متابعة- حسين التلاوي

اشتعل الوضع في العراق بصورةٍ غير مسبوقة عندما تمَّ تدمير القبة الذهبية المميزة لضريح الإمامين علي الهادي والحسن العسكري الشيعي المقدس في مدينة سامراء على يد اثنين من المسلحين، الأمر الذي أدى إلى فتح أبواب العنف الطائفي ضد السنة؛ حيث تم إحراق حوالي 170 مسجدًا سُنيًّا في العراق بعد تفجير القبة إلى جانب مقتل العشرات من السنة من بينهم أئمة مساجد، مات أحدهم وهو يحاول منع أحد الشيعة من تمزيق المصحف الشريف في أحد المساجد وهو ما كان رده 3 طلقات في صدره حسب روايات الشهود.

 

وقد وجَّه العديد من الجهات الاتهاماتِ إلى بعض الفرق المسلحة في العراق والتي تعمل على إشعال الحرب الأهلية في البلاد لتحقيق بعض الأهداف السياسية، إلا أنَّ الجزءَ الأكبرَ من الاتهام تم توجيهه إلى قوات الاحتلال الأمريكي، وفي هذا الإطار يكون من الضروري التعرف على أسبابِ هذا الاتهام والأهمية الدينية للمرقد الشيعي والعنف الذي مُورِس ضد السُّنة بعد التفجير ودلالاته على عراق ما بعد الغزو.

 

الضريح الشيعي.. أسباب الاختيار

يعتبر الضريح الذي تم استهدافُه واحدًا من العتبات المقدسة لدى الشيعة حول العالم، حيث يضم رفات الإمامين علي الهادي وابنه الحسن العسكري، واللذان يأتيان في سلسلة الأئمة المقدَّسين لدى طائفة الشيعة الجعفرية الإمامية التي ينتمي إليها غالبية- إن لم يكن كل- الشيعة في العراق، إلى جانب ما يقوله أهل مدينة سامراء من الشيعة من أنهم ينحدرون من نسل هذين الإمامين اللذَّيْن يعتبران حفيدَيْن للرسول- عليه الصلاة والسلام-.

 

وبالتالي يتضح أنَّ استهدافَ هذا المقام يقصد استفزازَ الشيعةِ إلى أقصى الدرجات بغرض اتخاذ ردِّ الفعل المتوقَّع من الجميع، وهو ممارسة أبشع أنواع التعذيب ضد السُّنة، وبالفعل فإن هذا ما جرى؛ حيث حصد الشيعة حياة 140 فردًا من السنة في أعمال عنف لم تقتصر على مدينة سامراء فحسب، وإنما امتدت إلى مختلف أنحاء العراق، كما شملت خسائر السنة 10 من أئمة المساجد قُتِلوا بالرصاص، سواءٌ في المساجد أو منازلهم، الأمر الذي يعني أن الاستهدافَ كان مقصودًا وليس في إطار أعمال عنف عشوائية ضد السنة، بالإضافة إلى أنه تم إحراق 170 مسجدًا سُنيًّا.

 

أي أن الغرض من استهداف الضريح هو إيقاع أكبر درجات الاستفزاز بالشيعة لدفعهم إلى الفعل الانتقامي ضد السنة وبالتالي اتجاه البلاد إلى حافة الحرب الأهلية.

 

اتهامات للشرطة العراقية وقوات الاحتلال

وجَّهت بعض القوى السياسية العراقية الاتهاماتِ إلى قوات الاحتلال الأجنبي وبخاصة الأمريكيين بالمسئولية عن الحادث، وقد صدرت هذه الاتهامات عن أطراف شيعية وسُنية على حد سواء.

