بالرغم من بعض الآمال حول انتخابات الرئاسة الأمريكية بأن تأتي برئيسٍ غير منحازٍ بالكامل للكيان الصهيوني، أو يُساعد على فك الحصار غير الإنساني المفروض على قطاع غزة، إلا أن تلك الآمال سرعان ما تبخَّرت بعد التصريحات المحبطة لمرشحي الرئاسة؛ إذْ تبيَّن بصورةٍ جليةٍ أن تلك الانتخابات لن تأتيَ بجديدٍ فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، لا على صعيد القول ولا الممارسة؛ وذلك بعد أن ثبت أن الشيء الوحيد الذي اتفق عليه الجميع هو دعم الكيان الصهيوني، وقد وصل الأمر لدرجة تباري المرشحين في إظهار الولاء والدعم للكيان الصهيوني، حتى ولو كان ذلك على حساب القيم والمعايير الأمريكية!!.
أوهام أوباما
فعلى العكس مما كان ينتظره البعض من باراك أوباما أحد المرشحين لانتخابات الرئاسة الأمريكية ذي الجذور الإسلامية، والذي يتقدَّم بفارقٍ كبيرٍ عن منافسته هيلاري كلينتون في منافسات الحزب الديمقراطي الأمريكي لاختيار ممثِّله في تلك الانتخابات، عكست التصريحات الصادرة عن باراك أنه لا يقل تأييدًا ودعمًا للكيان الصهيوني عن منافسيه إن لم يكن أكثر منهم في هذا الشأن؛ إذ سبق له وأن صرَّح بأن الولايات المتحدة لن تعترف بفوز مرشحي حماس قبل أن تعلن الحركة عن تغيير بند تدمير "الكيان الصهيوني" من ميثاقها، وذلك بالرغم من فوز حركة حماس في انتخابات ديمقراطية شهدت بنزاهتها المنظمات الإقليمية والدولية التي تولَّت مراقبة الانتخابات التشريعية الأخيرة!!.
وذهب البعض إلى أن باراك أكثر نفعًا للكيان الصهيوني من نظرائه حتى ولو كانوا أكثر ولاءً للكيان الصهيوني، مشيرين إلى أن من شأن تولِّي مرشح أسود لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية أن يساعد الكيان الصهيوني في تحسين صورته أمام الرأي العام الأمريكي والدولي؛ حيث يحظى بتأييد واسع بين تلك القطاعات من الرأي العام الأمريكي والدولي المعادية لـ"إسرائيل"، سواءٌ بصورةٍ علنيةٍ أو خلف الأبواب المغلقة؛ حيث إنه بالنسبة لهم هو وسيط الوحي الجديد.
وفي هذا الصدد لُوحظ تأييد عدد كبير من الصحف الأمريكية الموالية لليهود لباراك أوباما؛ إذ أعلن "مارتين بيريتز" رئيس تحرير مجلة "نيو ريبابليك" البارزة، دعمه الكامل لـ"باراك أوباما" كمرشحٍ للحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة الأمريكية.
كما عبَّرت مطبوعة "نيو ريبابليك" التي تعرف بتأييدها الجارف لوجهات النظر السياسية "الصهيونية" المتشدِّدة وصراعها الصريح والسافر ضد الإسلام السياسي، عن تأييدها المطلق لأوباما في الفوز برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.
ليس هذا فحسب، بل حصل أوباما على دعم صحيفة "نيويورك صن" شديدة المحافظة، التي طالما عبَّرت عن مواقف الليكود التقليدية؛ حيث منحت تلك الصحيفة المباركة اليهودية لحملة أوباما الانتخابية.
وذلك التأييد- على ما يبدو- يعود إلى نجاح أوباما في طمأنة اليهود الأمريكيين وكسب تأييدهم؛ وذلك بعد أن صرَّح بأن "الكيان الصهيوني" له الحق في الوجود إلى الأبد كدولةٍ يهودية، ومن ثمَّ يجب على الفلسطينيين نسيان حق العودة.
ليس هذا فحسب، بل وتأكيده في أكثر من مناسبة أن الكيان الصهيوني هو أقوى حليف للولايات المتحدة الأمريكية، وأنه الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، وأنها الوحيدة التي تشارك واشنطن العديد من القيم الديمقراطية والحرية السياسية والاقتصادية، وكذلك حرية المرأة؛ الأمر الذي يحتِّم على أية إدارةٍ أمريكية جديدة أن تلتزم بالدفاع عن الكيان عن طريق توفير التمويل الكامل لدعم مشروعه العسكري؛ حتى يتمكَّن من ردع أية هجمات صاروخية قد يتعرَّض لها من قِبل طهران!!.
