يرد استهداف السودان الجاري الآن ضمن السياق العام للأهداف الكونيَّة لإستراتيجية المحافظين الجدد واليمين الديني الأصولي المتطرف في شقيِّه الأمريكي والصهيوني، ومراكز القوى التي تشكل عصب المركب الصناعي- العسكري- التبشيري الممسك بزمام صناعات النفط والسلاح والإعلام والرأسمال.

 

أول الإشارات ذات الدلالات الموحية لذلك تمثَّلت في مذكرة المحافظين الجدد إلى الرئيس بيل كلينتون في كانون الثاني 1998م التي اشتملت على مطالبَ أبرزها ضرورةُ العمل على بناء الإمبراطورية الأمريكية الكونيَّة وإعادة هيكلة وإخضاع منظمة الأمم المتحدة، والعمل على إسقاط ستة من أنظمة الحكم العربية الإسلامية وثقافتها وإخضاع مكوناتها للأمركة والتذويب، إضافة إلى إحكام السيطرة على الثروة النفطية العربية وحماية وتأمين (إسرائيل).

 

عندما وصل المحافظون الجدد إلى الحكم في أمريكا عام 2000م بدأ الشروع الفوري في إنفاذ إستراتيجيتهم المعلَنة التي كان من حصادها احتلالُ أفغانستان والعراق واستهدافُ الأقطار المشار إليها في المذكرة المشهورة والعمل على تفكيك وتفتيت البناء المجتمعي العربي الإسلامي على أسس عِرقية وعنصرية وطائفية ومذهبية، وتكريس قاعدة المحاصصة في قسمة السلطة والثروة والإدارة.

 

كانت الملامح البارزة في إنفاذ تلك الإستراتيجية في السودان تتجسد في العناصر الآتية:

- احتواء نظام الحكم الإسلامي في السودان من الداخل لأجل إسقاطه.- استثمار حالات الوهن والضعف الساكنة في التركيبة الاجتماعية والإنسانية لشمال السودان العربي المسلم؛ لضرب أسفل جدارها بإثارة الفتن وتغذية الصراعات، ووضع العربي المسلم في مواجهة الأفريقي المسلم.

- إعادة هيكلة وترتيب الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية لصالح مشروع السودان الجديد القائم على مرتكزي الأفرقة والتنصير.

- التحكم والسيطرة بموارد السودان البكر التي لم تمسها يد الاستثمار والتوظيف التنموي الراشد، المنظور إليها باعتبارها واحدة من أكبر الثروات الخام في العالم الثالث "زراعية، ومائية، ومعدنية، ونفطية.. الخ".

 

لهذا كان التحالف الأمريكي الأوروبي (وسنده الأفريقي) حاضرًا في تسوية نيفاشا التي أوقفت الحرب بين الشمال والجنوب، وأعطت الجنوب ثقلاً سياسيَّا واقتصاديَّا وعسكريَّا أعلى من وزنه وحجمه.

 

 ولقد تواصل إنفاذ إستراتيجية ضرب أسفل جدار السودان- وخاصة جداره العربي الإسلامي- بعد اتفاقية نيفاشا بتفجير الأوضاع في إقليم دارفور وتأزيم الأوضاع في شرق السودان لشد أعصاب وموارد وقدرات الدولة البشرية والاقتصادية، خاصة بعد دخول عائدات النفط في دورة الاقتصاد الوطني، ونشير هنا إلى أن الدولة صرفت على حزمة مجهودات السيطرة على الفتنة في دارفور في أقل من ثلاث سنوات أكثر من 800 مليار دينار سوداني، أي حوالي 400 مليون دولار أمريكي.

