لعله من أبرز محددات أو مؤشرات قياس قوة الدول أو الكيانات الإقليمية- وفق مقاييس العلاقات الدولية والسياسة العالمية كما وضعها عددٌ من كبار أساتذة العلوم السياسية، مثل إدوارد عازار، ومحمود خيري عيسى، وغيرهما من الأكاديميين- هو الكيفيةُ التي تقوم بها القوى والكيانات الإقليمية والدولية الأخرى، أولاً بالتعامل مع الدولة أو الكيان الإقليمي المعني، وثانيًا تقييم هذه القوى لهذه الدولة أو هذا الكيان، ومن ثم ينعكس ذلك على السلوك الإقليمي والدولي إزاء الدولة أو الكيان محل النظر.
وفي حالةٍ مثل حالة عالمنا العربي يبرز فيها بوضوح مثل هذا المعيار، فمع حالة التراجع الحضاري وفقدان العرب- طواعيةً- لغالبيةِ عناصر القوة الشاملة وعلى رأسها الاقتصاد والقوة العسكرية والتنمية البشرية تراجعت كثيرًا مكانةُ العالمِ العربي في أجندةِ السياسةِ العالمية، وباتت درجةُ الاهتمامِ به تكادُ تقتصر على المصالحِ الغربيةِ فيه على مختلف المستوياتِ السياسيةِ والأمنية والعسكرية والاقتصادية، وتحوَّلت المنطقة العربية من فاعل إقليمي ودولي إلى هدف لغالبية القوى العظمى في عالمِ اليومِ، وأضحى التعاملُ مع المنطقةِ يتم فقط وفق أجندةِ أهداف ومصالح هذه القوى دون الالتفات إلى مصالح وأجندات العرب التي باتت متصارعةً أكثر من أي وقت آخر.
وفي السياق فإن أهمَّ المصالح التي باتت تحرك الغرب- والكيان الصهيوني بطبيعة الحال- في المنطقة العربية والشرق أوسطية المحيطة هي المصالحُ الاقتصاديةُ؛ حيث إن هذه النوعية من المصالح أو الأهداف تعتبر المفتاح الرئيس للتدخل والتأثير في توجهات وأهداف ومواقفِ شعوبِ المنطقةِ في ظل حالة الفقر والفاقة والبطالة.. إلخ التي تضرب بأطنابِها في صميمِ المجتمعاتِ العربية؛ حيث تُبذل الوعودُ الأمريكية والصهيونية حاليًا في سخاء لدعوة الشعوب العربية للقبول بالأجندةِ الأمريكية والصهيونية في المنطقة، والتي أبسط أهدافها تطبيعُ حالة الكيان الصهيوني في الشرق الأوسط وإعطاؤه وضعيةَ الدولة الرئيسة فيها، مع صيانة المصالح الأمريكية العامة في العالم العربي والإسلامي.
![]() |
|
مخطط صهيوني للسيطرة على الاقتصاد العربي |
1- قيام تنظيم القاعدة بتفجير أنبوب نفطي، بالإضافة إلى محاولة تفجير سيارتين مفخختين في مصفاة النفط الرئيسة بمدينة (أبقيق) بالمنطقةِ الشرقيةِ بالسعودية، حيث أكبر وأغنى آبار النفط في العالم، وطبيعة الاهتمام الأوروبي والأمريكي بهذه المسألة ومنطلقاته الاقتصادية المتعلِّقة بأسعار النفط التي زادت متوسطاتُها بنحو 3 دولارات بعد هذه الحادثة.
2- صفقة الموانئ الأمريكية- الإماراتية وسجالاتها السياسية أمنيًّا وحزبيًّا في الداخل الأمريكي، والتي تتعلق بالاتفاق الذي أبرمته الإدارةُ الأمريكية مؤخرًا مع شركة موانئ دبي العالميةِ لإدارة ستةِ موانئ بحرية أمريكية على المحيط الأطلنطي، وأدَّت هذه الصفقة إلى إثارةِ الكونجرس على الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن؛ لاعتباراتٍ تتعلق بخروج الأموالِ التي موَّلت أحداث 11 سبتمبر 2001م من البنوك الإماراتية، كذلك كانت الإمارات هي المحطةَ التي خرجت منها مجموعةٌ من العناصر التي قامت- طبقًا لادعاءات أجهزة المخابرات الأمريكية- بتنفيذ عمليات سبتمبر.
