في هذه المرحلة المهمة والحرجة من عمر الأمة العربية والإسلامية وفي الوقت الذي لم يبقَ لها حصنٌ وملاذٌ أخير لها ولكرامتها سوى سلاح المقاومة في مواجهة مشروعات الاستسلام والتسليم ومشروعات الإمبريالية الغربية والصهيونية.. تتعرض المقاومة وسلاحها في الوقت الراهن إلى حملةٍ أمنيةٍ وسياسية، وكذلك حملة تضليل إعلامي متنامية تستهدف النيلَ من الشرعيةِ القانونيةِ والمشروعية الجماهيرية؛ باعتبار أن هذا السلاح وهذه المقاومة أيًّا كان موقعها، سواءٌ في العراق أو في فلسطين ولبنان، هي الحاجز الأخير الباقي في مواجهة المؤامرات الأجنبية في هذه المنطقة الحساسة من العالم.

 

وفي السياق فإن سلاح المقاومة العربية والإسلامية حاليًا يواجه أعنفَ اختبارٍ له؛ حيث لم يَعُدِ التحدِّي العسكري كما كان في الماضي هو التحدي الوحيد الذي تواجهه- وإن أثبتت المقاومة في لبنان وغيرها أنها أهل لهذا التحدي- وإنما دخل الاختبار العسير للمقاومة ورجالها مناطق أكثر خطورةً تتصل بأهم أسلحة العصر الحديث، وهي السياسة والإعلام في زمن ثورة المعلومات والاتصالات، حيث الكلمة والصورة يمكن لها أن تقلب الرأي العام رأسًا على عقب بالاتجاه الذي يريده صانع هذه الكلمة وملتقط هذه الصورة.

 

ولعل أبرز التطورات التي يشهدها هذا الملف حاليًا تأتي من لبنان؛ حيث يتعرَّض سلاح المقاومة الإسلامية والعربية ممثلاً في سلاح حزب الله وسلاح فصائل المقاومة الفلسطينية إلى ضغوط عديدة لنزعه أو على الأقل الالتفاف عليه وتحييده، ولعل المحللين لم يكونوا مخطئين عندما أكدوا على أن نزع أسلحة جماعات وفصائل المقاومة أيًّا كان انتماؤها الوطني أو هويتها الأيديولوجية يعتبر أحدَ أهم الأولويات الموضوعةِ على أجندةِ القوى الغربية والصهيونيةِ في المنطقةِ ولا تختلف في ذلك- بخلاف ما هو معلن- فرنسا عن الولايات المتحدة، فنزع سلاح المقاومة وتفتيت بنيتها السياسيةِ والعسكريةِ والبشريةِ يعتبر هدفًا توحَّدت عليه قوى الحضارةِ الغربيةِ ذات الانتماء المسيحي- اليهودي.

 

وقد تنامت هذه الهجمة في المرحلة الراهنة لعدد من الاعتبارات في ظل ما تمر به المنطقة وحركة السياسة الدولية برمتها في هذه الآونة بمرحلة من إعادة الترتيب وما تعيشه من حالة من السيولة بدأت مع انتهاء الحرب الباردة، ولم تنتهِ إلى الآن بحسب منظر السياسة الأمريكي الأشهر جوزيف ناي؛ ولعل أهم هذه الاعتبارات هي تلك المتعلقة بمحاولة الولايات المتحدة رسم نفسها كقوة عظمى في العالم في المرحلة الراهنة من التاريخ الإنساني وخلق نموذج السلام العالمي الذي يمكن أن نطلق عليه اسمaxa " "Americana على غرار نموذج السلام العالمي الذي بنته أو حاولت الإمبراطورية الرومانية أن تبنيه قبل أكثر من ألفي عام أو الـ"Paxa Romana".

 

وفي السياق لا يمكن فهم طبيعة استهداف الأمريكيين والصهاينة والشركاء الأوروبيين والغربيين- ممثلين في بلدان التحالف الأنجلو ساكسوني مثل بريطانيا وأستراليا بالإضافة إلى إيطاليا وإسبانيا في مرحلةٍ من المراحل إبان تولي اليمينيين الحكم هناك ممثلين في الحزب الشعبي بزعامةِ رئيس الوزراء السابق خوسيه ماريا أزنار- للمقاومةِ العربيةِ والإسلاميةِ في لبنان وفلسطين وغيرها من بلدان المشرق العربي والإسلامي في إطار ضيقٍ يقتصر على فهمِ وتناول هذا الجانب فقط من اللعبة- أي المقاومة- بل إن ملف المقاومةِ يجيء ضمن حزمة من الإستراتيجيات بعيدة المدى التي تسعى القوى الغربية إلى تحقيقها في المنطقة.