 

إقليم دارفور والثروات الطبيعية

يزخر إقليم دارفور بالثروات والموارد، ويشكِّل العرب أكثر من 65% من سكانه، والمتبقي من السكان كلهم مسلمون يتحدثون اللغة العربية، ومن ضمن الثروات الكامنة في دارفور يأتي النفط واليورانيوم والنحاس والثروة الحيوانية في الصدارة، ولهذا تأسست الإستراتيجية الأمريكية والأوروبية على فصل الإقليم عن السودان بتأسيس كيان مستقل، مع العمل على بناء أنبوب لنقل بترول الإقليم بعد استخراجه وربطه بالأنبوب التشادي الذي موَّله البنك الدولي بعدة مليارات من الدولارات لنقل خام دارفور وتشاد إلى ميناء دوالا في الكاميرون على المحيط الأطلسي.

 

وندلل على رغبة الغرب الأمريكي والأوروبي و(إسرائيل) على احتلال دارفور وفصلها عن السودان بإبداء بريطانيا واستراليا استعدادهما لوضع خمسة آلاف جندي عام 2003م للتدخل في دارفور، كما أعلنت فرنسا عن استنفار قواتها في تشاد للتدخل في دارفور، وكذلك إعلان رئيس اللجنة العسكرية للاتحاد الأوروبي جوستاف هالان بأن قوةً عسكريةً أوروبيةً قد تتدخَّل في دارفور، كما أعلنت ألمانيا موقفًا مشابهًا، وكانت الحجة المعلنة للتدخل هي وقف (الإبادة الجماعية) (والاغتصاب) (والتطهير العرقي)، وهي اتهاماتٌ تماثل تمامًا أكاذيب أسلحة الدمار الشامل العراقية التي تم بموجبها احتلال العراق.

 

ظلت السياسات الغربية المستهدفة للسودان توظِّف جيرانَه من الأفارقة كأدوات لتأزيم وتفجير الأوضاع في السودان، وظلت تلك السياسات سائدةً طيلة حقبتي الرئيس كلينتون في الإدارة الأمريكية، وفُعِّلت بشكل مركزي لدى وصول المحافظين الجدد واليمين الديني الأصولي للحكم الأمريكي في عام 2000م، وعندما انفجرت الأوضاع في دارفور (رغم أننا لا نشك في وجود مظالم تاريخية لأهل دارفور) في أعقاب توقيع اتفاقية السلام كانت قوات الاتحاد الأفريقي المعززة بالتمويل وبالتفجيرات الغربية في مقام البديل المرحلي لقوات التحالف الأطلسي في دارفور، وذلك لاعتبارات وأسباب متعددة أبرزها الخوف من تفاعلات وتداعيات احتلال العراق وأفغانستان وابتزاز سوريا ولبنان والإبادة المنهجية للفلسطينيين، مع صعود قوى وتيارات المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق وانغماس الولايات المتحدة في الوحل العراقي.

 

عقبات أمام المشروع الأمريكي

لكن المشروع الإمبراطوري الأمريكي للألفية الثالثة لا يسير وفقًا لحسابات المحافظين الجدد، فهناك العديد من حالات الإخفاق المحورية في الداخل الأمريكي وفي الخارج في أمريكا اللاتينية أوكرانيا ووسط آسيا، وتشكل الحالة العراقية كعب أخيل ذلك المشروع، مع ذلك فإننا لا نراهن على فكرة انهيار المشروع وتراجع دهاقنته، فهم يطرحون الآن أن السودان يمكن أن يشكل بديلاً واحتياطيَّا للعراق فيما إذا تعذَّرت وأخفقت سيطرتهم على الأوضاع الجامحة هناك.

 

ولهذا تمَّ توظيف الاتحاد الأفريقي كآليةٍ يمكن أن تمهِّد الطريق لاحتلال دارفور باستخدام الفصلِ السابع من ميثاق الأمم المتحدة، خاصة أن الأمين العام للمنظمة الدولية هو طوع البنان الأمريكي وغارق حتى أذنيه في مستنقع فساد النفط مقابل الغداء.