3- التطوير الذي أُدخِل مؤخرًا على "حالة" التطبيع المصري- الصهيوني على مستوى رجال الأعمال، وهو ما ليس حالةً فرديةً في الشأن المصري؛ حيث إن هذا الملف- التطبيع الاقتصادي- قد بدأ يأخذ منحى أوسع نطاقًا من ذي قبل على قوس ممتد من العراق شرقًا وحتى المغرب غربًا، وإن كانت مصر والأردن هما "الهدف الأكبر" أمام الكيان الصهيوني في هذه المرحلة.
وفي هذا السياق طالَعْنا تقريرًا اقتصاديًّا صدرَ أخيرًا يقول إن السفارةَ الصهيونيةَ في القاهرة قد وجَّهت دعواتٍ رسميةً إلى 40 من كبار رجال الأعمال المصريين للمشاركة في مؤتمر اقتصادي يُعقد بتل أبيب في مايو القادم، ويهدف بحث سبل تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الطرفين الصهيوني والمصري، وبخاصة لتعزيز التعاون الذي نشأ على إثر التوقيعِ على اتفاقيةِ المناطقِ الصناعية المؤهلة المعروفة باسم (الكويز) "QUZ" التي استغلها رجال الأعمال الصهاينة لإنشاء 20 شركة في مختلف المناطق الصناعية في مصر- وتحديدًا 123 مستثمرًا صهيونيًّا- وتفاديًا لإثارة الرأي العام المصري يقوم رجال الأعمال المصريون بإزالةِ علاماتِ المنشأة الصهيونية من البضائع التي تُستورد من هناك.
وفي هذا الإطار أشار تقريرٌ حديثٌ صدر مؤخرًا عن "معهد الصادرات (الإسرائيلي)" أن رجالَ الأعمالِ الصهاينةِ المتواجدين في مصر يركزون في تجارتهم على عددٍ من المجالات، ومن بينها صناعة المعدات الزراعية والطبية ومواد البناء وأجهزة الحاسب الآلي مع سعيهم لرفع حجم الصادرات الصهيونية إلى مصر إلى 250 مليون دولار العام القادم 2007م.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم توقيع العربية السعودية في أواخر العام الماضي على اتفاقية أو بروتوكول منظمة التجارة العالمية الذي يمنح السلعَ الصهيونية وضعيةً طبيعيةً في الأسواق السعودية؛ نظرًا لأن البروتوكول يمنع أية دولة "عضو" في المنظمة من مقاطعة أو حظر دخول سلع ومنتجات أية دولة أخرى "عضو" في المنظمة مثل الكيان الصهيوني.
أهداف محددة
ولعل أبرز الأهداف التي يمكن رصدها من وراء هذا التطويع الغربي والصهيوني للمنطقة العربية على مستوى الشأن الاقتصادي هو- كما سبق القول- محاولة ربط الدول العربية بحزمة من المصالح الاقتصادية الكبيرة في حجمها؛ بحيث لا يكون القرار السياسي لهذه البلدان حرًّا في مواجهة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والتحالف الغربي المسيحي- اليهودي، وبالتالي ضمان تحقيق المصالح الأمريكية والغربية العامة في المنطقة.
كذلك فإنه من الملاحظ أن الاتجاهَ العام لتطوير العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية من جهة والولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة أخرى يرتبط فقط بقطاعاتٍ غيرِ قادرة على تطوير الاقتصاديات العربية لتوائِم بشكل كافٍ خططَ التنميةِ والتشغيل المطلوبة في العالم العربي الذي هو- على سبيل المثال- بحاجة إلى توفير ملايين فرص العمل في السنوات القليلة القادمة لمواجهة "غول" البطالة الذي يعصف بالشباب العربي وطاقات الأمة؛ حيث قالت تقارير منظمتي العمل العربية والدولية إن هناك الآن نحو 24 مليون من الشباب العربي عاطلون عن العمل، بمعدل بطالة يتجاوز الـ21%، وهي معدلات تُعتبر الأسوأَ بين جميع مناطقِ العالم، وأقرب المعدلات سوءًا في أفريقيا جنوب الصحراء 14.4%؛ مما يعني أن العرب بحلول عام 2010م سيعانون من معدلات بطالة تصل إلى 25 مليون شاب، وهو ما يفرض إنفاق 70 مليار دولار خلال الفترة القادمة لاستحداث 5 ملايين فرصة عمل جديدة لمجرد تثبيت هذه المعدلات.
