وحدة الدراسات والبحوث

مرت أمس الخميس 30 مارس- بهدوء تام ودون أن يعلم أحدٌ تقريبًا باستثناء أصحاب القضية- ذكرى "يوم الأرض الفلسطيني" الذي تحل ذكراه في اليوم الثلاثين من مارس من كل عام، ذكرى الهبَّة الكبرى التي قام بها الشعب الفلسطيني في كافةِ المناطقِ الفلسطينيةِ المحتلةِ في العام 1948م في مثل هذا اليوم من العام 1976م بعد 28 عامًا من نكبة ضياع فلسطين سنة 1948م وتسعة أعوام تقريبًا من هزيمة يونيو من العام 1967م، والتي استكملت ضياع باقي الأراضي الفلسطينية ووقوعها في أيدي الصهاينة بما فيها القدس الشريف.

 

ويعتبر هذا اليوم- من خلال ملابساته كما سوف نطالع- أحدَ أهم صورِ التضامنِ ما بين عرب الداخل في فلسطين المحتلة عام 1948م وعرب الأرض المحتلة في العام 1967م، وأهم دليلٍ على استمرارِ الاتصالِ القومي والوجداني ما بين الفلسطينيين في أي مكان كانوا فيه كأحد أهم العوامل التي تضمن حيوية القضية الفلسطينية واستمرارها، خصوصًا في هذه الفترة التي تشهد محاولاتٍ عدة لتصفية القضية، كما أنه تعبيرٌ مهمٌّ من جانب عرب الداخلِ عن تمسكهم بهويتهِم الأصلية العربيةِ والإسلاميةِ في مواجهةِ محاولاتِ التذويب التي يقوم بها القائمون على تنفيذِ المشروع الصهيوني في فلسطين وإقناع نحو 1.3 مليون عربي يشكِّلون 20% من سكان الكيان الصهيوني بأنهم باتوا "إسرائيليين" هويةً ورسميًّا، وليسوا "فلسطينيين" مع عزلهم عن محيطهم الفلسطيني العربي الإسلامي.

 

والحقيقة أن الاحتفال هذا العام بيوم الأرض له خصوصيتُه؛ حيث يجيء في سياقات سياسية عديدة في الداخلين الفلسطيني والصهيوني على حدٍّ سواء، حيث أدَّت الحكومة الجديدة لحركةِ المقاومة الإسلامية "حماس" اليمينَ الدستورية أمس الأربعاء 29 مارس بكلِّ ما يحمله ذلك من أملٍ للفلسطينيين في علاج سلبياتِ مرحلةِ أوسلو، فيما أعلن عن فوزِ حزب كاديما بزعامةِ إيهود أولمرت في الانتخاباتِ العامةِ الصهيونيةِ المبكرةِ التي جَرَت أول أمس الثلاثاء، بما يؤشِّر إلى مرحلةٍ صعبةٍ قادمةٍ للملفِّ الفلسطيني في ظل ما يحمله برنامج كاديما الانتخابي من إشاراتٍ سلبيةٍ أهمها قضية ترسيم حدود نهائية للكيان الصهيوني بشكلٍ أحادي بعد ضمِّ كتل المغتصبات الكبرى لحدود الكيان الصهيوني.

 

يوم الأرض: مناسبة غائبة

يعود أصل الاحتفال بيوم الأرض إلى يوم 30 مارس 1976م؛ حيث اندلعت مظاهراتُ احتجاج على مصادرة أراضٍ زراعيةٍ في الجليل تعود لعرب فلسطين 48، وبلغت مساحة الأرض التي صُودرت حوالي خمسة آلاف هكتار من الأراضي المملوكة للعرب، وكانت تقع بين قريتي سخنين وعرابة- وهما قريتان عربيتان- أي حوالي 21 ألف دونم، وشملت أراضي من عرابة وسخنين ودير حنا وعرب السواعد، وكانت السلطات الصهيونية تصنِّف تلك المناطق على أنها "مناطقُ عسكريةٌ مغلقةٌ"، ثم قامت بعد ذلك بتطويرِها بشكلٍ مكثفٍ لإعدادها لسكنِ المغتصبين والمهاجرين اليهود ضمن مخطط شامل لتهويدِ الجليلِ؛ حيث كانت السلطات الصهيونية قد صادرت خلال الأعوام ما بين عامي 1948م و1972م أكثر من مليون دونم من أراضي القرى العربية في منطقة الجليل والمثلث.

