كتب- رضا عبد الودود
البعد الشعبي في زيارة الرئيس الأمريكي جورج بوش مثَّل إحباطًا كبيرًا للإدارة الأمريكية؛ إذ أجمعت كافة شعوب العالم على الموقف الرافض للتواجد الأمريكي بأي صورة كانت.. سواءٌ كانت دعمًا أو تعاونًا أو زياراتٍ دبلوماسية.
وقدَّمت زيارة الرئيس الأمريكي الأخيرة لجنوب آسيا- والتي شملت أفغانستان والهند وباكستان- دليلاً مؤكدًا على الرفض الشعبي للأمركة التي يقودها بوش عالميًّا، ففي أفغانستان خرجت الجماهير مندِّدةً بسياسات بوش العدوانية، بالرغم من هبوطه المفاجئ على قاعدةِ باجرام الأمريكية ولأول مرة، وفي الهند خرج الشارع الهندي عن بكرة أبيه.. إسلاميين وشيوعيين ويساريين وعمالاً.. مندِّدين بزيارة بوش ورافعين شعار "بوش.. عُدْ من حيث أتيت".
وفي باكستان كان الاستقبال مختلفًا ومتناقضًا في نفس الوقت، ففي الوقت الذي استقبل الشعب الباكستاني بوش بالمظاهرات وبتفجيرٍ استهدف القنصليةَ الأمريكيةَ وراح ضحيته أربعةٌ من ضمنهم أمريكي.. شنَّت القوات الباكستانية هجومًا عنيفًا على المناطق الحدودية بينها وبين أفغانستان، مستهدفةً تجمعًا سكنيًّا قالت إن أفرادًا للقاعدة يخططون لشنِّ هجوم بالصواريخ منه على الرئيس بوش مخلِّفةً نحو 40 قتيلاً وجريحًا!!
ولعل هذا الرفض الشعبي يمثِّل عقبةً كئودًا أمام جهود (الدمقرطة) الأمريكية التي تمثِّل آليةَ اختراق فاعلةً للإدارة الأمريكية والمنزلقين في علاقات التبعية السياسية للأمريكان من حكام العالم، وتتوجَّب إعادة النظر في كثير من المواقف والسياسات إزاء التفاعلات السياسية والتجليات الأمريكية في مجمل العلاقات الدولية.
زيارة أفغانستان معنوية
وجاءت زيارة الرئيس الأمريكي لكابول من باب رفع الروح المعنويةِ للقوات الأمريكيةِ في أفغانستان التي تُعانِي حالةً من اليأسِ والإحباطِ بعد عددٍ كبير من العمليات العسكريةِ التي نفَّذتها حركةُ طالبان ضد القوات الأمريكية والقوات الحكومية؛ مما دفع الرئيس قرضاي نفسه للإعلان عن تفكيره الجادِّ لتفعيل المفاوضات والاتصالات مع حركة طالبان بعد فشل جهوده وجهود الأمريكان في إعادة الأمن والاستقرار للبلاد، وقد جاءت تطمينات بوش للرئيس قرضاي خلال المؤتمر الصحفي ليعلن عن استمرار الجهود العسكرية حتى القضاء على كافة الإرهابيين في أفغانستان؛ ليقطع الطريقَ على قرضاي نحو التصالحِ الداخلي مع قوى المجتمع الأفغاني، ولم ينسَ بوش كعادتِه مع الحكام المنبطحين لإدارته أن يشيدَ بجهودِ قرضاي في كبحِ جماحِ الإرهاب.
