متابعة: أحمد التلاوي

تفاعلت في الآونة الأخيرة مجموعة من النقاشات على المستوى الإقليمي والدولي حول ملف انتهاكات حقوق الإنسان في العالم العربي ومناطق متعددة من العالم مع صدور التقرير السنوي الجديد لوزارة الخارجية الأمريكية عن حالة حقوق الإنسان في العالم مع احتواه من انتقادات للحالة السياسية والحقوقية في عددٍ من بلدان العالم، ونالت البلدان العربية والإسلامية بطبيعة الحال النصيب الأكبر من هذه الانتقادات بجانب عددٍ من البلدان التي لا تدور في الفلك الأمريكي مثل روسيا والصين وكوبا وكوريا الشمالية.

 

وعلى الرغم من ذلك، وعلى الرغم من أنَّ العربَ والمسلمين هم المستهدف الأول من وراء هذا التقرير، وفي المقابل وعلى الرغم من أنَّ الانتهاكاتِ الأمريكية لحقوق الإنسان- والعربي والمسلم بالذات- أضعاف الانتهاكات الداخلية في الدول العربية والإسلامية- مع تسليمنا بحدوث هذه الانتهاكات الداخلية- كما في جوانتانامو والعراق وفي فلسطين وأفغانستان وغيرها إلا أنَّ ردةَ الفعل حيال هذه المسألة لم تأت عربيًّا أو إسلاميًّا بل جاءت من الصين.

 

فقد أصدرت "بكين" أمس الجمعة 10 من مارس تقريرها السنوي السابع بشأن الأحوال العامة لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة بالإضافةِ إلى الانتهاكاتِ والتجاوزات التي تُمارسها السلطات المدنية والعسكرية الأمريكية لحقوقِ الإنسان في عددٍ من مناطقِ العالم التي تتواجد فيها القوات المسلحة الأمريكية.

 

وطبقًا لما تناقلته وكالات الأنباء عن التقرير الصيني- الذي جاء ردًّا على الانتقاداتِ التي تحدث التقرير الأمريكي لحالة حقوق الإنسان في الصين- فإنَّ الصين تحدثت عن سبعة مجالات أو معايير رئيسية لحقوق انتهكتها الولايات المتحدة في العام 2005م المنصرم وهي:

1- التفرقة العنصرية ضد المواطنين السود في الولايات المتحدة.

 

2- ملف السجون السرية الأمريكية حول العالم ومن بينها بعض المناطق في العالم العربي كما في الأردن إضافةً إلى مجموعةٍ من السجون السرية في عددٍ من القواعد العسكرية في أوروبا الشرقية (رومانيا وبولندا وألمانيا.. إلخ).

 

3- التعذيب والاغتصاب الجنسي والانتهاكات الأخرى التي يتعرَّض لها السجناء داخل السجون الأمريكية.

 

4- جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان التي تمارسها السلطات الأمنية والعسكرية الأمريكية إزاء المعتقلين في عدد من السجون والمعتقلين التي تديرها الولايات المتحدة.

 

5- قيام طائرات حربية أمريكية بقصف قرى وتجمعات للمدنيين في عدد من المناطق في العراق كما في الرمادي والأنبار وعلى الحدود الباكستانية- الأفغانية وداخل الأراضي الأفغانية ذاتها.

 

العفو الدولية والانتهاكات الأمريكية

لم تكن الصين وحدها هي ما انتقدت السجل الأمريكي الأسود في مجال انتهاكات حقوق الإنسان، بل إن هناك منظماتٍ دولية انتقدت هذا السجل خاصةً في العراق، وكان أبرز نموذج على ذلك هو هذا التقرير الذي أصدرته منظمة العفو الدولية "أمنستي" قبيل صدور التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية، وكان تقرير "أمنستي" بعنوان: "ما بعد أحداث أبو غريب- الاعتقال والتعذيب في العراق".