 

ومن ثم قامت قيادات عرب الداخل بالدعوة إلى إضرابٍ عام واحتجاجات ومظاهرات بسبب ذلك، مما أدى إلى مواجهاتٍ واسعةِ النطاق بين العرب والشرطة الصهيونية وأجهزة الأمن الأخرى فسقط ستة شهداء ومائة من الجرحى والمصابين بالإضافة إلى نحو 300 معتقل، وأسماء الشهداء الستة هم: خديجة شواهنة، ورجا أبو ريا، وخضر خلايلة، وهؤلاء الثلاثة من أهالي قرية سخنين، وخير أحمد ياسين من قرية عرابة إضافة إلى كل من محسن طه من قرية كفر كِنَّا، ورأفت علي زهدي من قرية نور شمس واستشهد في قرية الطيبة.

 

وكان ذلك بسبب استخدام قوات الشرطة والجيش الصهيونية للعنفِ المفرطِ في التعاملِ مع الإضرابِ العامِّ الذي أُعلِن في ذلك اليوم والمظاهرات والاحتجاجات التي صاحبته والتي دعت إليها اللجنة القطرية للدفاع عن الأراضي- شُكِّلت في يوليو من العام 1975م- سواء بإطلاق الرصاص الحي، أو استخدام القنابل المسيلة للدموع، أو استعمال الهراوات واقتحام البيوت والاعتداء على النساء والأطفال وغير ذلك من الإجراءاتِ الإجراميةِ القمعية.

 

ومن خلال شهادات الفلسطينيين الذين عاصروا هذا الحدثَ فإن البداية الحقيقيةَ للأزمةِ تعود إلى ما قبل هذا التاريخ بنحو عام، أي في العام 1975م حينما أعلنت سلطاتُ الكيانِ الصهيونيِّ عن خطةِ تهويدِ الجليلِ تحت اسم "مشروع تطوير الجليل"، وهو مشروعٌ اكتسب أهميتَه من ثلاثةِ نواحٍ: الأولى أنه سوف يكون بدايةَ كسر مقاومةِ عرب الجليل لسياسات الاغتصاب والتوطين الصهيونية في هضبة الجليل بشقَّيها الأعلى والأدنى، حيث كانت هي المنطقةَ الوحيدةَ في الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1948م التي احتفظت بأغلبيتها العربية.

 

الناحية الثانية هي تلك المتعلقة بأهمية الجليل الإستراتيجية من حيث كونها موقعًا حاكمًا في مواجهةِ هضبةِ الجولان السوريةِ المحتلةِ من جهة والجنوب اللبناني من جهة أخرى، كما أنها- أي الهضبة- تسيطر على بحيرة طبرية والمنازل والمطالع الإستراتيجية لنقاط الهجوم والدفاع أمام الحدود السورية واللبنانية، وبالذات في منطقة إصبع الجليل شمال غربي فلسطين، أما ثالث هذه النواحي التخطيط الصهيوني لتحويل الجليل إلى قلعة صناعية تسهم في دعم الاقتصاد الصهيوني.

 

الاستيلاء على الأراضي العربية

تعتبر الأرض أحد أهم ثلاثة أركان تمثِّل فيما بينها الأسسَ الرئيسةَ للمشروع الصهيوني في فلسطين وهي- بجانب عنصر الأرض- الإنسان اليهودي والديانة اليهودية ذاتها بكل ما حملها الأحبار اليهود الأوائل- ممن حرَّفوها عما أنزله الله تعالى بها- من أساطير وخرافات تتعلق بفلسطين والقدس بالذات.

 

ولذلك ومنذ أن أخذ المشروع الصهيوني شكلَه التنظيميَّ بعد المؤتمر الصهيوني الأول بمدينة بال السويسرية في العام 1896م كان التركيزُ على قضيةِ الاستيلاءِ على الأراضي العربية في فلسطين لصالح المهاجرين اليهود الأوائل، ولو باستخدامِ أساليبِ السرقةِ والترهيبِ لو لم يفلح المال في ثني العربي عن عدم بيع أرضِه أو التخلِّي عنها، وكان هناك عددٌ كبيرٌ من الأجهزةِ في الوكالةِ اليهوديةِ، والمنظمةُ الصهيونيةُ العالمية مسئولةٌ عن هذه العملية وبخاصة شراء الأراضي العربية في فلسطين وحماية التجمعات الاستيطانية الأولى لليهود فيها.