كما سبق لأوباما أن أدان قيام حزب الله اللبناني بالدخول في حرب ضد الكيان الصهيوني، متهمًا إياه بأنه خرق السيادة الصهيونية، وعرَّض الأمن والاستقرار الصهيوني للخطر، متناسيًا بل ومتجاهلاً الممارسات الصهيونية اللا أخلاقية في حق الشعب الفلسطيني المحاصر منذ أكثر من سبعة أشهر، والذي يتعرَّض لأشد أنواع الابتلاءات التي يمكن أن يتحمَّلها بشر؛ بسبب الانتهاكات الصهيونية المستمرة للأفراد والمنشآت الفلسطينية.
أوباما يدعم الكيان الصهيوني بلا حدود
وفيما يتعلَّق بدور الولايات المتحدة الأمريكية بعملية السلام بمنطقة الشرق الأوسط، ولا سيما بين الفلسطينيين والصهاينة، يرى أوباما أن الحرب الأمريكية في العراق (مارس 2003م) التي رفضها منذ بداياتها قوَّضت من فاعلية الدور الأمريكي في عملية السلام.

وأن على واشنطن من أجل أن تستعيد دورها عالميًّا وفي منطقة الشرق الأوسط، التخلص من العبء العراقي الذي يثقل كاهلها؛ باعتبار أن من شأن ذلك أن يُسهم بصورةٍ كبيرةٍ في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، ومن ثَمَّ تسهيل عملية الوصول إلى سلامٍ فعَّال بين الفلسطينيين والصهاينة، ولكن بشرط أن تنطلق تلك العملية من الحِفاظ على الأمن الصهيوني.
كما يرى أن التحديات المحدقة بالكيان الصهيوني تبدأ من التهديد الإيراني المحتمل، المتمثِّل في تصريحات رئيسها "محمود أحمدي نجاد" بمحو الكيان من على الخريطة، وإنكار المحرقة اليهودية، بالإضافة إلى تنامي نفوذ تنظيم القاعدة في منطقة الشرق الأوسط، وسيطرة حركة حماس على قطاع غزة والذي أصبح منطقةً لإطلاق صواريخ حماس على المدن والمستوطنات الصهيونية.
وأنه لكي تتم مواجهة تلك التحديات فإن الأمر- حسب تصريحات أوباما- يتطلَّب التعاون بين واشنطن وتل أبيب عسكريًّا وأمنيًّا؛ حتى تصبح الحكومة الصهيونية قادرةً على مواجهة أي تهديدٍ لأمنها الداخلي (حماس وفصائل المقاومة الأخرى)، أو الخارجي (إيران وسوريا).
الأمر لم يتوقف عند ذلك، بل سارع إلى مطالبة حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بعدم تأييد أي قرار لمجلس الأمن فيما يتعلَّق بالحصار المفروض من قِبل الاحتلال "الإسرائيلي" على قطاع غزة إذا لم يتضمن إدانةً للهجمات الصاروخية التي تطلقها المقاومة الفلسطينية على الكيان الصهيوني.
ويعني ذلك أن أوباما لم يختلف في دعمه للكيان الصهيوني عمَّا يفعله بوش الآن؛ الأمر الذي يفرض عدم التعويل كثيرًا على أوباما في حال فوزه بانتخابات الرئاسة الأمريكية فيما يتعلَّق بإمكانية حدوث تغيير في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط عمومًا والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص.
رؤى متشابهة
هيلاري كلينتون لم تختلف عن أوباما
ولم تختلف "هيلاري كلينتون" كثيرًا فيما يتعلَّق بدعم الكيان الصهيوني عن منافسها باراك أوباما؛ إذ حرصت هي الأخرى على إعلان تأييدها للكيان الصهيوني؛ وذلك بزعم أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني يشتركان في العديد من القيم، ولا سيما الديمقراطية وكذلك محاربة الإرهاب!!.

حيث ترى كلينتون- مثل أوباما- أن سيطرة حماس على قطاع غزة تشكِّل تهديدًا للأمن الصهيوني؛ حيث تصبح المدن والمستوطنات الصهيونية أكثر عرضةً لصواريخ حركات المقاومة الفلسطينية، وعلى وجه الخصوص حركة حماس.
بل حاولت هيلاري أن تتفوَّق على أوباما في إظهار الدعم للكيان الصهيوني عن طريق مطالبتها بزيادة المعونات العسكرية للكيان الصهيوني؛ انطلاقًا من الالتزام الأمريكي بالتفوق النوعي العسكري والتقني للكيان الصهيوني في مواجهة المخاطر التي تتهدده من جانب إيران وسوريا حسب زعمها؛ الأمر الذي يحتِّم على الولايات المتحدة أن تصون أمن الكيان الصهيوني؛ وذلك من منطلق أنَّ أمن وحرية الكيان الصهيوني يجب أن يكون من صميم التحرك الأمريكي بمنطقة الشرق الأوسط.
