملف النووي الإيراني علاوةً على دور حلف شمال الأطلسي (الناتو) المستقبلي على اهتمام النخبة السياسية والأمنية المشاركة في أكبر مؤتمر دولي شبه رسمي في العالم.

 

وشهد المؤتمر حضور ممثلي 50 دولة من بينهم 40 وزيرًا للخارجية والدفاع وعدد من الشخصيات العسكرية والسياسية، وكذلك 250 خبيرًا في قضايا الأمن الدولي، ومن بين المشاركين الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ياب دي هوب، والمنسق الأعلى للسياسية الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي خافير سولانا، ووزراء دفاع كل من فرنسا، بريطانيا، وروسيا، كما حظي حضور رئيس الوفد الإيراني المفاوض في الملف النووي باهتمام الصحافة الدولية.

 

وقد بحث المشاركون من منظار أطلسي في ثغرات نظام الأمن العالمي، بدءًا ببؤر النِّزاعات، وفي مقدمتها نزاع الشرق الأوسط ولا سيما بعد فوز حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، إلى جانب أفغانستان والعراق وكوسوفا وأفريقيا (دارفور وجمهورية الكونغو الديمقراطية)، كما تم التطرق إلى دور روسيا في التوازن الأوروبي ودور آسيا في الأمن العالمي، وكما هو واضحٌ فإن بؤر النزعات مَثَار النقاش غالبيتها عربية أو إسلامية.

 

الملف الإيراني

ولم يخلُ المؤتمر من اختلافٍ واضحٍ في وجهات النظر القائمة على المصالح فيما يتعلق بأكثر من نقطة, النقطة الأولى: الملف النووي الإيراني، فأوربا رغم أنها تتفق مع واشنطن في خطورة امتلاك إيران لسلاح نووي يشكِّل خطورةً على مصالح الطرفين في المنطقة، ويخلّ بالتوازنات فيها خاصةً مع الأطماع الإيرانية التوسعية في منطقة الخليج- إضافةً إلى ما هو واقع الآن في العراق- رغم كل ذلك ترى أوروبا أنه يمكن أن يتمَّ احتواءُ الأزمة من خلال صفقات متبادَلةٍ مع الإيرانيين، من خلال منحهم تعويضاتٍ مقابل تخلِّيهم عن الحلم النووي دون استخدام القوة العسكرية، وهو ما لا تتفق معه واشنطن.

 

وفي الوقت الذي تتسم فيه العلاقات السياسية بين أوروبا وإيران بالتوتر بسبب طموحات الأخيرة النووية تأخذ العلاقات الاقتصادية شكلاً آخر؛ حيث يرتكز الموقف الأوروبي الرافض لاستخدام القوة ضد إيران على أساسٍ اقتصادي بالدرجة الأولى؛ فالعديد من الدول الأوروبية لها مصالح اقتصادية مع إيران، ولها مشاريع ضخمة وعقود موقعة في ظل غياب أمريكي على خلفية العلاقات بين طهران وواشنطن والصراع على النفوذ في المنطقة.
وبالإضافة إلى ذلك هناك عامل امتلاك إيران لمصادر طاقة أوروبا في أمسِّ الحاجة لها خاصةً بعد أزمة الغاز الروسية الأخيرة؛ حيث أصبحت شركات النفط الأوروبية الكبرى تطارد الغاز الطبيعي عبر محاولة مدِّ أنابيب لاستيراد الغاز من إيران.

 

"نابوكو بايبلاين"

وتعتزم الشركة النمساوية للطاقة (OMV) جَعْلَ الغاز الطبيعي الإيراني في متناول الأسواق الأوروبية، وذلك عبر مشروع ضخم لمدِّ أنابيب نقل الغاز مباشرةً إلى أوروبا عبر تركيا ودول البلقان، ويهدف المشروع الذي يُطلَق عليه اسم "نابوكو بايبلاين" إلى محاولة إيجاد بديلٍ للغاز الروسي، والتطورات الأخيرة المتعلقة بإمدادات الغاز الروسي إلى السوق الأوروبية أعطت إمكانية تحقيق المشروع دفعةً قويةً.

 

وفي حال استخدام القوة ضد إيران فإن أسعار النفط والغاز ستصل إلى أرقام مرتفعة تشكِّل تهديدًا لاقتصاديات دول أوروبا والولايات المتحدة نفسها، وسيكون له انعكاساتٌ أخرى تتمثَّل في استخدام روسيا لسلاح الطاقة لابتزاز الدول الأوروبية وخاصةً دول الاتحاد السوفيتي السابق في الشطر الأوروبي لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية وعسكرية، والتسبُّب في إضرابات داخلية في عموم أوروبا على خلفية الأزمة التي ستنجم عن ارتفاع أسعار الغاز والنفط التي تعتمد عليهما أوروبا بشكل كامل في نهضتها الصناعية والتدفئة في الشتاء الذي ازداد برودةً خلال السنوات القليلة الماضية.