 

وعند تتبع تاريخ محاولاتِ الكيانِ الصهيونيِّ الاستيلاء على الأراضي الفلسطينيةِ منذ أزمةِ العام 1947م عندما أحالت بريطانيا ملفَّ المسألةِ الفلسطينيةِ إلى الأممِ المتحدةِ في فبراير من ذلك العام، وصدور قرارِ التقسيمِ الشهير رقم "181" في نوفمبر من ذلك العام نجد أن العصاباتِ الصهيونيةَ كانت تملك سواء بالشراء والإرهاب نحو ما بين 5% إلى 7% فقط من أراضي فلسطين، إلا أن هذا القرار أعطاها 14 ألف كلم2 من مجموعِ مساحةِ أراضي فلسطين البالغة 26 ألفًا و323 كلم2 أي نحو 55% من إجمالي مساحة فلسطين.

 

ثم تمخَّضت حرب 1948م عن احتلال العصابات الصهيونية في فلسطين لمساحاتٍ من الأراضي تزيد على المساحةِ التي قُرِّرت لليهودِ لها طبقًا لقرارِ التقسيم، حيث استولت القواتُ الصهيونية- علاوة على ما خُصِّص لها من أراضٍ في التقسيم- على "الجليل الغربي"- حيث اندلعت انتفاضةُ يوم الأرض- وغربي القدس ويافا وعكا واللد والرملة إضافة إلى مئات من القرى العربية.

 

وهكذا أصبحت مساحة الأراضي الواقعةِ تحت سيطرة العصابات الصهيونية 20 ألف و900 كلم2 من مجموع مساحة فلسطين أي أن الدولة اليهودية اتسعت من 14 ألف كلم2 حسب التقسيم إلى 20.9 ألف كلم فيما تقلصت الدولة العربية من 11.8 ألف كلم2 إلى 5.4 آلاف كلم2 فقط، أي أصبح اليهود الذين كانت تبلغ نسبتهم 30% من سكان فلسطين في ذلك الوقت يملكون 80% من مساحتها في حين حشر العرب الذين كانوا يمثلون 70% من تعداد السكان في مساحة هي 20% من أرض فلسطين التاريخية.

 

وبموجب مجموعة من القوانين المشبوهة، سواءٌ تلك التي ابتكرتها العقلية الصهيونية أو ورثتها السلطات الصهيونية عن مرحلةِ الانتدابِ البريطاني أو الحكمِ العثماني في فلسطين مثل قانون أملاك الغائبين والمصادرات بحجة الأمن أو ترتيب أوضاع دفاعية وعسكرية أو غير ذلك بدأت سلسلةٌ من الإجراءاتِ الصهيونيةِ للاستيلاء على أراضي الفلسطينيين، سواء في أراضي الـ48 أو أراضي الـ67 مما كان التركيز فيه على المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية العسكرية والأمنية، وكذلك الدينية لدى الصهاينة مثل القدس والخليل والنقب والجليل الأعلى والأدنى وقطاع غزة قبل إخلاء مغتصباته والانسحاب منه في سبتمبر الماضي 2005م.

 

وفي دراسةٍ مهمةٍ أعدَّها مركز حقوق السكن والتهجير (COHRE)- ومقرُّه مدينة جنيف السويسرية بالتعاون مع مركز "بديل" الفلسطيني- قال معدُّو الدراسةِ إن اليهود يسيطرون الآن بعد نحو ستين عامًا من الاحتلال المباشر لفلسطين على نحو 90% من أراضي فلسطين التاريخية.

 

ويقول المدير التنفيذي للمركز سكوت ليكي طبقًا لهذه الدراسة: "إن الفترة ما بين 1948م و1949م- فترة تأسيس "دولة إسرائيل"- رافقها أكثر من 30 عملية عسكرية مستقلة شُنَّت من قِبَل القوات اليهودية- "الإسرائيلية" والتي كانت محصلتها تهجير أكثر من 800.000 فلسطيني وتدمير 531 مدينة وقرية فلسطينية تم الاستيلاء عليها".