 

ففي حين أكد بعض الساسة من الشيعة أن بعض الجماعات المسلحة في العراق وعلى رأسها تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين بزعامة أبي مصعب الزرقاوي هي من قام بتنفيذ العملية تصديقًا لتعهد أطلقه التنظيم بتصفية الشيعة في العراق، فإن غالبية الأصوات اتهمت الاحتلال بالمسئولية عن هذه العملية، سواءٌ بصورةٍ مباشرةٍ أو غيرِ مباشرةٍ.

 

فقد أكد الناطقُ باسم المدرسةِ الخالصيةِ الشيعيةِ علي الجبوري أن قوات الاحتلال وراء هذه العملية التي ضربت المرقدَ الشيعي بغرض إيقاع الفتنةِ بين صفوف العراقيين والدخول في حربٍ أهلية تُتيح بقاء قوات الاحتلال أكبر وقت في العراق واستمرار سيطرة التحالف الأمريكي الغربي على العراق لأطول فترة ممكنة.

 

كما اتهمت هيئة علماء المسلمين- على لسان العضو فيها عبد السلام الكبيسي- قواتِ الاحتلال بالتسبب في العملية، كما كان الدكتور طارق الهاشمي- أمين عام الحزب الإسلامي في العراق- قد حذَّر من أن تصريحات السفير الأمريكي زلماي خليل زاده حول ضرورة عدم تشكيل حكومة طائفية في العراق هي تصريحاتٌ خطيرةٌ قد تؤدِّي إلى نتائجَ وخيمةٍ، وبالفعل فقد كان ما حذَّر منه الهاشمي.

 

ويدعم هذه الاتهاماتِ مجموعةٌ من الشواهد، من بينها أن المنطقة التي وقعت فيها العملية تحت حظر التَّجوال، الأمر الذي يعني عدم قدرة أحد على السير فيها دون تصريح أو دون أن يكون من قوات الاحتلال الأجنبي أو قوات الشرطة والجيش العراقيين، وبالتالي فإن مرتكب هذه العملية لا بد أن يكون قد نسَّق مع جهة من هذه الجهات الثلاثة.

 

إلى جانب أن بعض شهود العيان قالوا إن الاثنين الذَّيْن ارتكبا الحادث كانا يرتديان زيَّ مغاوير الشرطة العراقية، مما يضيف بُعدًا جديدًا للتواطؤ بين الشرطة العراقية ومرتكبي الحادث إن لم يكن مرتكبو الحادث منتمين فعليًّا لقوات الأمن العراقي.

 

مبررات الحادث

تتعدد المبررات التي يمكن تقديمها للحادث، إلا أنها تصب في النهاية عند الرغبة في إشعال العنف الشيعي ضد السنة، ومن أبرز هذه المبررات:

 

- إمكانية أن تكون قوات الاحتلال الأمريكي وراء العملية سواءٌ بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة، عن طريق العلم بها وتمريرها، وذلك بهدف دفع الشيعة إلى إيقاع أكبر عمليات الانتهاك والتعذيب في السنة، وهو ما جرى بالفعل لدفع السنة إلى البحث عن مخرج من وضع الأقلية الذين وجدوا أنفسَهم فيه بعد الغزو الأمريكي للعراق، ويكون المخرج الوحيد المتاح أمامهم هو القبول بمبدأ "الفيدرالية" بغرض الابتعاد عن تهديد "الأغلبية الشيعية" لـ"الأقلية السنية" وهي الفكرة التي يُراد ترسيخُها في أذهان السنة.

 

- إذا كان ما قيل عن تورط الأجهزة الأمنية العراقية في الحادثة، فإن ذلك قد يكون بغرضٍ من اثنين، إما تحقيق دفع السنة إلى قبول "الفيدرالية" كما ورد في النقطة السابقة، أو تبرير أية حملات اعتقال مستقبلية تتم بحق السنة، الأمر الذي يضع قضيةَ "فرق الموت" الشيعية التي تُمارِس عملياتِ الاختطافِ والقتل والسجن بحق السنة في طي النسيان، بل ويعطيها المبرِّر الأخلاقي في حالة ظهورها مجددًا من أنها وسيلةٌ للحدِّ من العمليات السنية ضد الشيعة.