وقد سبق لهيلاري أن صوَّتت بالموافقة على المعونات العسكرية للكيان التي تصل إلى 2.4 مليار دولار كمساعدات عسكرية، و40 مليون دولار لمساعدة تل أبيب لاستيعاب المهاجرين من الاتحاد السوفيتي السابق، حسب مشروع قرار المساعدات الأمريكية الذي وافقت عليه لجنة الاعتمادات بمجلس الشيوخ الأمريكي في يونيو 2007م.
وكعضو في اللجنة العسكرية التابعة لمجلس الشيوخ دعمت هيلاري التعاون العسكري والتقني بين البلدين، كما أنها اجتمعت بالعديد من المسئولين الصهاينة؛ لمناقشة التحديات والمصالح المشتركة.
وفيما يتعلَّق بدور واشنطن في عملية السلام، اتفقت مع أوباما في أن المأزق الأمريكي في العراق أثَّر بالسلبِ على الدور الأمريكي في عملية السلام، ولإعادة تفعيل هذا الدور ترى أنه يجب على القيادة الأمريكية القادمة تقديم حلٍّ عملي وواقعي للمأزق الأمريكي في العراق، والذي سيمكِّن واشنطن من لعب دور بنَّاء في إعادة تفعيل عملية السلام بين الصهاينة والفلسطينيين، والذي يعني في نهاية الأمر الحِفاظ على الأمن الصهيوني.
حماس ماكين
ماكين دائم الهجوم على حركة حماس

منذ أن بدأ جون ماكين صراعه للحصول على ترشيح الحزب الجمهوري وهو يركز على إدانة حركة المقاومة الإسلامية حماس؛ حيث يرى المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمريكية أن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) تُمثل أكبر تهديدٍ للأمن الصهيوني؛ من خلال سيطرتها على قطاع غزة وتبنيها العنف والعمليات المسلَّحة ضد الصهاينة (المدنيين والعسكريين).
ويضيف أن حماس لا تسعى وراء إقامة دولة فلسطينية بقدر ما تسعى لإزالة الكيان الصهيوني، وأنها وإيران لا تريدان عملية السلام بمنطقة الشرق الأوسط، بل تريدان تدمير الكيان الصهيوني وإزالته من على الخريطة؛ فلذلك يرى أن واشنطن لا بد أن تعمل على عزل حماس دوليًّا، وتدعيم الحق الشرعي القانوني لدفاع تل أبيب عن أمنها ضد صواريخ حزب الله وحماس، والضغط على دمشق وطهران لوقف دعمهما لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحزب الله والجماعات التي ترى فيها واشنطن وتل أبيب أنها جماعات إرهابية.
واتساقًا مع باقي المرشحين، يدعو ماكين إلى تدعيم الكيان بكافة الأسلحة والتقنيات العسكرية المتقدِّمة تدعيمًا للتفوق الصهيوني النوعي على كافة الدول العربية الساعية إلى تدعيم قوتها العسكرية بالاعتماد على قوى دولية مناوئة للولايات المتحدة ولا سيما موسكو؛ وذلك من أجل الحفاظ على أمن واستقرار الكيان الصهيوني.
يعني ذلك أن مرشحي الرئاسة الأمريكية بالرغم من اختلافهم حول أمور عديدة، إلا أنهم قد اتفقوا حول شيء واحد؛ ألا وهو دعم وتأييد الكيان الصهيوني، وجعْل أمنه في مقدمة اهتمام الإدارة الأمريكية القادمة؛ مما يحتِّم علينا ألا نعوِّل كثيرًا على الإدارة الأمريكية القادمة في حدوث تغيير جوهري أو حتى طفيف فيما يتعلَّق بالصراع العربي الصهيوني، كما يحتِّم علينا أن نعمل من الآن جاهدين من أجل أن يُصبح للمسلمين الموجودين في الولايات المتحدة الأمريكية نفس الوزن الذي لليهود هناك؛ ذلك الوزن الذي يجعل لهم كل هذا التأثير على مرشحي الرئاسة الأمريكية للدرجةِ التي تدفعهم لأن يتباروا من أجل الحصول على تأييد وتعاطف الأمريكيين، وكأنَّ ذلك هو جواز مرورهم إلى البيت الأبيض، خاصةً أننا نملك الكفاءات البشرية والموارد المادية التي تُتيح لنا تحقيق آمالنا في هذا الصدد، ولكن يبقى السؤال: متى نبدأ التخطيط والتحرك الجاد وصولاً لذلك الهدف السامي؟!!.