 

وتظهر الدراسة- التي نشرتها مجلة (الوطن) الفلسطينية- أنه في سنة 1949م قامت السلطات الصهيونية بمصادرةِ ما يقارب 20.500 كلم2 من أراضي فلسطين التاريخية، اعتمادًا على مجموعةٍ من القوانين التي صُمِّمت خصيصًا لذلك، ومن هذه الأراضي كان الفلسطينيون يملكون- سواء بشكل شخصي أو بصورة جماعية- حوالي 90% منها، أي ما يقارب الـ18.850 كلم2 منها حوالي 85%- أي نحو 16.000 كلم2- كانت تتبع للقرى المُهجَّرة.

 

فمثلاً هناك قانون "منع التسلل" الصادر في العام 1954م من أجل إبعادِ "مهجري الداخل"- وهم من عرفتهم الدراسة على "أنهم المهجرون الفلسطينيون الذين تركوا قُراهم واعتُبِروا غائبين عنها ولكنهم بقوا داخل فلسطين"- وهؤلاء "الغائبين" اعتُبِروا متسللين، وعند القبض عليهم كان يتم إبعادهم عن قُرَاهم وعن وطنهم.

 

وفي الفترةِ ما بين سبتمبر 2000م- شهر اندلاع انتفاضة الأقصى- ومايو 2003م- طبقًا للمدى الزمني لهذا الدراسة- قُدِّرت الأراضي الفلسطينية التي تمَّ مصادرتها بحوالي 848 كلم2، وفي السياق العام فإن عرب فلسطين الآن يملكون أقل من 3.5% من الأرض في فلسطين رغم أنهم 20% من تعداد السكان.

 

واستولت السلطات الصهيونية على نحو 4000 كلم2 من الأرض في الضفة الغربية منذ العام 1967م- مساحة الضفة تزيد على الـ5400 كلم2- كذلك فإن بناء جدار العزل العنصري أدَّى إلى استيلاء الصهاينةِ على أراضٍ واسعةٍ من مدن فلسطينية واقعةٍ على مساره ومن بينها طولكرم وقلقيلية وجنين والقرى المحيطة بها جميعًا، وعند اكتمال الجدار- والذي من المفترض أن يحيط بكل حدود الضفة الغربية مع الكيان الصهيوني- فإن الأراضي المُصادَرة من أجل إقامته ستقلِّص مساحةَ الضفةِ الغربية بنحو 15%، ولو تمَّت مشروعات "القدس الكبرى" كما ترغب السلطات الصهيونية فإن مساحة الضفة سوف تتقلص بنحو 20%.

 

وقبيل الاحتفال بيوم الأرض للعام الحالي أصدر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني تقريرًا صحفيًّا أورد بعض الإحصائيات الجديدة حول مساحة الأراضي التي أدخلتها سلطاتُ الاحتلال الصهيونية في المغتصبات الصهيونية في الضفة الغربية، وقال إنها بلغت 187.1 ألف دونم، أي ما نسبته 3.3% من أراضي الضفة المحتلة.

 

وأوضح التقرير أن أكبر مساحة من الأراضي المبنية في المغتصبات اليهودية كان في محافظة القدس، وبلغت 44.4 كلم2 أي ما نسبته 12.9% من أراضي المحافظة، ثم محافظة رام الله والبيرة حيث بلغت 30.3 كلم2 أي ما نسبته 3.5% من أراضي المحافظة، وقال التقرير إن عدد المغتصبات "الرسمية" في نهاية العام 2004م في الضفة الغربية بلغ 148 مغتصبة، غالبيتها بطبيعة الحال كان في محافظة القدس بإجمالي 26 مغتصبة منها 16 مغتصبة تمَّ ضمها إلى الكيان الصهيوني، ثم في محافظة رام الله والبيرة بإجمالي 24 مغتصبة.