 

أجندة أهداف

وفي هذا المقام فإن هناك مجموعةً من الأهداف التي تقف وراء الجهد الأمريكي والصهيوني لنزع سلاح المقاومةِ وفرط عقد الجماعات والمنظمات المعارضة للمشروع الأمريكي- الغربي، وكلها تصب في الغايةِ الرئيسةِ لهذا التحالف، وهي السيطرة على المنطقة العربية والإسلامية ومقدراتها ودمجها في فلك الحضارة الغربية ككيان تابع للتحالف الصهيوني- المسيحي ذي الأغلبية من الأنجلو ساكسون.

 

وتتنوع هذه الأهداف بين ما هو سياسي وما هو اقتصادي وما هو أمني وعسكري بطبيعة الحال، وكلها تتعلق باعتباراتِ الأمنِ القومي العربي والإسلامي وتتعارض مع هذه الاعتبارات، كما تصب في مصلحة متطلبات الأمن القومي الغربي والصهيوني.

 

أولاً: قضايا عسكرية وأمنية

بدايةً تتبع المنطقة العربية والإسلامية- من المغرب غربًا وحتى آسيا الوسطى شرقًا ومن القرن الأفريقي جنوبًا وحتى هضبة الأناضول وتركيا والقوقاز شمالاً- المنطقةَ العسكريةَ المركزيةَ في قيادة الأركان المشتركة في القوات المسلَّحة الأمريكية- ومقرها في تامبا بولاية فلوريدا- واتُّخذت بالفعل إجراءاتٌ لنقلها إلى قاعدة العيديد الأمريكية الضخمة في قطر.

 

وفي هذا المستوى من التحليل وضع قادةُ ومحللو أجهزة المخابرات المدنية والعسكرية الأمريكية- وكذلك المسئولون في البنتاجون الأمريكي عن القيادة المركزية- مجموعةً من المخططات والتصورات حول التحديات الأمنية والعسكرية في هذه المنطقة من العالم، وأتت الجماعات الإسلامية على رأس هذه التحديات من وجهة نظر المخطط الإستراتيجي الأمريكي، والتي باتت تمثِّل العائقَ الأكبر أمام الأمريكيين والصهاينة لابتلاع المنطقة.

 

ثم تأتي بعد ذلك ضمن هذه التحديات قضيةُ الأمن القومي للكيان الصهيوني مع الدور الوظيفي الذي يلعبه في خدمةِ المخطط الإمبريالي الغربي في المنطقة، وكذلك حماية القوات الأمريكية والغربية (الفرنسية والبريطانية بوجه خاص) من أي اعتداء عسكري أو أمني مباشر موجَّه لها على غرار تفجير المدمرة الأمريكية (يو إس. إس. كول) والبارجة الفرنسية (ليمبورج) في ميناء عدن اليمني في العام 2000م.

 

وازداد إلحاح هذه المسألة بعد التوسع الكبير في انتشار القوات الأمريكية والبريطانية وكذلك الفرنسية في المنطقة، حيث أصبح للأمريكيين- على سبيل المثال- ما يقارب الـ200 ألف ضابط وجندي موزعين على قواعدَ ممتدة من البحر المتوسط في قبرص واليونان وغيرها إلى بحر العرب والمحيط الهندي، وتعتبر منطقة الخليج العربي حاليًا أكبر تجمع عسكري أمريكي ودولي في العالم، حيث تتوزَّع القواتُ ما بين بحريةٍ وبريةٍ وجويةٍ في مياه الخليج وقواعد عسكرية ثابتة في سلطنة عمان وقطر والكويت وقطر وغيرها من البلدان، إضافة إلى العراق التي يخطط الأمريكيون إلى إنشاء نحو 12 قاعدةً عسكريةً كبيرةً فيه قبل انسحابهم من هناك، أو تأمين المصالح والمنشآت الحيوية الأمريكية والصهيونية في بلدان هذه المنطقة مثل السفارات، خاصةً بعد تعرض عدد منها، مثل السفارتين الأمريكيتين في كل من نيروبي ودار السلام في العام 1998م أو على فندق باراديز بمومباسا جنوب كينيا في نوفمبر من العام 2002م.