الهند قبلة بوش الأساسية
وعلى الرغم من حجم التظاهرات الشعبية التي قُدِّرت بثلاثمائة ألف معارض لوجود بوش في الهند- والذي أدمى قلوبَ المسلمين بحربِه الصليبيةِ على الإسلام والمسلمين كما أدمى قلوبَ الفقراءِ الهنودِ بـ"بلطجته" وإدارته اقتصاديًّا وسيطرة شركاته الرأسمالية على تجارة العالم ليزيد الفقراء فقرًا والأغنياء توحشًا وثراءً- جاءت زيارة بوش ووزيرة خارجيته للهند كعلامةٍ فارقة في مسار العلاقاتِ الأمريكيةِ الهنديةِ والآسيويةِ عمومًا؛ حيث استهدف بوش خلال زياراته التأكيدَ على عددٍ من المعاني السياسيةِ واصطيادِ أكثرَ من عصفورٍ بزيارة هندية واحدة؛ حيث أكد خلال زياراته للهند على أن النظام الهندي الديمقراطي لا بد من تعميمِه في الدول الإسلامية، بإشارته إلى أن الهند رغم وجود عددٍ كبير من سكانها من المسلمين ومع ذلك لا يوجد بها تنظيم للقاعدة أو المتطرفين.. بحسب تصريحاته، مُبديًا إعجابَه بالتجربةِ الديمقراطيةِ في الهندِ غاضًّا الطرفَ عما يحدث من انتهاكاتٍ بحق المسلمين وجميع الطوائف الدينية المخالفة للهندوس.
كما تمحورت زيارة بوش حول أهداف إستراتيجية في عمق الجنوب الآسيوي؛ حيث أكد بوش- خلال مباحثاتِه- على أن بلادَه لن تسمح بامتلاك إيران قنبلةً نوويةً تهدِّد بها العالمَ، وحاول بوش إقناعَ الهندِ بوقفِ الدعم السياسي والتعاون التكنولوجي والاقتصادي مع إيران، وترى واشنطن في الهند- أكبر ديمقراطية في العالم- ثقلاً مضادًّا للصين في آسيا وسوقًا ضخمًا يجب عدم إضاعتها، في حين تشكِّل الولايات المتحدة بالنسبة إلى نيودلهي مفتاحَ اعترافٍ على الساحة الدولية.
اتفاق نووي
وفي إطار استغلال الهند لموقعها الإستراتيجي ووضعها في جنوب آسيا بجوار عددٍ من الملفَّات الأمريكيةِ الملتهبةِ في إيران وأفغانستان.. سعت الهند إلى استكمال صفقةٍ نووية مع الولايات المتحدة لدعم الطاقة والتكنولوجيا النووية السلمية لديها، في حين سعى بوش لتجديد الدعم الهندي للحملة الدبلوماسية على إيران والتي تهدف إلى وقف برنامجها لتخصيب اليورانيوم، وحضها على تهديد إيران بخفض حجم التبادل الاقتصادي والنفطي معها.
وبالفعل توصل بوش ورئيس الوزراء الهندي سينج لاتفاقٍ للتعاونِ النووي في تحولٍ إستراتيجي مهمٍّ، يقضي برفع اسم الهند من قائمة الدول المارقة ورفع الحظر النووي المفروض عليها منذ ثلاثة عقود وتزويدها بالتكنولوجيا النووية المدنية.
وينص الاتفاق على أن تقوم الهند بفصلِ برامجها النوويةِ العسكريةِ عن المدنية، وفتح 14 من مفاعلاتها النووية الـ22 لعمليات التفتيش الدولية، إلا أنه لا يزال يتعيَّن على بوش الحصول على موافقةِ الكونجرس الأمريكي ودول مجموعة المزودين النوويين الـ45 على الاتفاق، ويحذِّر الخبراءُ من أن بوش قد يواجه صعوباتٍ في إقناع الكونجرس بأنه لم يرضخ لرغبةِ لوبي القنابل النووية الهندي في الاحتفاظ بعدد كبير من المفاعلات النووية لإنتاج الأسلحة الذرية.
وقال جوزيف كيرينكيون- خبير الأسلحة النووية الأمريكي- إن الرئيسَ ربما ارتكب خطأً قاتلاً في وضع الأسلحة النووية في قلب العلاقاتِ الأمريكية- الهندية التي تشهد تحسنًا، وأضاف أن المشرعين يرغبون في تحسن العلاقات، ولكن ليس على حساب الأسلحة النووية، وتابع: والأسوأ من ذلك أن المسئولين الهنود أوضحوا أن الهند وحدَها هي التي ستقرِّر أيًّا من المفاعلات سيبقَى ضمن تصنيف المفاعلات العسكرية، بحيث لا تطولها عمليات التفتيش؛ بما يناقض مزاعمَ الإدارةِ الأمريكيةِ بأن الاتفاق يفيد الحدَّ من الانتشار النووي.