 

وقد استهل تقرير منظمة العفو الدولية نفسه بشهادة لمواطن عراقي يدعى "كريم" حول ما يجري في معتقلات وزارة الداخلية العراقية التي يوجد فيها مستشارون أمريكيون، وفي شهادته قال كريم: "في المرة الأولى التي صعقوني فيها بالصدمات الكهربائية، أُغمي علي لمدة 40 ثانية أو دقيقة واحدة، وشعرت كما لو أنني سقطت من مبنى، وأصبتُ بالصداع ولم أستطع المشي".

 

وقال التقرير أيضًا إنه: "منذ غزو العراق في مارس من العام 2003م قامت القوات المتعددة الجنسيات الموجودة هناك بقيادة القوات الأمريكية باعتقال عشرات الآلاف من الأشخاص دون توجيه الاتهام إليهم أو محاكمتهم محاكمةً عادلةً ودون إعطائهم الحق في الطعن بشرعية اعتقالهم أمام هيئة قضائية، وقد أُفرج عن آخرين دون إعلامهم بأسباب اعتقالهم أو تقديم اعتذار رسمي على ما حلَّ بهم أثناء فترة الاعتقال".

 

وقد أورد تقرير العفو الدولية سلسلة طويلة من الحقائق على الأرض ومجموعة من الوثائق الدولية والأمريكية تؤكد جميعها فداحة الانتهاكات التي تمارسها القوات الأمريكية في عددٍ من السجون والمعتقلات التي تُشرف عليها في العراق بالتعاون مع السلطات العراقية وقوات الاحتلال البريطاني وهي تحديدًا: معتقل معسكر "بوكا" الواقع بالقرب من مدينة البصرة جنوبي العراق، ومعتقل أبو غريب الشهير في العاصمة العراقية بغداد، ومعسكر "كروبر" في بغداد أيضًا ومعتقل "فورت سوسا"، الذي يقع بالقرب من مدينة السليمانية بكردستان شمالاً، والذي تقول "أمنستي" إنه قد بدأ تشغيله في نهاية أكتوبر الماضي 2005م.

 

إضافةً إلى ذلك تحتجز قوات الاحتلال الأمريكية المئات من المعتقلين العراقيين بصورةٍ مؤقتةٍ في مجموعةٍ من أماكن الاحتجاز التابعة لمختلف الألوية والفرق الأمريكية في شتى أنحاء البلاد.

 

أما قوات الاحتلال البريطانية فتحتجز عددًا صغيرًا لا يتجاوز العشرات ممن تطلق عليهم "المعتقلين الأمنيين" في معتقل معسكر "الشعيبة"، بالقرب من البصرة.

 

التقرير الأمريكي: حقائق وبيانات

صدر قبل بضعة أيام وتحديدًا في يوم الأربعاء الثامن من مارس للعام 2006م التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية حول حالة حقوق الإنسان في العالم للعام 2005م، وشكَّل هذا التقرير مجموعةً من الحقائق والبيانات عن حقوق الإنسان في العالم خلال العام المنصرم بشكل غطى عددًا قياسيًّا من البلدان بلغ 196 بلدًا.

 

وضمن تناول التقرير لحالة حقوق الإنسان في العالم نجد أن التقريرَ قد غطَّى في السياق العام له مجموعة التطورات السياسية والاجتماعية التي جرت في البلدان التي تناولها التقرير ومن بينها بالطبع مصر في العام المُشار إليه.

 

التقرير بين التاريخ والمحتوى

في التقرير السنوي لحقوق الإنسان لوزارة الخارجية الأمريكية فإن الفقرات الخاصة بكل دولة تعطي عرضًا مفصلاً لـ"مدى التزام تلك الدولة بحمايةِ وتعزيز الحقوق التي نصَّ عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي أصدرته الأمم المتحدة في العام 1948م، بما فيها الحقوق المدنية والسياسية، كحرية الرأي والدين والصحافة، وحرية اختيار الشخص لحكومته وحقوق العمال كما يتضمن التقرير أجزاءً مخصصةً للاختفاء القسري والسجن والتعذيب والتمييز على أساس العِرق أو الدين أو الإعاقة الجسدية أو اللغة أو المكانة الاجتماعية".