 

- قد يقف وراء هذه العملية بعضُ المصالح السياسية لعددٍ من القوى الشيعية التي تهدف إلى إجبار السُّنة على الدخول في تحالف حكومي مع الأحزاب الشيعية والكردية، ولكن بالشروط التي يضعها الشيعة والأكراد، لا السنة كما هو الحال حاليا، حيث يشترط السُّنة أن يتم تحديد جدول زمني للانسحاب والتأكيد على استقلال العراق والسماح بإعادة النظر في الدستور، وهي الشروطُ التي لا يرضى بها الشيعةُ والأكراد، وبالتالي فإن موجةَ العنف الطائفي من الشيعة ضد السنة والتي كان من المتوقَّع أن تندلِعَ بعد تدمير قبة المرقد الشيعي سوف تدخل في إطار أوراقِ الضغطِ الشيعية على السنة لدفع القيادات السنية للقبول بالشروط الشيعية للدخول في الحكومة مقابل وقف الشيعة عمليات العنف التي تُرتَكَب على مستوى الميليشيات والأفراد ضد التنظيمات والمؤسسات السنية، سواء السياسية أو الدينية أو حتى الاجتماعية.

 

- المبرر الرابع الذي يمكن تقديمه هو رغبة تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين في تحقيق المخطط الأساسي الذي أعلنه منذ أن جاء إلى العراق، وهو إشعال حرب أهلية بين السنة والشيعة من أجل إخراج المحتل من الأراضي العراقية، وإدخال العراق في حالة من الفوضى السياسية والأمنية تؤدِّي إلى إنهاك القوى المتصارعة، ما يجعل من السهل السيطرة على العراق وإعلانه منطقةً خاضعةً لنفوذ القاعدة مثلما كان الحال في أفغانستان تحت حكم حركة طالبان، وهو السيناريو الصعب التنفيذ؛ لعدم سماح القوى الإقليمية بوقوع مثل هذه الحرب في العراق لعددٍ من اعتباراتِ الأمن القومي الإقليمي، وإن كان يبقى احتمال تورط القاعدة قائمًا دون النظر إلى مدى احتمالية نجاح مخطط التنظيم.

 

الموقف السني

لكن بماذا ردَّ السنةُ على تلك الاعتداءات الشيعية المفرطة في العدوانية وعلى محاولات تقسيم البلاد؟

 

سار ردُّ السنة على طريقين، الأول هو رد فعل على المدى القصير يهدف إلى حقن دماء العراقيين سنةً وشيعةً، عن طريق إعطاء القيادات السياسية والدينية السنية الأوامرَ للأتباع بعدم التورط في عمليات ردِّ فعلٍ انتقامية قد تفاقم الحالة المتردية، ما يضع البلادَ على جرف الحرب الأهلية ويهدِّد بالانزلاق فيها، وهو ذات الطريق الذي يلجأ إليه القادة السنة في كل أعمال العنف التي تُرتَكب ضدهم في البلاد بدءًا من انتهاكات معتقل أبو غريب على يد الأمريكيين، مرورًا بعمليات الانتهاك التي مُورِست ضدهم في المعتقلات الخاضعة لوزارة الداخلية العراقية تحت قيادة الوزير بيان جبر صولاغ، بالإضافة إلى قضية "فرق الموت" التي تستهدف السُّنة بالخطف والقتل والسجن وهي الفِرق التي أكدت وجودَها بعضُ التحقيقات المستقلة.

 

الطريق الثاني الذي اتخذه السنة كان طريقًا سياسيًَّا يهدف إلى قلب الطاولة في وجوه من أرادوا الضغطَ على السنة بهذا العنف؛ حيث أعلنت جبهة التوافق العراقية السنية أنها علقت مشاركتها في الاجتماعات الخاصة بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة؛ احتجاجًا على هذا العنف غير المبرَّر ضد السنة ومؤسساتهم.