وتُعتبر إمدادات الوقود النووي من الولايات المتحدة مهمةً للمفاعلات النووية المدنية الهندية التي ستبنيها الهند في المستقبل لإنتاج الطاقة اللازمة لاقتصادها المتسارع النمو، وينهي الاتفاق بشكل فعلي وضْعَ الهند كدولة نووية مارقة، رغم رفضها التوقيع على معاهدة منع الانتشار النووي.
ومن ناحية أخرى واجه رئيس الوزراء الهندي معارضةً شديدةً من حلفائه اليساريين المهمين الذين نظموا احتجاجاتٍ ضخمةً الخميس ضد زيارة بوش وضد الاتفاق، ويقول الشيوعيون الذين يمتلكون 63 من مقاعد البرلمان البالغة 545 مقعدًا إن الهند جلبت علي نفسها تدخلاً في سياستها الخارجية من خلال إبرام الاتفاق مع الولايات المتحدة الإمبريالية، ويؤكدون أن الاتفاق يقيِّد برنامج الهند للأسلحة النووية بفتح معظم المفاعلات النووية لعمليات التفتيش.
وكان الجانبان قد توصَّلا خلال زيارة رئيس الوزراء الهندي سينج واشنطن في يوليو الماضي إلى اتفاق مبدئي واجهته عقبةٌ في شأن خلافات تتعلق بخطة الهند التي تمتلك أسلحةً نوويةً؛ للفصل بين برامجها المدنية والعسكرية ووضع المفاعلات المدنية تحت إشراف دولي، إلا أن مجمل نتائج زيارة بوش الأولى إلى الهند، وهي الثانية لرئيس أمريكي تؤكد تحسن العلاقات بين واشنطن ونيودلهي، في أعقاب إنهاء القطيعة التي استمرت 22 سنةً بسبب الحرب الباردة ووقوف الهند مع المعسكر السوفيتي، وعلى صعيد آخر جاءت الجولة في وقت بدا الرئيس الأمريكي فيه مثقَلاً بأعباء الداخل وبتهاوي شعبيته إلى أدناها منذ وصوله إلى البيت الأبيض.
يشار إلى أن الروابط الاقتصادية بين الولايات المتحدة والهند تشهد نموًّا سريعًا في الوقت الراهن، فخلال العام الماضي زادت الصادرات الأمريكية إلى الهند بنسبة تخطَّت 30% مقابل زيادة بنسبة 20% في الصادرات الهندية إلى الولايات المتحدة، كما وصلت قيمة تجارة البضائع بين الطرفين إلى حوالي 27 مليار دولار، وهو ما قال المسئولون عنه إنه أقل بكثير من توقعاتهم.
ولكن الذي يستعصي على الفهم مبدئيًّا هو موقف الإدارة الأمريكية التي تلقى منافسةً قويةً من الاقتصاد الهندي القوي والذي يهدد معظم منتجاتها، وبالرغم من ذلك يكافئها بوش بدعم اقتصادها عبْر إمدادات الطاقة النووية، ولا يمكن فهم ذلك إلا في ضوء التهديدات الصينية القوية للقواعد العسكرية الأمريكية في آسيا ودعمها السياسي لإيران، إلا أن صفقة الهند هذه لم تأت بسهولة.
عسكريًّا تريد نيودلهي الاحتفاظ بحقها في الردع النووي، وكذا بقدرتها في ترقية قابليات الأسلحة النووية حسب الضرورة لمواجهة التطورات في البرامج الصينية والباكستانية، وهكذا بعد أن منحت بعض التنازل في مسألة التفتيش الدولي تريد الهند تأمينًا من واشنطن برفع الحظر عن التقنية النووية، وهو ما يمكنها من إجراء اختبارات الأسلحة مستقبلاً بدون خوف من التلويح بالعقوبات من قِبَل إدارة جديدة في واشنطن عندما يغادر بوش.