 

ويعود تاريخ صدور هذا التقرير إلى حقبة السبعينيات، حيث فرض الكونجرس الأمريكي على وزارة الخارجية وضع تقرير سنوي حول حقوق الإنسان، من خلال تعديل أدخله في العام 1976م على قانون المساعدات الخارجية، ونصَّ التعديل على أن تقوم وزارة الخارجية بتقديم تقرير كامل وتام (إلى الكونجرس) حول وضع حقوق الإنسان المعترف بها دوليًّا" في الدول التي تتلقى مساعداتٍ أمريكيةً.

 

وقد تناولت أوائل التقارير التي تمَّ وضعها عن حقوق الإنسان، وهي التقارير التي صدرت في العام 1977م، الوضعَ في 82 دولةً، وما لبث الكونجرس أن وسَّع نطاق الدول التي تغطيها تقارير حقوق الإنسان بحيث أصبحت تشمل الدول التي تتلقى معونةً اقتصاديةً من الولايات المتحدة والدول الأعضاء في الأمم المتحدة، هذا وتقوم وزارة الخارجية أيضًا بإعداد تقارير عن الدول التي لا تقع في أي من الفئتين اللتين فرض الكونجرس على وزارة الخارجية وضع التقارير عنهما.

 

وتغطي التقارير السنوية الأمريكية عن حقوق الإنسان العناصر التالية:

1- الانتهاكات المباشرة لحقوق الإنسان مثل التعذيب في السجون والمعتقلات.

2- نطاقات التمييز ضد فئات عرقية أو دينية بعينها.

3- أوضاع الفئات الخاصة مثل حقوق المرأة والأحداث والسكان الأصليين والمعاقين.

4- موضوعات الشفافية والفساد.

5- ما يُسمَّى بـ"معاداة اليهود" أو "معاداة السامية" أو "التمييز على أساس الميول الجنسية" هما مجالان اهتمَّ بهما التقرير السنوي الأمريكي منذ العام 2004م.

6- قضايا الإصلاح السياسي والديمقراطية وأوضاع سجناء الرأي.

ويشكِّل إعداد تقارير أوضاع حقوق الإنسان عمليةً تتطلب تعاون كيانات مختلفة في كل بلد، وتبدأ السفارات الأمريكية العملية بجمع المعلومات من المسئولين الحكوميين والصحفيين ومنظمات حقوق الإنسان والناشطين والعاملين في الحقل الأكاديمي.

 

وعن أهمية هذا التقرير تقول الوثيقة رقم (202) الصادرة عن مكتب الإعلام الخارجي بوزارة الخارجية الأمريكية في يوم الثلاثاء 7 من مارس للإعلان عن التقرير السنوي الجديد لحقوق الإنسان: "تشكل الوثيقة التي يتم جمعها عن حقوقِ الإنسان الوثيقة التي تحظى بأعظمِ قدرٍ من الإقبال على مطالعتها من بين جميع التقارير التي تصدرها وزارة الخارجية، وهي تعتبر بمثابة أساس لتوجيه الجهود الأمريكية الرامية إلى تعزيز حماية حقوق الإنسان كما تشكل موردًا يتم الرجوع إليه لصياغة السياسات والقيام بالنشاطات الدبلوماسية وتقديم المساعدات والتدريب، وغير ذلك من تخصيص الموارد".

 

وفي السياق العام قالت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس، في تقديمها للتقرير السنوي للعام 2004م والتي تمَّ إصدارها في 28 من فبراير من العام 2005م: "إن تقارير أوضاع حقوق الإنسان في مختلف الدول تُشكِّل إطارًا أساسيًّا تعتمده الولايات المتحدة وغيرها من الدولِ في جميعِ أنحاء العالم في تقييمها لوضع حقوق الإنسان وفي تنظيم الجهود لدفع عجلتها، وتجهيز وجمع وترتيب المعلومات ووضع هذه التقارير بإخلاصٍ للتصدي للاضطهاد بشكلٍ أكثر فعاليةً ولتأييد الكرامة والحرية الإنسانية بشكل أكثر فعالية".

