تقرير- أحمد التلاوي
في اليوم السابع من أبريل 2006م، الحالي أصدر مكتب الإعلام الخارجي بوزارة الخارجية الأمريكية وثيقة برقم (503) تحت عنوان "الحكومة العراقية تعلن يوم 9 من أبريل من كل عام عيدًا وطنيًّا"، وحملت هذه الوثيقة في متنها تصريحات المتحدث باسم القوة المتعددة الجنسيات في العراق- وهو جنرال في جيش الاحتلال الأمريكي في العراق- ريك لينش، وقال فيها لينش: "إن الحكومة العراقية قررت يوم أمس (السادس من أبريل) أن يكون التاسع من أبريل من كل عام، تاريخ سقوط النظام السابق ودخول القوات الأمريكية إلى بغداد قبل ثلاث سنوات، بمثابة "يوم حرية العراق" أي عيدًا وطنيًّا يحتفل به العراقيون كل عام".
وهو خبر كارثي على مختلف المقاييس السياسية والإعلامية فالإعلان عن ذلك "العيد القومي" الجديد في العراق لم يجيء على لسان أحد مسئولي الحكومة العراقية المؤقتة- التي انتهت ولايتها- ولا بناء على استطلاع دقيق للرأي في أوساط الشعب العراقي ليحدد العراقيون فيه أنهم بالفعل يرون أن يوم دخول قوات الغزو التي أطاحت بالنظام العراقي البعثي المخلوع بقيادة الرئيس السابق صدام حسين إلى عاصمتهم كان بمثابة "عيدًا قوميًّا" وأن "النتائج المذهلة" التي تحققت بعد الغزو- طبقًا لباقي تصريح لينش في البيان الصحفي المشار إليه- كانت تستحق "التضحيات البسيطة" التي دفعها ولا يزال يدفعها العراق من دماء وحياة أبنائه.
بل إنَّ هذا الإعلان جاء على لسان أحد الرموز الإعلامية والعسكرية التي تُمثِّل الاحتلال الأمريكي في العراق، كما أنه تغافل- بشكلٍ يصل إلى حدِّ التغابي- عن حقائقِ الأوضاع على الأرض هناك على المستويين السياسي والعسكري والأمني والذي اعترفت به حتى الإدارة الأمريكية ذاتها في أكثر من موقف سواء على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس التي اعترفت بارتكاب "آلاف من الأخطاء التكتيكية" في العراق أو على لسان الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن نفسه الذي انتقد بذاته ما وصل إليه الحال السياسي في العراق وبدأ سفيره هناك زالماي خليل زاده- بأوامر من الرئيس الأمريكي بطبيعة الحال- بإجراء "اتصالات مثمرة" مع عدد من فصائل المقاومة العراقية باستثناء أعوان الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين وتنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين بزعامة أبو مصعب الزرقاوي.
وهو إجراء- أي هذه الاتصالات- كان مستبعدًا تمامًا من قِبَل الأمريكيين قبل أشهر قليلة تعد على أصابع اليد الواحدة، مما يدل على أنَّ مياهًا ودماءً كثيرةً وغزيرةً قد جرت من تحتِ الجسور العراقية في الآونة الأخيرة.
أزمة سياسية عميقة
لا يمكن بحالٍ من الأحوالِ مضاهاة الوضع السياسي القائم حاليًا في العراق بما كان عليه إبان حكم النظام السابق في العراق على أية مقياس من المقاييس سواء على مستوى الإطار السياسي الحاكم أو مسارات العملية السياسية في العراق، ولا يعني ذلك أيضًا تزكية نظام قمعي شمولي مثل نظام صدام حسين على العملية السياسية القائمة حاليًا في العراق، ولكن على الأقل كان هناك استقرارٌ على مستوى الحكم في الدولةِ العراقية، ولم تنتقل الأزمة السياسية التي كانت تحيق بالعراق في سنوات ما بعد 1990م/1991م، إلى الداخل العراقي، كما أنَّ صدام حسين أجرى قبيل سقوطه انتخابات عامة لاختيار جمعية وطنية جديدة للعراق واستفتاء رئاسي.
على الجانبِ الآخر، ورغم حالة التركيز الكبيرة التي أعطتها الولايات المتحدة للعملية السياسية في العراق والأولوية التي أخذتها هذه العملية- حتى على حسابِ عمليات إعادة الإعمار والأمن في البلاد- وذلك للقضاء على آخر ملامح بقاء للنظام العراقي البعثي القومي في العراق كأولوية جبت كل ما عداها لدى الأمريكيين؛ إلا أنَّ الواقعَ الراهن في العراق يؤشر إلى منزلقات خطيرة حتى على المناحي الأمنية.
إنَّ الفشل السياسي الأمريكي في العراق يبرز نفسه في أكثر من منحى وملمح تتجسد بالأساس في عجزِ الفرقاء السياسيين والطائفيين العراقيين عن التوصل إلى حلٍّ وسطٍ لعلاج حالة الجمود السياسي الراهنة في العراق أو الالتقاء حول نقطة توافق في الحد الأدنى للانطلاق منها لبناء منظومة سياسية قوية وموحدة في العراق، وبعد ما يقرب من أربعة أشهر على الانتخابات التشريعية العراقية التي شكلت بمقتضاها جمعية وطنية دائمة في البلاد لا تزال الحكومة العراقية الجديدة تراوح مكانها.