 

وفي مرحلة ما بعد الحرب الباردة وبعد التطور الكبير الذي طرأ على أجندة العمل الأمريكية والصهيونية والغربية عمومًا في العالم وفي منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي بوجه خاص وبعد اختفاء الخطر السوفيتي رفع الغرب شعاراتٍ مثل "نهاية التاريخ" لفرانسيس فوكوياما و"صدام الحضارات" لصموئيل هنتنجتون، وبموجب الشعار الأخير وُضِع الإسلام على لائحةِ "المطلوبين" أمريكيًّا وصهيونيًّا واستُبدل "الخطر الإسلامي الأخضر" بـ"الخطر الشيوعي الأحمر"؛ ولذلك تم التضخيم الإعلامي والسياسي من جانب الغرب لما يسمَّى بملفات "الإرهاب" والانتشار النووي في العالم الإسلامي، وما جرى مع العراق ويتكرر بحذافيره مع إيران الآن أبرز دليل على ذلك.

 

وفي السياق أيضًا تم إعلان الحرب على أفغانستان تحت مبرر أحداث 11 سبتمبر 2001م التي لا تزال الجهة الفاعلة فيها غامضةً، فلا يمكن أخذ الادعاءات الأمريكية حول تورط مَن يُدعَون بـ"الإسلاميين" أو تنظيم القاعدة فيها بشكل مُسلَّم به.

 

وانطلاقًا من تلك الملامحِ العامةِ للأجندة الأمنية والعسكرية الأمريكية وُضِعت جماعاتُ المقاومة العربية والإسلامية- ولا سيما تلك العاملة على حدود الكيان الصهيوني- على رأس أولويات عمل الأجهزة الأمنية الأمريكية والصهيونية، وفي مرمى السياسة الفرنسية والبريطانية، وتزداد إلحاحية ملف المقاومة مع تهديد سلاح المقاومة للأمن القومي الصهيوني كما في فلسطين ولبنان وللقواعد والقوات الغربية ومحطات الاستخبارات الصهيونية والأمريكية كما يجري في العراق وفي لبنان أيضًا؛ حيث أسس الموساد 15 محطةً ومكتبًا في العراق، وله الآن في لبنان نحو 200 عنصر يعملون مع السفير الأمريكي جيفري فيلتمان هناك لتوجيه سياساتِ الحكومةِ اللبنانيةِ بقيادةِ الدكتور فؤاد السنيورة وقوى المعارضة اللبنانية المسيحية والدرزية للضغط باتجاه نزع سلاح حزب الله وفصائل المقاومة الفلسطينية وسلاح المخيمات.

 

جانب عسكري وأمني أيضًا يدفع الأمريكيين والصهاينةَ ويعاونهم في ذلك الفرنسيون في الوقت الراهن إلى الضغط بهذا الاتجاه، وهو جانب متصل بالضغوط على سوريا لسحب قواتها من لبنان، والذي تم بالفعل في ربيع العام الماضي 2005م على إثر اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، فهو متعلق بإيران والقوى الفلسطينية المدعومة من جانب طهران والمتمركزة بالذات في سهل البقاعِ شرقي لبنان؛ حيث كانت عناصر عسكريةٌ واستخباراتيةٌ من الحرس الثوري الإيراني تدعم القواتِ السوريةَ وحزب الله اللبناني وعددًا من فصائلِ المقاومةِ الفلسطينيةِ وعلى رأسها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.. القيادة العامة.. بزعامة أحمد جبريل، وهو بالطبع وجود غير مرغوبٍ فيه بالنسبة للأمريكيين والصهاينة، فكان تركيز الاستخبارات الأمريكية والصهيونية على مسألة خروج القوات السورية من البقاع ودفع الحكومة اللبنانية إلى تكثيف وجودها الأمني والعسكري حيث حوصرت بالفعل مجموعةٌ من المقرات التابعة لجبريل في البقاع.