 

ويتم عادةً إصدار تقرير متابعة فرض الكونجرس وضعه هو أيضًا بعنوان "دعم حقوق الإنسان والديمقراطية: السجل الأمريكي" بعد شهرٍ من إصدار التقارير الخاصة بالبلدان المختلفة، وهو يبرز الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة في سبيل معالجة القضايا التي أثارتها تقارير أوضاع حقوق الإنسان في الدول المختلفة، كما ترصد الوزارة أوضاع قضايا حقوق إنسان دولية محددة من خلال تقاريرها السنوية المتعلقة بالحرية الدينية وما يُسمَّى بـ"معاداة السامية".

 

تقرير 2006م: عناوين عامة

تشمل مقدمة التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية عن حقوق الإنسان في العالم، ملخصًا عامًا لأهم ما ورد في التقرير مع وضع مجموعة من العناوين العامة حول أهم ملامح الحياة السياسية والحقوقية والملاحظات التي أبدتها السفارات الأمريكية في العالم في الفترة المنصرمة في هذا المقام.ومن أهم الملاحظات أو المبادئ العامة للديمقراطية وحقوق الإنسان التي أوردتها مقدمة التقرير في صدد الحالة السياسية والحقوقية في العالم، وتمَّ وضع نماذج محددة من تفاصيل التقرير أسفل كل عنوان من هذه العناوين كان غالبيتها يتناول مجموعة من التجاوزات في مجال حقوق الإنسان في العالم العربي والإسلامي، وكان التركيز الرئيسي فيها على مصر وسوريا وإيران والعربية السعودية والعراق وفلسطين.

 

وكانت هذه المبادئ أو الملاحظات تدور على النحو التالي:

- أولاً: أكد التقرير الأمريكي أنَّ "الدول التي تتركز فيها السلطة في يد حكام لا يخضعون للمساءلة والمحاسبة تميل لأن تكون الدول الأسوأ انتهاكًا بشكلٍ منتظم لحقوق الإنسان في العالم، وتتراوح هذه الدول ما بين الدول ذات الأنظمة الديكتاتورية المغلقة التي تخضع مواطنيها لحرمان واسع النطاق من حقوقهم الأساسية" كذلك الدول ذات الأنظمة التي وصفها التقرير الأمريكي بـ"الفاشستية" والتي يتم فيها تقييد ممارسة حقوق الإنسان بشدة وكانت أبرز الانتقادات الموجهة فيها إلى كل من إيران وكوبا وكوريا الشمالية بجانب بورما وزيمبابوي وبيلاروسيا.

 

- ثانيًا: قال التقرير إن هناك صلةً وثيقةً بين "حقوق الإنسان" و"الديمقراطية"، وقال أيضًا إن كلا هذين العنصرين يعتبر أساسًا للاستقرار والأمن على المدى الطويل، حيث تساعد الدول الحرة الديمقراطية التي تحترم حقوق مواطنيها في إرساء الأسس لسلام دائم وعلى النقيض من ذلك، من المرجح أن تشكل الدول التي تنتهك حقوق مواطنيها الإنسانية بشكل شديد ومنتظم تهديدًا للدول المجاورة وللمجتمع الدولي بحسب التقرير الأمريكي، وفي هذا الصدد انتقد التقرير الأمريكي كلاًّ من سوريا وإيران بجانب كوريا الشمالية وكوبا مجددًا.