وقد وصلت الانقسامات في الداخل السياسي العراقي إلى مستوى الكتلة الواحدة السياسية والطائفة الواحدة فهناك أزمة داخل الائتلاف الشيعي الموحد- صاحب الأغلبية البرلمانية بإجمالي مقاعد 128 مقعدًا في البرلمانِ العراقي الجديد- على شخصِ المرشح لرئاسةِ الحكومة العراقية الدائمة- وهي الأولى منذ الغزو الأمريكي- البريطاني للعراق- ويلاقي مرشح حزب الدعوة الدكتور إبراهيم الجعفري معارضة شديدة داخل الائتلاف.
ولذلك فإنَّ الائتلافَ من المرجح له أن يختار مرشحًا غيره لرئاسةِ الحكومة حتى لا يفلت الأكراد (لهم 57 مقعدًا في البرلمان العراقي الجديد) والعرب السنة من حالةِ التوافق السياسي الهش الحالية في العراق فيما يتعلق بحكومة الوحدة الوطنية المطلوبة راهنًا وبشدة هناك، ويعتبر عادل عبد المهدي وجواد المالكي أبرز الشخصيات المرشحة لقيادة الحكومة العراقية خلفًا للجعفري.
وبخلاف أزمةِ الجعفري والحكومة هذه فإنَّ الحالةَ الشيعية ذاتها تعاني من صداعٍ مزمنٍ جرَّاء الأزمة القائمة بين التيار الصدري والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، والتيار الصدري هو تيارٌ له ثقله في العاصمةِ بغداد ومناطق أخرى واسعة من جنوب البلاد بل وفي وسطها العربي السني باعتبار أنَّ له مرجعيتَه الدينية القديمة أيضًا- ويقوده الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر حامل مفاتيح مرقد الإمام علي- قبل أن يحصل عليها المرجع الإسلامي الشيعي الأعلى في العراق آية الله علي السيستاني إبان أزمة النجف في العام 2004م- أو كما يُعرف باسم الحوزة الناطقة في مقابلِ الحوزة العلمية الصامتة بحسب وصف الصدريين للإمام السيستاني.
والتيار الصدري في منطلقاته كثيرًا ما يقترب من الأطروحاتِ التي يُقدمها العرب السنة لعلاج الأزمة السياسية في العراق وتهدئة الأوضاع الأمنية فيه، ويطرح أجندةً تقوم على أساس مبدأ رئيسي وهو أن انسحاب قوات الاحتلال الأجنبية من العراق هو المنطلق الأساسي لعلاج الأزمة العراقية.
أما المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي يتزعمه الدكتور عبد العزيز الحكيم فهو قائد الائتلاف الشيعي الموحد ويسيطر على قوات بدر الضخمة والتي يصل عددها إلى نحو فرقتين أو أكثر، مما يضفي عليه ثقلاً كبيرًا في الداخل العراقي على المستويين السياسي والعسكري، كذلك فإنَّ المجلس وقوات فيلق بدر هذه تعتبر بمثابة "رمانة الميزان" في العملية السياسية في العراق على قدرته على الضبط السياسي الداخلي وعلاقاته الوثيقة مع كل من إيران والولايات المتحدة على حدٍّ سواء.
كما لا يمكن إغفال الأزمة القائمة بين الائتلاف الشيعي الموحد ورئيس الوزراء الانتقالي السابق الدكتور إياد علاوي الذي يتزعم القائمة العراقية الموحدة (25 مقعدًا برلمانيًّا).
على الجانب الآخر فإنَّ العربَ السنة في العراق تبدو فيهم الصورة السياسية الداخلية أكثر فسيفسائية فهناك أولاً تقسيم كبير رئيسي للعرب السنة في العراق وهو ما بين تيار يعتمد العمل السياسي أساسًا لحركته ويُمثِّل هذا التيار كتلة جبهة التوافق العراقية (44 مقعدًا برلمانيًّا) التي تضم كلاًّ من الحزبِ الإسلامي العراقي ومجلس الحوار الوطني والمؤتمر العام لأهل السنة في العراق بجانب المؤتمر التأسيسي العراقي (وممثلاً بـ11 مقعدًا برلمانيًّا) وأمينه العام هو الشيخ جواد الخالصي ويتكون من هيئةِ علماء المسلمين السنة في العراق والتيار الخالصي.
أما التيار الآخر فهو التيار الذي يتبنى المقاومة المسلحة في مواجهة الغزو الأمريكي- الغربي للعراق وحتى هذا التيار بدوره بداخله انقسامات فهناك من هذه القوى من له برنامج سياسي يطرحه حاملاً أهدافه الرئيسية من وراء العمل المسلح، ويأتي على رأسِ هذه الأهداف خروج المحتل الأمريكي- الغربي من العراق وعلى رأس هذه القوى الجيش الإسلامي في العراق وجبهة المقاومة الوطنية الإسلامية، وكتائب ثورة العشرين، فيما أن هناك فرقًا من المسلحين في العراق من العرب السنة لا تطرح برنامجًا سياسيًّا ومن بينها النسبة الضئيلة من المقاتلين العرب والأجانب الموجودين في العراق.