 

وبهذه الخطوة وضع السنةُ أنفسَهم في موقع الفعل لا رد الفعل؛ حيث سيضطر الشيعةُ إلى وقف العنف المُمَارَس ضد السنة والابتعاد عن استخدام هذه الورقة؛ نظرًا لأنها لم تؤدِّ إلى تحقيق الغرض منها وهو إدخال السنة تحت طائلة الضغوط الشيعية، ما يضمن دخولَهم الحكومةَ ولكن بشروط شيعية، وهو ما رفضه السنةُ واتخذوا قرارًا بمقاطعة المفاوضات الحكومية حتى يتم وقف العنف ضد السنة مستندين إلى حاجة كل الأطراف الدولية والإقليمية والداخلية إلى دخول القوى السنية في الحكومة لفشل الحكومة السابقة لعدم احتوائها على العنصر السني بصورة كبيرة.

 

الآفاق المستقبلية للأزمة

من المرجَّح ألا تستمر الأزمةُ الحالية؛ وذلك لأن المرجعياتِ الشيعيةَ سوف تعمل على احتواء الأزمة التي يبدو من الواضح أنها لا تسير في اتجاه مصلحة الشيعة؛ حيث إن تفاقم الأزمة معناه أن تمتد بعض الأيادي السنية إلى السلاح ولو على سبيل الدفاع عن النفس، وهو الحق الذي قد يراه البعض مشروعًا في إطار الظرف السياسي الراهن في العراق من طائفيةٍ واحتلال وقمع للأقلية السنية، وهو ما لا يصب أبدًا في مصلحة الشيعة، وبالتالي ستدعو المرجعيات الشيعية أتباعَها إلى وقف استهداف السُّنة، وهو ما سيجد صدى لدى الشيعة؛ نظرًا لأن آراءَ المرجعيات الشيعية مقدسةٌ لدى الأتباع.

 

كما أن عاملاً آخر سيساعد على التخفيف من حدة الأزمة وهو التزام السنة الصمتَ وعدم القيام بأي ردِّ فعل واللجوء إلى ميليشيات شيعيةٍ أخرى مثل جيش المهدي التابع للتيار الصدري لحماية المصالح السنية مخافةَ وقوع اشتباكاتٍ بين السنة والشيعة في حالة رفع السنة سلاحَهم للدفاع عن أنفسهم ومصالحهم، لذا فإن حمايةَ بعض الشيعةِ للمواقعِ السنية يضمن عدمَ مساس الشيعة الآخرين بها خشيةَ وقوع اقتتال شيعي داخلي لا يرضى الشيعةُ وقوعَه إلا في أشدِّ الظروف ضرورةً.

 

ويبقى أيضًا عامل جديد سيسهم في تهدئة الأمور في العراق، وهو العامل الإقليمي؛ حيث ستعمل القوى السنية الكبرى في المنطقة (مثل السعودية وكذلك السياسية المحايدة بين السنة والشيعة مثل مصر وتركيا إلى جانب القوة الشيعية الرئيسة وهي إيران) على تهدئة الأطراف المختلفة في النزاع، ما يضمن عودةَ الوضع إلى ما كان عليه قبل تفجير القبة الذهبية وما تلاها من أعمال عنف ضد السُّنة.

 

ولكن حتى يهدأ الوضع يستمر نزيف الدم السني المستمر منذ بدء الغزو الأمريكي للعراق في مارس من العام 2003م، تحت مسميات الاعتقال والعنف الطائفي في خطى كلها تهدف إلى إسكات الصوت السني في العراق والتمهيد إلى انفصال الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب وإخراج العراق من المعادلة الشرق أوسطية وإيجاد قواعد وبؤر استقطاب جديدة للتدخل الأجنبي في المنطقة العربية.