 

- ثالثًا: ترتكب حكومات بعض الدول أخطر انتهاكات لحقوق الإنسان ضمن سياق النزاعات المسلحة الداخلية أو التي تقع عبر الحدود، وكان التركيز الرئيسي هنا على ما يجري في السودان في خصوص ملف أزمة دارفور بجانب مجموعة من الانتقادات لانتهاكات حقوق الإنسان التي تجري في سياقات النزاعات الداخلية والإقليمية في كلٍّ من منطقتي البحيرات العظمى كما في الكونغو الديمقراطية والقوقاز كما في الشيشان، وكلها مناطق تمس الأمن القومي العربي والإسلامي في نقاط عديدة.

 

بجانب ذلك أيضًا قال التقرير الأمريكي: "إنه حيثما تتم محاصرة المجتمع المدني ووسائل الإعلام، يتم تقويض الحريات الأساسية في التعبير والتجمع والاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية، ويساعد المجتمع المدني القوي ووسائل الإعلام المستقلة في خلق الظروف التي يمكن لحقوق الإنسان الازدهار فيها من خلال زيادة الوعي بين الجماهير بحقوقهم، والكشف عن الانتهاكات، والحث على الإصلاح ومساءلة ومحاسبة الحكومات".

 

وهذا ما قاله التقرير ولكن اللافت للنظر هنا ورغم أن هذه الانتهاكات تتم في غالبية البلدان العربية إلا أن التقرير لم يُركِّز على ما يجري في دول تعتبر حليفة رئيسية للولايات المتحدة في العالم العربي والشرق الأوسط مثل مصر والعربية السعودية بل والكيان الصهيوني وانتقد فقط الصين وكمبوديا ودولاً أخرى معارضة لسياسة الهيمنة الأمريكية الإقليمية والدولية وهو ما يُثير مجموعة من التساؤلات والشكوك حول مدى حيادية أو مصداقية التقرير الأمريكي فهو ينتقد دولاً معادية للولايات المتحدة ويغض الطرف عن انتهاكات نظم موالية للأمريكيين.

 

نقطة أخرى أثارها التقرير وهي تدور حول مبدأ التداول السلمي سلطة عبر صناديق الاقتراع فقال: "إنَّ الانتخابات الديمقراطية بحد ذاتها لا تضمن أنَّ حقوقَ الإنسان سيتم احترامها، لكنها تضع بلدًا ما على الطريقِ نحو الإصلاح وتبني الأساس لحماية حقوق الإنسان عن طريق المؤسسات، على أنَّ الانتخاباتِ هي معلم بارز في رحلة طويلة من الديمقراطية، وهي ضرورية لإنشاء حكومات قابلة للمساءلة، ومؤسسات حكومية تلتزم حكم القانون وتستجيب لحاجات المواطنين" ومن خلال ما جاء في التقرير الأمريكي فإنه من الواضح أنَّ هذه الفقرة أضيفت للإشادة بالدور السياسي والتطورات التي أدخلتها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان للتضليل على ما يجري هناك من انتهاكاتٍ أمريكية لحقوق الإنسان وتردي في الوضع الأمني فلم يكن من الممكن للتقرير أن يشيد بنتائج الانتخابات في العراق أو أفغانستان بشكل مباشر مع وضوح الأزمة السياسية والأمنية التي تعاني منها كلٌّ البلدين أمام الرأي العام العالمي فتمت صياغة هذه الملاحظة على النسق الذي يعلي من شأن السياسات الأمريكية في كلا البلدين ولا يتجاوز في الوقتِ ذاته عن الأزماتِ القائمة في أفغانستان والعراق.

 