 

ثانيًا: ملفات سياسية غير مكتملة

في سياق آخر وعلى المستوى السياسي فإن هناك مشكلةً ضخمةً تواجه الغربَ بالنسبة للمقاومة وسلاحها في العالم العربي والإسلامي، وهي أن المقاومةَ في العالم العربي والإسلامي والتي تقف في مواجهةِ الصهاينةِ والأمريكيين هي مقاومة يغلب عليها الطابعُ الإسلامي، وهو ما يعني المزيدَ من المشروعيةِ الجماهيريةِ للتيار الإسلامي السياسي- كما يحلو للغرب أن يسميه- لأن تبني التيار الإسلامي لخيار المقاومة المسلحة لانتزاع الحقوق العربية والإسلامية المسلوبة يعطي هذا التيار جماهيريةً عظيمةَ الاتساع وسط الجماهير التي تتطلع لأخذ حقوقها من المستعمر والمغتصب الأمريكي والصهيوني.

 

وهو ما لا ترغبه بالطبع القوى الغربية التي تدعم الكيانَ الصهيوني؛ لأن هذا معناه المزيدُ من الدعم للجماعاتِ الإسلاميةِ و"الإسلام السياسي" بحيث بات الإخوان المسلمون- على سبيل المثال وكأهم نموذج موجود حاليًا- قاب قوسين أو أدنى من الحكم في الكثير من البلدان العربية والإسلامية، وحازوا بالفعل على خمس مقاعدِ البرلمان في مصر، ونالوا الحكمَ في فلسطين بالفعل، وهو ما لا يتلاءم مع المصالح والرغبات الغربية والصهيونية في الأمة العربية والإسلامية.

 

بجوار هذه المشكلة فإن أجنداتِ الإسلاميين تتعارض تمامًا مع المصالح السياسية- وكذلك الأمنية والعسكرية والاقتصادية الغربية والصهيونية- في المنطقةِ سواءٌ من جهة السيطرة على القرار السياسي وسياسات التنمية وحتى حراك المجتمعات واتجاهات الرأي العام في بلدان المنطقة.

 

وفي اتجاه آخر فإن الزخم الجماهيري والإعلامي وكذلك السياسي الذي حصلت عليه الأحزاب والجماعاتُ الإسلامية بسبب إنجازات المقاومةِ العربيةِ والإسلاميةِ في مواجهةِ الاحتلالِ الأمريكي في العراق والاحتلال الصهيوني في فلسطين يهدِّد القواعدَ السياسيةَ للكثير من النظم السياسية الحاكمة في المنطقة الموالية للولايات المتحدة والمتماهية مع السياسات الصهيونية، كما في الحكم الجديد في العراق أو في بعض مشيخات الخليج العربي والأردن وتونس والمغرب، ولا يرغب "السيد" الأمريكي بطبيعةِ الحال في فقدان هذه المحطات المهمة له.

 

على مستوى آخر فإن سيطرةَ القرارِ الأمريكي على القرار الإسلامي والعربي السياسي في خصوص ضرب الجماعات التي تصمها واشنطن بـ"الإرهاب" يتعثر كثيرًا بوجود المقاومة مع شرعية نشاطها ضد المحتل ويتعثَّر أيضًا بضغوطِ الجماعاتِ والأحزاب الإسلامية على صانع القرار في الحكومات داخل هذه البلدان في هذا الصدد أيضًا وهو ما يبدو واضحًا في باكستان؛ حيث اصطدمت سياساتُ الرئيسِ برويز مشرف في شأن ضرب المناطق الحدودية مع أفغانستان وتجمعات المقاومة الأفغانية فيها للمحتل الأمريكي في البلاد والتي تُتهَم هي الأخرى- أي هذه المقاومة- بـ"الإرهاب".

 

في الجانب السياسي أيضًا فإن المقاومة في لبنان وفلسطين تعرقل بشكل أساسي مسيرةَ مشروعات التسوية التي تريد واشنطن وتل أبيب فرضَها على العرب مع الكيان الصهيوني بالشروط التي يضعها هذا الأخير وعلى النحو الذي تقتضيه مصالحه ومصالح الولايات المتحدة، وعلى رأس هذه المقتضيات فرض الكيان الصهيوني كقوةٍ رئيسةٍ على المنطقة على حساب القوى العربيةِ والإسلاميةِ التقليديةِ مثل مصر وإيران وسوريا والعربية السعودية وتطبيع أوضاعه وضمان مصالحه كذلك.