 

وأضاف التقرير قائلاً إن الاحتلال الصهيوني صادَرَ عشراتِ الآلاف من الدونمات في الضفة الغربية من أصحابِها الفلسطينيين؛ لإقامةِ جدارِ العزل العنصري، حيث بلغت مساحة الأراضي المصادَرة التي أُقِيم عليها الجدارُ حوالي 47.9 ألف دونم، وذلك حتى شهر يونيو من العام 2005م، كما بلغت مساحة الأراضي الفلسطينية المعزولة والمحاصرة بين الجدار وخط الهدنة المعروف بالخط الأخضر حوالي 301.1 ألف دونم يسكنها 44.3 ألف فلسطيني.

 

وطبقًا للتقرير فإنه من المتوقَّع عند الانتهاء من إقامة الجدار أن يتمَّ ضم الكثير من كتل المغتصبات الصهيونية الكبيرة في الضفة الغربية لحدود الكيان طبقًا لخطط رئيس الوزراء الصهيوني المكلف إيهود أولمرت زعيم حزب كاديما كما جاء في برنامجه الانتخابي، وأهمها تجمع مستوطنات معاليه أدوميم، والذي يعزل القدس المحتلة عن محيطها الفلسطيني.

 

وكذلك تجمعات المغتصبات الكبرى في غور الأردن والتي بدورها سوف تعزل أراضي الضفة الغربية، وتحرم الشعب الفلسطيني من سلته الغذائية، وكذلك تجمع مستوطنات أرييل التي تقسم أراضي الضفة الغربية إلى قسمين وتمتد لأكثرَ من 20 كم من الخط الأخضر داخل الضفة الغربية باتجاه الشرق.

 

عرب الداخل وهموم عدة

الطرف الثاني من معادلة يوم الأرض- بعد الأرض ذاتها- هو عرب الداخل أو عرب فلسطين 48 وهم فئةٌ تعاني من الكثير من ألوان التمييز العنصري ويعيشون كمواطنين من الدرجة الثانية في بلادهم ويكفي هنا بعض النماذج.

 

في مايو من العام الماضي 2005م أقرَّ الكنيست ما عُرِف وقتها بمجموعة من القوانين العنصرية باسم "أنظمة المواطنة" أو "أمر المواطنة والدخول إلى "إسرائيل"، وذلك لمنع لمِّ شمل عائلات المواطنين العرب المتزوجين من فلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة بعد أن قامت لجنةٌ وزاريةٌ صهيونيةٌ في الخامس من مايو بالمصادقة على تمديد مفعول القوانين التي صُودِق عليها في العام 2000م في هذا الشأن وتشديد القيود التي تمنع منح المُوَاطَنَة "الإسرائيلية" لفلسطينيين من خارج الكيان الصهيوني أي من اللاجئين الفلسطينيين الذين تنحدر أصولهم من المناطق التي أُعلِن عليها قيامُ دولة الكيان الصهيوني عام 1948م ولا يزال لهم عائلاتٌ تعيش فيها.

 

وفي هذا الإطار يعيش عرب الداخل واقعًا سيئًا مع سيطرة الفكرة الصهيونية فيما يخصهم ويخص هوية الكيان الصهيوني ذاته كـ"دولة يهودية" يراد الحرص على نقائها على ذهنية صانع القرار الصهيوني، حيث لا تخرج احتمالات التعامل مع الملف العربي هناك عن خيارين:

 

1- الدمج والاستيعاب الفكري على مستوى الهوية وليس على المستوى المادي أو مستوى الحقوق.

2- الاستئصال والطرد خارج جغرافية الدولة العبرية وسكانها من اليهود.

 

بالإضافة إلى وجود بدائل أخرى أقل تطرفًا من ذلك وهي العزل العنصري والتهميش السياسي والاقتصادي وتبديل الهوية العربية والإسلامية لهم وتمييعها، وهو ما يطرح تساؤلاً مهمًّا حول مصير عرب الداخل.