حمل التقرير الأمريكي أيضًا رؤيةً سلبيةً حول مسألة التقدم في الإصلاح الديمقراطي وحقوق الإنسان في العالم؛ حيث قال تقرير الخارجية الأمريكية إنَّ هذا التقدم "لا يسير بخط مستقيم ولا هو مضمون، فلا تزال بعض الدول تعاني من المؤسسات الضعيفة التابعة لحكومات ديمقراطية تواصل العمل بكدٍّ للبقاء، وأخرى ما زال عليها أن تلتزم كليًّا بالعمليةِ الديمقراطية، غير أنه يمكن أن تطمس الشوائبُ الخطى التي تتم إلى الأمام، ويمكن أن تكون هناك انتكاسات خطيرة، كما أنَّ بعضَ الحكومات المنتخبة ديمقراطيًّا لا تحكم دائمًا بصورة ديمقراطية بعد أن تتولى السلطة"، وكان التقرير هنا يقصد بالذات كلاًّ من مصر والعربية السعودية وعددًا آخرًا من البلدان العربية التي كانت قد شهدت خلال الفترة منذ العام 2003م وحتى الآن حراكًا كان يمكن أن يوصف بأنه إيجابي إلا أنَّ ملامح "الردة الديمقراطية" قد بدأت في الظهور وتعتبر الحالة المصرية النموذج الأبرز على ذلك.

 

وفي السياق قال التقرير الأمريكي في مقدمته العامة عن موجز ما ورد عن مصر: إنه بالرغم من أن النظام المصري الحاكم قد قام بتعديل الدستور بشكلٍ سمح بإجراء انتخابات رئاسية تعددية تشترك فيها عدة أحزاب وجرت بالفعل في سبتمبر من العام الماضي 2005م إلا أن مشاركة الناخبين كانت ضئيلةً، وكانت هناك تقارير حقوقية وإعلامية موثوقة عن تزوير واسع الانتشار أثناء التصويت، وقد حكم على المرشح الرئاسي أيمن نور، الذي جُرِّد من حصانته البرلمانية في ديسمبر المنصرم بالسجن خمس سنوات بتهمة التزوير بعد محاكمة دامت ستة أشهر قال التقرير الأمريكي عنها: إنها لم تكن على ذاتِ المعايير الدولية الأساسية الموضوعة في هذا المقام.

 

كذلك شهدت الانتخابات التشريعية التي جرت في الفترة ما بين التاسع من نوفمبر والسابع من ديسمبر المنصرمين استخدام الدولة ومرشحي الحزب الوطني الحاكم للقوى الأمن والأداة الأمنية بـ"صورة مفرطة" خاصةً ضد مرشحي الإخوان المسلمين في الانتخابات ورغم ذلك وكما ورد في التقرير فإنَّ مرشحي الإخوان حققوا نتائج عالية في الانتخابات.

 

وكان من نتيجة ذلك وغيره من العوامل أن شهدت الانتخابات إقبالاً ضعيفًا على التصويت وتلاعبًا كبيرًا في فرز الأصوات بالمقابل كما رفضت الحكومة استقبال مراقبين دوليين للإشراف على الانتخابات التشريعية كما جرى مع الانتخابات الرئاسية.

 

من خلال العرض الموجز السابق فإننا نستطيع أن نخلص بالحقائق التالية حول الوضع السياسي والحقوق العام في العالم العربي والإسلامي والسياسة الأمريكية في العالم بوجه عام ومن بين هذه الحقائق حقيقة أنَّ السياسةَ الأمريكية الشرق أوسطية والدولية غير عادلة وغير ذات مصداقية.

 

كذلك فإنَّ العالمَ العربي يُعاني من حكم أسوأ مجموعة من منتهكي حقوق الإنسان ورافضي خيارات التداول السلمي للسلطة وبالمقابل تغض واشنطن الطرف عنهم؛ لأنهم يخدمون مصالحها الخاصة في المنطقة وإلا كانت قد سعت للإطاحة بهم كما جرى مع صدام حسين في العراق.

 

بجانب ذلك أوضحت الحقائق السابقة أنَّ التغييرَ في العالم العربي لن يكون اعتمادًا على "منح" من الأنظمةِ الحاكمة التي أثبتت التجارب أنها غير قابلة للإصلاح أو ليس لديها قابلية للإصلاح أو اعتمادًا على دور أمريكي وغربي مشبوه هو في الأساس من دعم حكم هذه الأنظمة منذ نشأتها، فقط التغيير لن يأتي سوى عبر الجماهير والقوى التي تعبر عن هذه الجماهير.