وبوجه عام نجد أن قطاعاتِ التجارةِ والخدمات هي المسيطرةُ على التعاونِ الاقتصادي بين العرب والغرب بعيدًا عن قطاعات التصنيع الثقيل أو الصناعات الإستراتيجية الأخرى اللازمة لعملية تنمية شاملة تعالج الأمراض الاجتماعية والاقتصادية الموجودة في البلدان العربية، مع كون الطرق التي يتم بها التعاون الاقتصادي العربي- الأمريكي الصهيوني تمنع من ظهور رءوس الأموال الوطنية خاصةً في المجالات الصناعية (البتروكيماويات، والحديد والصلب، والتعدين).
ومن هنا مثلاً فإن اتفاقات الشراكة الاقتصادية ما بين العالم العربي والاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة تكون غالبًا اتفاقاتٍ تجاريةً، وتنص هذه الاتفاقيات في مجملها العام على جعل الأسواق مفتوحةً بين الطرفين، وتكون بالطبع الأولوية فيها للسلع الغربية الأجود والأرخص سعرًا من مثيلاتها العربية، كما أن العرب يوافقون غالبًا على اتفاقاتِ شراكةٍ تجاريةٍ مع الاتحاد الأوروبي بالذات، يكون من بينها بنودٌ حمائية أوروبية لبعض السلع حرصًا من الأوروبيين على مصالح المنتج الوطني والعاملين فيه وأصحاب رءوس الأموال الوطنية، ومع زيادة مساحة الاشتراطات الموضوعة لقبول السلع العربية وربط اتفاقيات تأسيس المناطق الاقتصادية الحرة مع الولايات المتحدة بعدد من الشروط السياسية ترتبط غالبًا بالتطبيع مع الكيان الصهيوني والإصلاح السياسي.
وأبرز نماذج هذه الاتفاقيات اتفاقية الكويز بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وكل من مصر- 2004م- والأردن- 1997م- واتفاقيات التجارة الحرة الأمريكية مع كل من البحرين والأردن والمغرب.
واقتصاديًّا أيضًا تتضمن شروط مناطق التجارة الحرة بين العرب والولايات المتحدة نقطتين أساسيتين: الأولى هي ضرورة مُضِيِّ الدول العربية في خصخصة القطاع العام، والثانية حق رأس المال الأمريكي والصهيوني في العمل بحرية في مثل هذه المناطق.
وبوجهٍ عام هذه القطاعات- كالسياحة والتجارة والخدمات الأخرى كالنقل البحري- يسهل انهيارُها مع أول اضطراب سياسي أو أمني في البلد المعني أو حتى بتعليماتٍ من الدولةِ الأم مع سهولةِ هروبِ الاستثماراتِ الأجنبيةِ العاملةِ فيها؛ لأنها لا تكون مرتبطةً بمقدرات عمل على الأرض- آلات أو أبنية تصعِّب من عملية تفكيكها- طبقًا لقاعدة اقتصادية راسخة تقول بأن "رأس المال جبان".
ومع ربط الاقتصاديات العربية بنظيرتها الأوروبية والأمريكية ووضع شروطٍ تمزج الصهاينةَ في هذا الإطار ومع هشاشة الاقتصاديات العربية واعتمادها على صادرات المواد الخام (دولة مثل الجزائر تملك كل مقدرات القوى البشرية والاقتصادية 99% من صادراتها من البترول والغاز الطبيعي الخام) وإتاحة المجال للحكومات الأمريكية والصهيونية للسيطرةِ على الاقتصاديات العربية بأدوات مثل المعونات والاستثمارات الأجنبية وإحكام القبضة عليها فإن هذه الاقتصاديات ستُوجَّه كما يرمي الغرب وبما يخدم مصالحَه الاقتصاديةَ والسياسيةَ والأمنيةَ في المنطقة، وهي:
أولاً: على المستوى الاقتصادي
1- ضرب معدلات التنميةِ الشاملةِ في العالم العربي وعرقلتُها؛ مما يخلق مشكلاتٍ سياسيةً واجتماعيةً داخليةً تعوق التطورَ الحضاري الشامل للبلدان العربية.