كما تحتجُّ الهند بأنها تشكِّل كتلةً إستراتيجيةً ضروريةً لمواجهة الصين وقدراتها الاقتصادية المتزايدة، خاصةً بعدما أعلنت الصين أن "مشروع الموازنة المخصصة للدفاع عام 2006 سيكون 8.283 مليارات يوان صيني (35 مليار دولار).
وفي هذا الصدد يُشار إلى أن موازنة الجيش الصيني الذي يضم 2.5 مليون جندي تواصل الارتفاع بثبات منذ عام 1990، الأمر الذي يسبب القلق للدول المجاورة، وكانت الصين قد أنفقت أمولاً طائلةً خلال السنوات الأخيرة على شراء مقاتلات وغواصات وتقنيات عسكرية حديثة، وزادت تهديداتها بمهاجمة تايوان، وهي الجزيرة التي انفصلت عنها في أربعينيات القرن الماضي وتسعى لاستردادها، رغم الموقف الأمريكي الداعم لاستقلال الجزيرة.
ضمان الاستبداد بالحكم مقابل دور الشرطي الأمريكي
وفي باكستان كان العنوان الأبرز للزيارة التي جاءت ذرًّا للرماد "الحرب على الإرهاب فقط" دون الحد الأدنى من أية ضمانات عسكرية أو اقتصادية لباكستان؛ حيث ركَّز بوش محادثاته حول سبل مكافحة الإرهاب، واعتبر بوش أن أفضل إستراتيجية لهزيمة القاعدة التي يعتقد أن قادتها موجودون على الحدود الباكستانية الأفغانية هي تبادل المعلومات الاستخبارية بين البلدين، ومطاردة قادتها وتقديمهم للعدالة، وقد استبعد بوش إبرام اتفاق نووي مع إسلام آباد شبيه بالذي اتُّفِق بشأنه مع الهند، وجاء موقف باكستان الرسمي ضعيفًا وغير مكافئ للاتفاق النووي الأمريكي الهندي الذي سيهدد أمن باكستان سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا، واكتفى مشرف بالدفاع عن إستراتيجيته العسكرية في الحرب ضد تنظيم "القاعدة" وحركة "طالبان" الأفغانية، وأكد أن 80 ألف جندي باكستاني يطاردون مقاتلي التنظيم والحركة ولا يركزون فقط على اعتقال زعيمه أسامة بن لادن؛ مما أثار قوى المجتمع الباكستاني وخاصةً الاسلاميين، الذين أكدوا على لسان الشيخ فضل الرحمن زعيم تحالف "العمل المتحد" الذي يضم جماعاتٍ دينيةً عدة أن تحالفه سيتظاهر مع الشعب الباكستاني ضد زيارة بوش، ليس لأننا لا نريد علاقة مع أمريكا بل لأن أمريكا أساءت كثيرًا إلى باكستان، واتهم الرئيس برويز مشرف بـ"رهن" سيادة باكستان وقدراتها إلى الأمريكيين منذ اعتداءات 11 سبتمبر 2001؛ ما سمح للقوات الأمريكية بقصف قرى في المناطق القبلية المحاذية للحدود مع أفغانستان وقتل مدنيين فيها من دون اعتذار أو حساب.
ولعل موقف مشرف ينبع من مصالح سياسية محدودة تتعلق بموقف أمريكي أكثر مرونةً تجاه مشرف في مواضيع الإصلاح والديمقراطية وتفهمًا لواقع تزايد الضغوط عليه قبل الانتخابات الرئاسية السنة التالية.
وبذلك نستطيع أن نقرر أن الإدارة الأمريكية حققت نجاحًا باتفاقها مع الهند الذي لم تعارضه باكستان، رغم شكواها لأمريكا من نقص إمدادات الطاقة، إلا أن هذه الاتفاقية ستفتح بابًا جديدًا من إعادة التوتر في العلاقات السياسية في جنوب آسيا، خاصةً من قبل الصين تجاه الهند، وربما ستشهد الأيام المقبلة مزيدًا من التقارب الصيني- الإيراني.