كتب- أحمد التلاوي

تشهد العاصمة اللبنانية "بيروت" حاليًا جلساتِ ما يُعرف باسم مؤتمر الحوار الوطني اللبناني في مقر مجلس النواب اللبناني، بمشاركة أكثر من 14 من أبرز الشخصيات السياسية المسلمة والمسيحية في لبنان من ممثلي مختلف الأحزاب والطوائف اللبنانية الممثلة في مجلس النواب اللبناني بأربعة مقاعد أو أكثر، بحسب المعايير التي وضعها أصحاب الدعوة، وعلى رأسهم رئيس المجلس نبيه بري زعيم حركة أمل الشيعية.

 

وتبعًا لذلك فإن هناك العديد من الأطراف والأحزاب السياسية اللبنانية المؤيدة لسوريا قد استُبعدت من هذا المحفل السياسي الذي يُعتبر الأهمَّ والأكبرَ من نوعه بدون رعاية أو تدخل أجنبي "مباشر" منذ اجتماعات الطائف التي أنهت في العام 1989م الحربَ الأهلية اللبنانية التي استمرت 15 عامًا (1975م- 1989م) ومن بين هذه القوى الغائبة حزب البعث العربي الاشتراكي اللبناني- أو الفرع اللبناني لـ"البعث"- وكذلك الحزب السوري القومي الاجتماعي وهو حزب سياسي لبناني يحمل هذا الاسم.

 

وتجيء الدعوة إلى هذا الاجتماع في أجواء الذكرى الأولى لاغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وفي أجواء من تنامي الضغوط السياسية على كلٍّ من سوريا وحلفائها في الداخل اللبناني، وعلى رأسهم حزب الله بزعامة حسن نصر الله، ومن المقرر أن تستمر فعاليات المؤتمر ما بين أسبوع وعشرة أيام بحسب ما يستطيع المشاركون فيه أن يتوصلوا لاتفاق حول المحاور الرئيسة للمؤتمر.

 

ومن أهم المشاركين في المؤتمر بجانب "بري"، رئيس الوزراء الدكتور فؤاد السنيورة والأمين العام لحزب الله اللبناني السيد حسن نصر الله ورئيس الحزب الاشتراكي التقدمي وليد جنبلاط، الذي غادَر المؤتمر في يومه الثاني متوجِّهًا إلى الولايات المتحدة، تاركًا تمثيل الحزب والدروز الذين يتزعمهم جنبلاط لمساعديه المقربين، ومن بينهم وزير الإعلام غازي العريضي؛ حيث سيُجري جنبلاط محادثاتٍ مع كل من الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان ووزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس، كما سوف يلقي محاضراتٍ عن تطورات الأوضاع العامة في الشرق الأوسط، وبجانب هؤلاء يحضر المؤتمر كل من النائب سعد الحريري ممثل الغالبية النيابية (كتلة المستقبل التي يتزعمها الحريري الابن)، وزعيم التيار الوطني الحر وأكبر تكتل نيابي مسيحي العماد ميشيل عون، وزعيم الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية المحظورة الدكتور سمير جعجع.

 

وإلى جانب هؤلاء هناك الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل ممثلاً لحزب الكتائب اللبنانية المسيحي الماروني، والنائب الماروني بطرس حرب ممثلاً للقاء قرنة شهوان، الذي كان يمثل المعارضة المسيحية اللبنانية في السابق قبل تشكيل "تجمع قوى 14 آذار" في العام 2005م والذي شُكِّل بعد اغتيال رفيق الحريري لمعارضة الوجود السوري في لبنان، وحمل القوات السورية عن الرحيل عن لبنان، وتنحية الرئيس الحالي إميل لحود- الذي لم يحضر المؤتمر الحالي- وتحقيق دولي في اغتيال الحريري، وذلك إضافة إلى ممثلين عن الأحزاب الأرثوذكسية وباقي الطوائف والأحزاب السياسية اللبنانية الممثلة بأربعة مقاعد أو أكثر في المجلس النيابي كما سبق القول.

 

ويعتمد المؤتمر أجندةً محددةَ الملامح، تندرج في ذات السياق الذي جاءت فيه وثيقة عون- نصر الله الأخيرة بعد الاجتماع التاريخي بين الغريمين التقليديين في لبنان، وهي:

 

1- قبول خيار المحكمة الدولية في حادثة اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وما تلاها من اعتداءات- سيُشار لبعضها لاحقًا- وتوسيع مهام لجنة التحقيق الدولية في هذه القضية والتي يرأسها حاليًا القاضي البلجيكي سيرج براميرتز.