 

في إطار ما تمارسه السلطات الصهيونية من انتهاكات لحقوق الإنسان العربي هناك يمكننا رصد المظاهر الآتية:

 

قضية المُهَجَّرين: هناك مجموعةٌ من القوانينِ الصادرةِ في الكيانِ الصهيوني منذ نشأته وهي نحو ثلاثين قانونًا نذكر منها بخاصة قانون أملاك الدولة الصادر عام 1950م وقانون الغائبين وأملاكهم، وبموجب هذه القوانين لا تعترف السلطات الصهيونية بحق أي فلسطيني بالعودة إلى أرضه أو بيته فتصادرها جميعًا وجميع أملاكه الأخرى مهما كانت ظروف مغادرته، فإن حدث مثلاً وقام أحد العرب بالسفر ليس إلى خارج الكيان الصهيوني بل من مدينة إلى أخرى داخل حدود الكيان الصهيوني فإنه يُمنع في كثير من الأحوال من العودةِ إلى مدينته الأولى بعد غيابِه لفترةٍ معينةٍ طبقًا للقوانين العنصرية وغير الإنسانية المعمولِ بها هناك، ويتم الاستيلاء على أملاكه فيها لاسيما العقارات والأراضي.

 

قضية المدن المختلطة: وهي يافا وحيفا وعكا واللد والرملة وبخلاف من بقوا فيها من العرب وهم نحو 130 ألفًا أصبح باقي عدد السكان فيها من اليهود المُهجَّرين الدخلاء، ولا يُسمح بإقامة حي سكني عربي جديد فيها، بل يتم تصفية تلك الأحياء العربية القائمة هناك في هذه المدن بالفعل والتضييق على أصحابها حتى يتركوها لفترات طويلة فتصادر أو يقومون ببيعها لليهود أو للسلطات الصهيونية.

 

المصادرة: كما رأينا بشيء من التفصيل ونتيجة لمجموعة من السياسات والقوانين الصهيونية تقلصت مساحاتُ الأراضي التي يمتلكها عرب الداخل إلى نحو 3.5% من إجمالي مساحات الأراضي هناك، وتقلصت مساحات الأراضي المتاحة للفرد العربي في الكيان الصهيوني من نحو 27 ألف متر مربع عام 1948م إلى نحو 500 متر فقط عام 2001م مقابل 18 ألف متر مربع لكل فرد يهودي، وتبعًا لذلك فإن الأراضي والعقارات المسجلة باسم فلسطينيي الـ48 في تناقص مستمر مع تزايد مساحات المصادر منها، ولا تعترف السلطات الصهيونيةِ حاليًا بنحو مائةِ قريةٍ فلسطينيةٍ داخل الخط الأخضر، مما يعني أنها هي الأخرى عرضةً للمصادرة.

 

التهديد بالترانسفير: إن المطلع على التصريحاتِ الصادرةِ والخطط التي تتسرَّب من خزائن قادةِ الحكوماتِ الصهيونيةِ، ومنهم رئيس الوزراء السابق "المريض" إرييل شارون ورئيس شعبة المخابرات العسكرية الصهيونية "أمان" السابق- أيضًا- الجنرال أهارون ياريف ورئيس الوزراء العمالي الأسبق إيهود باراك وغيرهم فإنَّ خيار الترانسفير مطروحٌ بقوة كخيارٍ له الأولوية في التعامل مع ملف العرب في الكيان الصهيوني، حيث أشار كل منهم إلى إمكان استخدام ظروف حرب قائمةٍ أو طارئةٍ لتهجيرِ نحو سبعمائةِ أو ثمانمائةِ ألف عربي من الكيانِ الصهيوني، وكانت الأردن هي المرشحَ الأول كوجهةٍ لهؤلاءِ المهجرين، وسنشير بشكل أكثر تفصيلاً لهذا الملف في موضع لاحق.

 

سياسة هدم البيوت: وهناك من المؤشرات ما يؤكد كون هذه السياسة أمرًا أساسيًّا ومبرمجًا في أجندةِ الحكوماتِ الصهيونيةِ أيَّا كانت طبيعتها أو انتماءاتها السياسية، وهنا يكفي أن نسوق مثالاً قدَّمه السيد نمر سلفيتي رئيس هيئة الدعوة والإغاثة العليا داخل الخط الأخضر، وهو أنه على سبيل المثال لا الحصر فقط في الفترةِ ما بين عامي 1992م و1996م قامت السلطاتُ الصهيونيةُ بهدم نحو أربعين ألف بيتٍ تؤول ملكيتها للعرب في منطقة النقب.