 

وللأسف فإن هناك الكثير من الأنظمةِ الحاكمةِ في العالم العربي والإسلامي تدعم أولاً البرامجَ الأمريكيةَ والصهيونيةَ في المنطقةِ في هذا الصدد فنجد السلطةَ الفلسطينيةَ القديمةَ تمارس دورها في قمع عناصر المقاومة الإسلامية وبجانب الخيانات وتسريب المعلومات للعدو الصهيوني عن المقاومة وناشطيها تحت بند التعاون الأمني في اتفاقيات أوسلو بين الجانبين الفلسطيني والصهيوني- بمعرفة مجموعات محمد دحلان وجبريل الرجوب وأمثالهما- والتي ترتب عليها استشهاد الكثير من رجال حماس والجهاد الإسلامي، بجانب ذلك نرى ما جرى في صيف وخريف الماضي 2005م قامت قوات الأمن الفلسطينية وعناصر من شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح بالافتئات على حقوق المقاومةِ الفلسطينيةِ في ضرب المصالحِ الصهيونيةِ بالقنابل الاستشهادية والصواريخ، فسقط شهداء آخرون من حماس برصاص السلطة الفلسطينية!!

 

من جهة أخرى وفي لبنان نجد أن السلطات اللبنانية- ربما عن قصد أو غير قصد- سمحت للموسادِ الصهيوني باختراقِ لبنان والعاصمة بيروت واغتيال عناصر من المقاومة الإسلامية هناك، ومن ذلك ما جرى في يوليو من العام 2004م، حيث تم اغتيال أحد كوادر حزب الله اللبناني وهو الشهيد غالب العوالي عبر تفجيرِ سيارةٍ مفخخةٍ في الضاحيةِ الجنوبيةِ بالعاصمةِ بيروت اللبنانية.

 

ثالثًا: قضايا اقتصادية

تعتبر منطقة العالم العربي والإسلامي هي الأهم في أجندة المصالحِ الاقتصاديةِ الأمريكيةِ في العالم كله، حيث منابع النفط التي تُمِد الغربَ بأكثر من نصف احتياجاته من الخام والغاز الطبيعي، وحيث الأسواق الكبرى للمنتجات الغربية والاستثمارات الكبرى للغرب في العالم أيضًا إضافةً إلى مرور خطوط التجارة العالمية الأهم في هذه المنطقة من العالم.

 

هذه المصالح وغيرها لا تحتمل دويَّ الرصاصاتِ و"فرقعة" القنابل وعدم الاستقرار السياسي، أي بمعنى (بلفظ) آخر: لا تحتمل أجندة المقاومة المشروعة والتي تسعى لاسترداد حقوقها من الاحتلال أيًّا كان موقعها والتي تحولت في الإعلام والدوائر السياسية الغربية والصهيونية إلى غيرِ مشروعة وإلى "إرهاب" من أجل مصالح كبار التجار الأمريكيين وأصحاب رءوس الأموال من الصهاينة واليهود عبر العالم، من أمثال جورج سوروس وميردوخ وغيرهما.

 

وفي ذات السياق يمكن القول بأن المقاومةَ العراقيةَ هي الهاجس الأكبر أمام الأمريكيين الآن؛ لأنها تهدد المصالحَ النفطيةَ الأمريكيةَ في العراق، حيث منابع واحتياطات النفط المؤكدة الأهم والأكبر في العالم بعد العربية السعودية (نحو 120 مليار برميل احتياطي العراق المؤكد من الخام).

 

أدوات ومداخل عدة

تمتد أصابع الأمريكيين والصهاينة في مواجهة سلاحِ المقاومةِ العربيةِ والإسلاميةِ بأكثر من أداة وأكثر من فعل.. فهناك الآلة العسكرية والأمنية كأول ما يتم تبنيه في مواجهة المقاومة العربية والإسلامية من اغتيالاتِ وضرب مواقع واجتياحات كما يتم يوميًّا في فلسطين والعراق، وكما جرى مع لبنان وسوريا؛ حيث ضرب الطيران الصهيوني قبل ما يزيد على العام ونصف العام موقع عين الصاحب السوري؛ بحجة وجود قاعدة للجهادِ الفلسطيني وضرب جنوب بيروت قبل أسابيع بحجةِ وجودِ قواعدَ للحركة الشعبية بزعامة أحمد جبريل.