 

2- تنفيذ القرار الدولي رقم 1559 الصادر في سبتمبر من العام 2004م في أعقاب أزمة تعديل المادة رقم 43 من الدستور اللبناني التي جدَّد بمقتضاها للرئيس لحود وما تلا ذلك من تطورات، ولعل أهم ما نص عليه هذا القرار هو نزع "سلاح الميليشيات" في لبنان، في إشارة إلى سلاح حزب الله والمقاومة الفلسطينية في لبنان.

 

3- البند الثالث من بنود المؤتمر مشتقٌّ أيضًا من القرار سالف الذكر، وهو المتعلق بالمصير السياسي للرئيس إميل لحود؛ حيث دعا القرار إلى إجراء انتخابات رئاسية في لبنان بدون ما أسماه بـ"التدخل الأجنبي"، ومن هنا يرغب معارضو سوريا في لبنان في عزل لحود وإجراء انتخابات رئاسية جديدة في البلاد.

 

4- البند الرابع في أجندة المؤتمر هو ذلك المتعلق بالعلاقات اللبنانية- السورية التي ترغب الأقلية النيابية اللبنانية في جعلها علاقاتٍ بين أكفاء وليست علاقاتٍ تبعيةً على النحو الذي ساد في السنوات الماضية.

 

5- أما فيما يتعلق بالشأن الصهيوني فإن المؤتمر وضَع على أجندته مسألة لبنانية مزارع شبعا المحتلة وكفار شوبا وسبل إطلاق سراح المعتقلين اللبنانيين في السجون الصهيونية- ومن بينهم قيادي حزب الله سمير القنطار- ووقف الاعتداءات الصهيونية على الأجواء اللبنانية، وفي هذا الصدد يعود أيضًا ملف سلاح حزب الله إلى الظهور؛ حيث ترغب الحكومة اللبنانية في حل المشكلة حول المزارع المحتلة مع الكيان الصهيوني بالطرق الدبلوماسية السلمية.

 

وفي هذا الشأن فإن هناك ادعاءاتٍ صهيونيةً وكذلك من الأمم المتحدة بأن المزارع سورية، وبالتالي فإن الانسحاب الصهيوني منها لا يندرجُ تحت بند القرار 425 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في العام 1978م في أعقاب الاجتياحِ الصهيوني الأول للجنوب اللبناني والذي انسحبت بموجبه قواتُ الاحتلال الصهيوني من الجنوب في مايو 2000م، وتقول الحكومةُ الصهيونيةُ إن أي انسحابٍ من مزارع شبعا لن يكون سوى في إطار تسويةٍ سياسيةٍ شاملةٍ مع سوريا؛ باعتبار أن المزارعَ جرى احتلالها في العام 1967م.

 

أزمة سياسية وأمنية

ينعقد هذا المؤتمر في إطار أجواء من الأزمة الشاملة التي طالت مختلفَ مفاصلِ الحياة السياسية والدستورية وكذلك الأمنية في لبنان.

 

فمبدئيًّا وكأنما هو عنوان عام للأوضاع الغائمة في لبنان انفجرت صباحَ الخميسِ الماضي- أول أيام المؤتمر- عبوةٌ ناسفةٌ في إحدى المحاكم الواقعة بميناء جونيه بالعاصمة اللبنانية "بيروت"، وقد أحدثت هذه القنبلة الصغيرة أضرارًا ماديةً في المكان لكن من دون إيقاع إصابات بشرية، إلا أن تأثيرها النفسي كان كبيرًا على المجتمعين في المؤتمر وفي الأوساط السياسية والشعبية اللبنانية؛ حيث بدا التفجير وكأنه نذيرٌ "خفيٌّ" باستمرار تهديد الاستقرار في لبنان بعد التهديدات الأخيرة بالعودة إلى لغة السلاح لحل مشكلات الداخل اللبناني، أو وجود "طرف ما"- وهو غالبًا مرتبط بدمشق وأجهزتها الأمنية والسياسية وبقايا وجودها في لبنان- يقول إن سوريا لا تزال موجودةً ولها إمكانية الفعل.