 

وهكذا تأسس التحالف المناهض للسودان والمعادي لوحدته وثقافته من الولايات المتحدة و(إسرائيل) والاتحاد الأوروبي والقطاع الأغلب من دول الاتحاد الأفريقي، وقد تجلَّى دور الاتحاد الأفريقي ضمن إطار ذلك التدبير في واقعة التآمر مع الغرب بانتزاع حق السودان في رئاسة دورة الاتحاد الأفريقي التي انعقدت في الخرطوم الشهر الماضي، وكذلك في توصية مجلس الأمن والسلام الأفريقي في اجتماعه رقم 45 في يناير الماضي على مستوى المندوبين الدائمين، التي اعتمدت في اجتماعها رقم 46 في مارس 2006م على مستوى وزراء الخارجية الخاصة بتفويض وتخويل ولايته في حفظ السلام في دارفور والإشراف على مفاوضات أبوجا التي جاءت بتكليف من حكومة السودان إلى الأمم المتحدة، وذلك بدعوى عدم وجود موارد مالية تعزِّز استمرارية دور الاتحاد الأفريقي في دارفور.

 

يؤخذ في الحسبان أن مخطط نقل ولاية الأمم المتحدة على الأوضاع في دارفور جاءت بتنسيق كامل بين الإدارة الأمريكية وقيادة الاتحاد الأفريقي وبإسناد من الاتحاد الأوروبي تحت لافتة الشراكة بين الاتحاد والأمم المتحدة.

 

وأخيرًا صدر قرار مجلس الأمن الدولي في اجتماعه يوم 24 مارس 2006م قابلاً للتوصية المبدئية الصادرة عن مجلس الأمن والسلم في اجتماعها للاتحاد الأفريقي رقم 46 في 10 مارس 2006م، وكلف المجلس الأمين العام للأمم المتحدة لبلورة خيارات لإنفاذ قرار مجلس الأمن في فترة أقصاها يوم 23 أبريل 2006م، وذلك أمر يعني تدخلاً أجنبيَّا احتلاليَّا لإقليم دارفور، مما يؤدي بالفعل إلى تعقيد الأوضاع في الإقليم واتساع رقعة الصراع الأهلي وسط السكان، وإغلاق منافذ التسوية السلمية بين الحكومة والتمرد، كما يقود إلى تفجير سلسلة من التوترات والصراعات على امتداد إقليم غرب أفريقيا.

 

إن ما يخطط ويدبر لإقليم دارفور والسودان بكامله لا ينفك عن الأهداف الكلية للإستراتيجية الكونية الأمريكية التي تستهدف بشكل مركزي كل الوطن العربي، جغرافية وبشرًا ووجودًا وموارد، كما تستهدف كذلك الاستحواذ على ثروات القارة الأفريقية لصالح الشركات متعددة الجنسيات، ولهذا فإن المطلوب من كل القوى الحية في العالم العربي:

- رفض التدخل الأجنبي وعدم القبول بقوات أممية في أراضي دارفور.

- استمرار قوات الاتحاد الأفريقي في مهماتها ودعمها بقوات إضافية من الدول العربية لسد النقص القائم في قدراتها.

- بناء جبهة داخلية قوية ومتراصة تستوعب كافة القوى السياسية والاجتماعية في السودان، وفقاً لتوافقات إستراتيجية تحمي الوطن وتعزِّز سيادته وتفتح بوابات المشاركة في السلطة واتخاذ القرار الوطني.

- تصفية جيوب التوتر والتشاكس ما بين شركاء اتفاقية نيفاشا.

 

وأخيرًا العمل على معالجة الأوضاع في شرق السودان بالحوار السلمي، وبتوسيع قاعدة الخدمات الأساسية والبنيات التحتية، وبناء مشاريع التنمية والإعمار ومشاركة أبناء الشرق في السلطات الاتحادية والإقليمية.

 

--------------------

بالتعاون مع موقع: الأمان. www.al-aman.com