 

أما في لبنان فالاتجاه مختلفٌ.. فهو سياسي بالأساس؛ حيث يتمُّ الآن بعد الضغطِ على سوريا للخروج من هناك توسيعُ نطاقات المعارضة اللبنانية للسلاح الفلسطيني واللبناني المقاوم بموجب القرار الدولي الشهير 1559 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في مطلع سبتمبر من العام 2004م وبالفعل يجري الآن في لبنان "حوار وطني" لمدة أسبوع أو عشرة أيام، أساسُه تنفيذ هذا القرار الذي يقضي بسحب سلاح ما أسماه بـ"الميليشيات" في إشارة إلى سلاح المخيمات وحزب الله، مع الضغط باتجاه انسحاب حزب الله من الجنوب اللبناني ونشر القوات النظامية اللبنانية محلَّه لتأمين الحدود الشمالية للكيان الصهيوني.

 

من جانب آخر فقد استطاعت الدبلوماسيةُ الأمريكية والصهيونية والإعلام التابع لها في خلط الأوراق فيما يتعلق بـ"الإرهاب" والمقاومة المشروعة للمحتلين في العراق وفلسطين ولبنان، وتم وضع حماس وحزب الله وغيرها من فصائل وأحزاب المقاومة على رأس قائمة المنظمات "الإرهابية" التي تصدرها الخارجية الأمريكية، وذلك لإضفاء "مشروعية" قانونية زائفة على جرائم الحرب الصهيونية ضد الفلسطينيين بحجة حفظ الأمن!!

 

وفي البلدان العربية حيث الحكومات الشمولية والضعيفة في ذات الوقت والتابعة للقرار الأمريكي والصهيوني يجري الضغط عليها لتبني الأجندة الأمريكية والمكلفة من الكيان الصهيوني بطبيعة الحال لضرب المقاومة ونزع سلاحها ورفع الدعم المالي عنها، كما يجري الآن مع حركة حماس التي "مُنِع منها الكيل" وتُهدَّد بما هو أكبر.. من الأوروبيين والأمريكيين في حالة عدم الاعتراف بالكيان الصهيوني والانخراط في عملية التسوية معه.

 

وهنا فإن التوجه الأمريكي ينقسم إلى قسمين: أولاً المزيد من الضغط على سوريا لإخراج فصائل المقاومة الفلسطينية العشرة، وعلى رأسها حماس، والتي تتخذ من دمشق مقرًّا لها، واصطُلح على تسميتها بفصائل الرفض ومحاولة إخراج هذه الفصائل من لبنان لكي تصبح بلا ظهيرٍ تعبوي سياسي، وثانيًا التحرك لدى دول الخليج العربي لمنع الدعم المالي، عن حماس وحكومتها باعتبار أن هذه الدول هي الداعم المالي الأكبر للفلسطينيين، وهو ما فشلت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس في تسويقِه في جولتها العربية الأخيرة.

 

من جهة أخرى فإن هناك محاولاتٍ عدة أمريكية وصهيونية لمزيد من الربط بين الاقتصاديات العربية من جهة وبين الاقتصادات الغربية والصهيونية من جهة أخرى للتأثير على القرار السياسي العربي في عدد من الأمور من بينها المقاومة والدور العربي المطلوب إزاءها من وجهة النظر الأمريكية والصهيونية والغربية عمومًا.

 

وفي الختام ينبغي التأكيد على حقيقة مهمة يجب على كل عربي ومسلم أن يعيها جيدًا وجديًّا، وهي أن السلاح هو الحل الوحيد للغزوة الأمريكية- الصهيونيةِ على المنطقةِ وعلى الأمة.. السلاح وإرادة المقاومة فقط هما ما أخرج الصهاينة من سيناء ومن جنوب لبنان ومن قطاع غزة وأخرجا من قبل بريطانيا من مصر وشرق السويس كلها حتى الخليج العربي، والمقاومة المسلحة هي التي أخرجت الأمريكيين من فيتنام والروس من أفغانستان، فهلا استوعبنا الدرس التاريخي؟!

 

--------------

*باحث ومحلل سياسي