2- تعطيل رءوس الأموال الوطنية عن القيام بدورها، مع عدم استطاعة رجالِ الأعمالِ الوطنيين من رافضي الوجود الصهيوني التماهي مع اشتراطاتِ الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية التي تعقدها الحكومات في مصر والعالم العربي مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والاتحاد الأوروبي، ومن بينها- كما سبق القول- حرية حركة رجال الأعمال ورءوس الأموال الصهيونية، كما أن تخلِّي الحكومات العربية عن رءوس الأموال الوطنية الصغيرة وعن حمايتها في بدايات عملها لا يتيح لرجالِ الأعمال الوطنيين النموَّ والتقدمَ، ومن ثم المنافسة لا سيما مع أفضلية ما يقدمه الأمريكيون بالذات في هذه المجالات؛ ولذلك تكثر حالات إعلان الإفلاس وإغلاق المؤسسات التجارية والصناعية حتى على مستوى أكبر الاقتصادات العربية حجمًا، وهما الاقتصادان المصري والسعودي.
3- توجيه الاقتصادات العربية ناحية القطاعات التي تخدم المصالحَ الاقتصاديةَ الصهيونيةَ والأمريكية، فيتم مثلاً بموجبِ اتفاقيةِ الكويز المصرية تدعيمُ قطاع صناعة النسيج والملابس المصرية لكي تستوعبَ الصادراتِ الصهيونيةَ من الإكسسوارات وغيرها، بما يبلغ قيمته ما بين 100 إلى 200 مليون دولار سنويًّا، كذلك الحال مع الاقتصاد المغربي والأردني والاقتصاديات الخليجية التي وجهت، بحيث تعتمد على المنتجات الاستهلاكية كالأغذية والمشروبات ومستحضرات التجميل؛ لتكون بذلك أكبرَ سوق في العالم للمنتجات الغربية والصينية.
كما تم توجيه الاقتصاد المصري ليكون أكبر منتج للكهرباء والغاز الطبيعي في المشرق العربي لخدمة الكيان الصهيوني بالأساس؛ حيث تمَّ التوقيعُ على اتفاقيةٍ لتصدير الغاز الطبيعي المصري للكيان بقيمة وصلت إلى ثلاثة مليارات من الدولارات مع وضع خريطةٍ مستقبليةٍ لإدراج الكيان الصهيوني ضمن خط الربط الكهربائي الدولي الذي يبدأ من المغرب، ويمتد حتى تركيا؛ حيث إن الكيان الصهيوني خارج نطاقِ تغطية هذا الخط- الذي تحتل مصر فيه موضعًا متميزًا ومركزيًّا- ولكن بشكل مؤقت لحين إتمام ترتيبات التسوية العربية- الصهيونية.
4- السيطرة على القطاعات الاقتصادية الأهم في العالم العربي مثل الطاقة والغزل والنسيج والنقل والخدمات السياحية والحالة الأبرز هنا هي الحالة المصرية بموجب اتفاقياتِ الكويزِ والغاز الطبيعي.
5- ربط الاقتصاديات العربية بالاقتصاد العالمي الذي تسيطر عليه رءوس الأموال اليهودية (مجموعات مثل ميردوخ وسوروس وتايم ورانر ومترو جولدن ماير وجنرال موتورز أو ما يعرف باسم التايكونات "Tycoons" أو الكومبرادورات "Compradors" تسيطر على أكثر من نصف حركة الاقتصاد العالمي في مجالات صناعة الإعلام والترفيه وصناعة السيارات والاتصالات وكلها رءوس أموال يهودية) تضمن تماهي العرب مع المصالح الاقتصادية الغربية في المنطقة، وعلى رأسها النفط، وحرية الملاحة الجوية والبحرية، وحماية خطوط التجارة العالمية، وحرية تدفق الأموال والاستثمارات.