 

وهذه القنبلة ليست حدثًا فريدًا من نوعه، بل هي تجيء كآخر- وقتيًّا كما يبدو وليس كنهايةٍ أكيدًا- لسلسلة من التفجيرات والاغتيالات التي طالت عددًا من الأماكن والشخصيات المسيحية والمعارضة للوجود السوري في لبنان، بدأت بمحاولة اغتيال النائب والوزير السابق مروان حمادة، ولم تنتهِ بتفجير جونيه مرورًا باغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري وتفجيرات الكسليك واغتيال جبران تويني، ومن قبل سمير قصير، ومحاولة اغتيال مي شدياق، وغير ذلك من الاضطرابات الأمنية التي يشهدها لبنان منذ نحو العام ونصف العام، وتتهم أطرافٌ لبنانيةٌ وأمريكيةٌ وغربيةٌ أخرى دمشق وأعوانًا آخرين مفترضين لها في لبنان بالوقوف وراءها، وربما كان هذا صحيحًا، وربما كان وراءه أعداءُ سوريا ممن يسعَون للمزيد من التوريط لدمشق في لبنان أو في الملف اللبناني لإلقاء المزيد من الحَطَب في نار العلاقات السورية- الغربية مثل الكيان الصهيوني وهو الاحتمال الأغلب.

 

أما الأزمة الأهم فهي تلك الأزمة السياسية والدستورية الضاربة بأطنابها في الداخل اللبناني والمتمحورة بالأساس في مسألة الخلاف القائم بين الفرقاء وحتى المتحالفين اللبنانيين حول مسألة أو مطالب بعض القوى السياسية اللبنانية بتنحية الرئيس إميل لحود عن منصبه وإجراء انتخابات رئاسية جديدة في البلاد لاختيار رئيس جديد للدولة، وهنا يبدو ميشيل عون وسمير جعجع الشخصيتين الأكثر قربًا من خلافة لحود.

 

وتُعتبر قضية الخلافة السياسية في لبنان هي القضية الأهم في "المجادلات" أو السِّجَالات السياسية الحالية في لبنان، بل إنها هي التي بدأت هذه الأزمة كلها، والتي بلغت ذروتها في حادثةِ اغتيال الحريري؛ حيث لم تجد دمشق- إبان سطوتها ووجودها في لبنان في عام الانتخابات الرئاسية الماضية 2004م- شخصيةً مارونيةً مواليةً لها بخلاف الرئيس إميل لحود، الذي كان الدستور اللبناني يمنعه من تولي الرئاسة لفترتين، فجرى الضغط على المجلس النيابي اللبناني لتمرير تعديل دستوري يخوِّل للحود التجديد لثلاث سنوات، وهو ما كان الحريري يرفضه وكانت الأزمةُ التي تفاعلتْ في صيف وخريف العام 2004م والتي اغتيل على إثرها الحريري في فبراير 2005م.

 

وتتباين بشدة مواقف وآراء الأطراف السياسية اللبنانية من هذه المسألة، فحتى تيار "عون" لا يوافق على مجرد تنحي لحود، على خلاف رغبة تياري "المستقبل" و"جنبلاط" اللذين يرغبان في تنحٍ فوريٍّ وغير مشروط لـ"لحود"، فـ"عون"، و"نصر الله" معه يَرَيا ضرورة الاتفاق على بديل أو خليفة للحود وبديل لبرنامجه السياسي قبل الموافقة على تنحيته.

 

شبه إجماع داخلي على التنحي

والحقيقة أنه بخلاف موقف حزب الله "شبه المعارض" لمطالب التنحي ويرى أنها إن نجحت فسوف تكون بمثابة "انقلاب أبيض" فإن غالبية الأطراف السياسية والمرجعيات الدينية اللبنانية ترى وجوب تنحي لحود كرمز أخير لحقبة مضت من تاريخ لبنان يرغب الغالبيةُ في لبنان في طيِّها بعد إتمام الانسحاب السوري من البلاد.

 

أما سمير جعجع والكنيسة المارونية وميشيل عون وكذلك قوى 14 آذار وحزب الكتائب وكتلة المستقبل السنية فإنها جميعها ترغب في تنحية لحود.

 

وقد جاء الموقف الرافض للكنيسة المارونية اللبنانية ممثلاً في اتجاهين: الأول ممثلٌ في مجلس المطارنة الموارنة في لبنان الذي قال في بيان صادر عنه في الأول من مارس الحالي في ختام الاجتماع الشهري للمجمع إن "الوضع العام في لبنان لا يوحي بالطمأنينة، وفي هذه الحالة يبقى فخامة الرئيس هو الحكم ليرى ما إذا كان بقاؤه أو اعتزاله يفيد البلد أم يسيء إلى مصالحه، وعليه أن يتحمل مسئوليته أمام الله والتاريخ" وشدَّد المجلس على أن انقسام اللبنانيين حول هذه المسألة إنما هو في غير صالح الوطن اللبناني؛ حيث يعطل الكثير من المؤسسات الرسمية ويهدد الوحدة الوطنية في البلاد؛ مما يتطلب من لحود دراسة هذه الأمور جيدًا.