 

الاضطهاد الديني: رغم كافة الادِّعاءات الصهيونيةِ بأن السلطاتِ اليهوديةِ تُعامِل العربَ هناك على أساس أنهم مواطنون في دولةٍ ديمقراطيةٍ، إلا أن السلطاتِ الصهيونيةَ تخالف في تعاملها مع العرب من فلسطيني الـ1948م في هذا الصدد المادة رقم "27" من الإعلانِ العالمي لحقوقِ الإنسانِ، حيث سجَّلت الدوائر الحقوقية والسياسية العربية هناك مظاهرَ عديدةً لحرمان الكيان الصهيوني للعرب هناك من حقهم الديني لاسيما المسلمين منهم، فهناك نحو 1200 مسجد دُمِّروا منذ عام 1948م ومساحات كبيرة من أراضي الوقف الإسلامي جرى الاستيلاءُ عليها وتمَّ مسح معالم المقابر الإسلامية، ولم يبق من المساجد التي هجرت بعد نكبة 1948م سوى نحو 100 جرى تحويلُها إلى متاحفَ وحاناتٍ وحظائرِ أبقار، وجرى شق الطرق والبناء على مقابر الفلسطينيين في أراضي الـ48، ومن الاضطهاد الديني أيضًا فصل الأئمة المعيَّنين من جانب وزارة الأديان الصهيونية فصلاً تعسفيًّا غير مبرر.

 

التمييز العنصري والقومي: وفي هذا الصدد يمكننا رصد عددٍ من المؤشرات، حيث يعاني العرب في الكيان الصهيوني من مظاهرَ تمييزيةٍ عدة بسبب هويتهم مثل سوء المعاملة من جانب الأجهزة الحكومية الصهيونية وعدم قبول الشركات الكبرى الصهيونية تعيين العرب، كذلك تتحكم المخابرات الصهيونية في عمليةِ التعيينات في قطاع التربية والتعليم.

 

ممارسات أخرى عامة: بخلاف ما سبق يلاحظ وجود مجموعةٍ من السياسات التمييزية الصهيونية الأخرى بحق هذه الفئة، ومن ذلك تبني سياسة تقوم على العزل الإقليمي والتفتيت البنيوي للعرب على أسس جغرافية أو دينية- طائفية أو طبقية أو قبلية أو وفقًا لهذه الأسس دفعة واحدة، نحو المزيد من القطيعة التي استهدفت نبذ هذه الشريحة في كانتونات ومعازل متعددة الأنماط جغرافيًّا وثقافيًّا وسياسيًّا بطبيعة الحال.

 

وكل تلك الممارسات لا تشمل بطبيعة الحال مشكلات التعليم أو الفقر أو البطالة في أوساط عرب الداخل فمثلاً قال البنك المركزي الصهيوني- بنك "إسرائيل"- في تقريرٍ حديثٍ له إن نصف العائلات العربية في الكيان الصهيوني تعيش تحت خط الفقر ويتسم الوسط العربي الذي يكون أفرادُه خُمس مواطني الكيان الصهيوني بمستوى تطور اقتصادي متدنٍ مع ارتفاع في نسبة البطالة أو العمل في وظائف منخفضة "غير محترمة" على سلم الوظائف في سوق العمل الصهيوني.

 

أما في قطاع التعليم فتكفي هنا شهادة صحفي صهيوني يدعى رعنان بن تسور!! قدمها في مقالٍ له تحت عنوان "التمييز ضد التعليم العربي متواصل" ونشرته جريدة (يديعوت أحرونوت) الصهيونية قبل فترة علق فيه على التقرير الذي أصدرته لجنة "متابعة قضايا التعليم في الوسط العربي في "إسرائيل" والذي قام بإعداده الدكتور خالد أبو عصبة من معهد "مسار" للأبحاث، وقال بن تسور إن التقرير أشار إلى أن جهاز التعليم العربي في الكيان الصهيوني يواجه التمييزَ ولا يتمُّ إشراك الأكاديميين ورجال التعليم العرب في القراراتِ المتعلقةِ بهذا الجهاز مع تدخلٍ سياسي تعسفي من جانب السلطات الصهيونية في تحديدِ البرامج التعليمية.

 

هذه هي بعض من ملامح عامة وقشور لمأزق كبير يواجهه أهلنا من عرب فلسطين المحتلة في العام 1948م، وهذه القشور تعكس صورةً مشوهةً لهؤلاء في بلادهم الأصلية وأرضهم التاريخية، في يوم الأرض.