ثانيًا: على المستوى السياسي
1- ضرب مشروعات التكامل الاقتصادي العربية، وهو هدف سياسي بامتياز؛ إذ إنه يباعد كثيرًا بين العرب ومشروع التكامل الإقليمي كأحد أهم خطوات الوحدة العربية والتي تعتبر بدايةً لوحدةٍ إسلاميةٍ شاملة، كما أكد الإمام الشهيد المؤسس حسن البنا رحمه الله.. فعلى سبيل المثال أثَّرت مثل هذه الاتفاقيات المُشَار إليها على حرية انسياب السلع العربية فيما بين الدول العربية وخاصةً مع تطبيق اتفاقية التجارة الحرة العربية الكبرى التي تم البدء في تطبيق مراحلها الأولى في الأول من يناير من العام الماضي 2005م، والتي حررت أغلب السلع العربية المنشأة من قيود الحصر والمنع والتقييد وأعفتها من الرسوم الجمركية.
2- تطبيع وضعيةِ الكيانِ الصهيوني في المنطقة وإعطاؤه وضعيةَ الدولة الرئيسة؛ لأن إضعاف الاقتصاديات العربية وتمكين الصهاينة والإدارة الأمريكية من مقدرات العملية التنموية في البلدان العربية معناه تحييد نسبةٍ كبيرةٍ من عناصر القوة الشاملة التي تمتلكها القوى العربية الرئيسة، مثل مصر والعربية السعودية والعراق بطبيعة الحال.
3- تحسين مستوى سيطرة الغرب على القرار السياسي العربي، وبالتالي سهولةِ توجيهه خاصةً بعدما ارتبطت السيطرةُ الاقتصاديةُ الأمريكيةُ والصهيونيةُ على المنطقة العربية بقواعدَ عسكريةٍ ومحطات استخباراتٍ في مناطقَ عديدةٍ من العالم العربي؛ ولعل أهم هذه المحطات موجودة في الأردن والعراق وقطر والكويت، كما أن هناك ما يقرب من 140 ألف جندي أمريكي في العراق وعشرات الآلاف الآخرين المنتشرين في مياه الخليج العربي والبحر المتوسط وسواحلهما بجانب القوات البريطانية والغربية الأخرى الموجودة في العراق وما حوله.
وقد سهَّلت هذه الأمور من فرضِ السياساتِ الأمريكيةِ في المنطقةِ العربية والأوسطيةِ، وبالتالي تحقيق الأجندة الصهيونية بما وصل إلى حد احتلال العراق والتهديد بشنِّ حربٍ على كل من سوريا وإيران لاعتبارات تتعلق بالأمن القومي الصهيوني والمشروعات الصهيونية في المنطقة.
ومن هنا يمكن مثلاً فهم الجولة الأخيرة لوزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس، وما طرحته فيها حول قضية الإصلاح السياسي في الشرق الأوسط واجتماعها مع عددٍ من رموز المعارضةِ المصريةِ وطرحِها عددًا من الأمور ذات الحساسية بالنسبة للنظام المصري الحاكم دون أن تخشى معارضةً قويةً منه بشكل استفزَّ الخارجيةَ المصريةَ ووضح في تصريحاتها خلال زيارة رايس الأخيرة وبالذات عن العلاقات المصرية- الأمريكية.
حيث وجَّهت رايس انتقاداتٍ لبطء مسيرة الإصلاح في مصر، وقالت إنها تعرضت للعديد من الانتكاسات، مركِّزةً على اعتقال الدكتور أيمن نور، وتأجيل الانتخابات المحلية المصرية لمدة عامين بدلاً من إجرائها في الموعد المحدد له في أبريل القادم؛ حيث اعتبر الأمريكيون ذلك التأجيلَ "تراجعًا من جانب النظام المصري عن وعوده بدعم الديمقراطية" وهو ما يخلو على كل حال من أية لباقةٍ دبلوماسية مفترضة.
وهذا الموقف بكل تأكيد لم يكن ليصدر عن رايس أو غيرها من المسئولين الأمريكيين أو الصهاينة المتبجِّحين لو لم يكن العرب يدينون بـ"لقمة عيشهم" للأمريكيين ورجال الأعمال الصهاينة!!
---------
* باحث ومحلل سياسي.