 

أما المستوى الثاني فقد عبَّر عنه رأس الكنيسة المارونية في لبنان وهو الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير قبل حتى الاجتماع الشهري للمجلس، وقال صفير في 21 من فبراير الماضي- في أعقاب لقاء له مع ميشيل عون-: "إن الرئيس يجب أن يشرف على مقادير البلاد بكاملها وأن يوجِّه الأمور، إذا لم يعد باستطاعته أن يوجه الأمور يكون منصبه قد أصبح تقريبًا خاليًا، ونرى أن هناك قوى دوليةً لم تعد تعترفُ به وأصبح مهمَّشًا فالاستنتاج يصبح معروفًا" وكانت هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الكاردينال صفير عن الإطاحة بلحود دون تحديد بديل له بخلاف موقفه السابق.

 

وقد جاء موقف "صفير" هذا بعد يوم واحد من إعلان "جعجع" عن الموقف الذي تبنته الأغلبية النيابية اللبنانية والداعي إلى تنحية لحود بأي ثمن في إطار أجواء الاحتفالات بالذكرى الأولى لاغتيال رفيق الحريري.

 

وقد تواءمت شرائح عديدة من الرأي العام اللبناني مع هذه المطالب، فخرجت المظاهرات الرامية لحمل لحود على الاستقالة، وقام الائتلاف اللبناني المعارض لسوريا بإقامة خيمة مؤقتة في ميدان بقلب إحدى الضواحي المسيحية بالعاصمة اللبنانية "بيروت" لمواصلة حملته لجمع مليون توقيع على عريضة تطالب بخلع الرئيس لحود، ومع "تدافع" القوى السياسية اللبنانية وشرائح عريضة من الرأي العام في لبنان للضغط بهذا الاتجاه حذرت بعض الرموز السياسية حتى من بين الداعين لإسقاط لحود مثل نصر الله صفير من مغبة اللجوء للعنف لإحداث ذلك.

 

أدوار دولية

وبطبيعة الحال لم يكن الظل الدولي غائبًا عن هذه الأزمة، وهو ما أكدته مصادر صحفية وسياسية لبنانية وسورية، فرئاسة الجمهورية في لبنان أكدت أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك يشرف على فريق عمل يدعم القوى المعارضة للحود في لبنان.

 

وقبل فترة نقلت إخبارية (الجزيرة) الفضائية عن مصادر في القصر الرئاسي اللبناني قولها: إن شيراك "شكَّل فريقَ أزمةٍ لتنفيذ خطة تحرك عاجلة لإسقاط رئيس الجمهورية إميل لحود في مهلة أقصاها بداية مايو المقبل"، وقالت (الجزيرة): "إن تلك المصادر تتهم الرئيس الفرنسي بالإشراف المباشر على فريق العمل الذي شكَّله للتنسيق مع قوى 14 آذار في التصعيد سياسيًّا وأمنيًّا؛ بهدف إحداث انقلاب على الدستور واتفاق الطائف، والعمل على إسقاط رئيس الجمهورية قبل نهاية ولايته الدستورية يوم 24 من نوفمبر 2007م، وتتعلق هذه الإجراءات بتنظيم مظاهراتٍ شعبيةٍ لمحاصرة القصر الجمهوري ومطالبة القطاعات الاقتصادية بالقيام بتحرك ما، وكذلك إعداد استطلاعات رأي تُظهر أن اللبنانيين يعارضون بقاء لحود في السلطة واستغلال هذه الاستطلاعات على مستوى عالمي".

 

أما السوريون فقد اتهموا السفير الأمريكي في لبنان "جيفري فيلتمان" بقيادة مجموعة من عناصر الاستخبارات الصهيونية- وقوامها 200 عنصر متمركزة في بيروت لتدعيم جهود الإطاحة بلحود؛ وذلك طبقًا لما ذكرته صحيفة (تشرين) السورية الرسمية في عددها الصادر في العشرين من فبراير المنصرم.

 

معارضةٌ منقسمةٌ على نفسها، وأزمةٌ سياسيةٌ وأمنيةٌ، وانفلاتٌ شعبيٌّ، ووطنٌ طائفيٌّ ممزقٌ.. هذه هي صورة لبنان حاليًا، ولا أحدَ يعلم مستقبله الغامض!! وهو بالطبع ما ينعكس سلبًا على الأمن القومي العربي ولكن لا أحد- أيضًا- يعبأ بذلك!!