على مستوى آخر من التحليل فهناك تيارات مسلحة في العراق تمارس العنف غير المنظم والذي لا يستهدف المحتل في حد ذاته أو في قوات الأمن والجيش العراقية الجديدة التي نظمتها ودربتها قوات الاحتلال بل يضرب في المدنيين العراقيين أيضًا باعتبار أن ذلك سيكون أولاً عنصر ضغط على العراقيين ضد المحتل ومن ثَمَّ الثورة ضده والخروج لمقاومته في الشوارع أو على الأقل عدم التعاون معه وتأليب الرأي العام الداخلي في البلاد ضد الوجود الأجنبي هناك، وثانيًا سيكون إعلانًا عن فشل المشروع السياسي الأمريكي في العراق بعد فشل ظهيره العسكري والأمني.
مع الانتقام في ذات الوقت من التيارات والقوى السياسية التي لها اتصال بالغازي الأمريكي في البلاد والشيعة هم المتهم الأول في هذا المقام، وهنا تبرز أمام المتابعين حوادث العنف الأخيرة الموجهة إلى الرموز الدينية الشيعية في البلاد، ويمثل هذا التيار على وجه الخصوص تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين والذي "كان" يتزعمه أبو مصعب الزرقاوي والذي بهت تمامًا في الفترة الأخيرة بعد خلافات حادة مع قيادات التنظيم الأم خاصة الدكتور أيمن الظواهري وبعد أن تمَّ تأسيس ما يُعرف باسم "مجلس شورى المجاهدين في العراق" (وهو مكون من 6 إلى 8 فصائل) والذي لا يحمل قبولاً كبيرًا لأساليبِ القاعدة.
وهناك أيضًا مجموعات مسلحة ممن يُسَمَّون بـ"الصدَّاميين" الذين تبقوا من فلول قوات حزب البعث الخاصة وأفراد أمن الحزب والمخابرات التابعة للجيش العراقي والنظام العراقي السابق مثل فدائيي صدام والحرس الجمهوري والتي كانت تشكل خط الدفاع الرئيس عن العاصمة العراقية بغداد أيام الغزو، بالإضافةِ إلى العناصر العشائرية الموالية للرئيس السابق صدام حسين وخصوصًا من مسقط رأسه في تكريت وما حولها.
هذه الانقسامات في الداخل السياسي والطائفي العراقي نتجت عن الأسلوب الذي أدارت به واشنطن العملية السياسية في العراق والتضارب الكبير في سياساتها هناك فهي أولاً- أي واشنطن- رفضت في البداية وبشدة مبدأ التفاوض مع "المسلحين" وهي الآن عن طريق سفيرها في العراق تجري هذه المفاوضات، وهي أولاً إبان تولي مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق لشئون الإرهابِ بول بريمر للإدارة المدنية الأمريكية في العراق قامت بحل الجيش العراقي القديم، وحل أجهزة المخابرات القديمة ورفضت دمج حزب البعث في العملية السياسية في العراق، ثم عمدت بعد ذلك إلى الاستعانة بخبراء العسكرية والأمن في أجهزة صدام حسين، ثم نجد الإدارة الأمريكية تتحدث عن "تقدم مذهل" في العراق، ولكن الواقع على الأرضِ ووزيرة الخارجية والرئيس الأمريكي يؤكدان غير ذلك تارةً أخرى، وهكذا على ذات النسق.
أزمة طائفية وأمنية أكثر عمقًا
وكان من نتائج هذه الحالة، ومع تأخر تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، تصاعد نسبة العنف في العراق، مع اتساع نطاق الأزمة الطائفية هناك، وبين شهري نوفمبر 2005م إلى مارس 2006م اتسع نطاق العنف الطائفي في العراق وكانت المزارات الدينية الشيعية هي الهدف الرئيسي لعمليات عسكرية ضخمة ومؤثرة مثل تفجيرات سامراء في الثاني والعشرين من فبراير 2006م المنصرم وتفجيرات البراثا والمسيب الأخيرة التي راح ضحيتها نحو 100 قتيل بجانب مئات من الجرحى.
ورغم محاولات أطراف عربية سنية وشيعية عديدة لاحتواء هذه الظاهرة إلا أنَّ الوضع يُشير إلى تفاقم الأزمة الطائفية في العراق فشهر مارس شهد سقوط 1038 قتيلاً عراقيًّا في عمليات ذاتِ أسباب طائفية ووصلوا إلى ألفي قتيل منذ تفجيرات سامراء- بمعدل 50 قتيلاً يوميًّا- وفي غضونِ يومين فقط بعد تفجيراتِ سامراء هذه التي طالت مرقد الإمامين علي الهادي وابنه حسن العسكري تمَّ إحراق 160 مسجدًا سنيًّا، وهكذا.
وقد تحدثت التقارير الصحفية الواردة من العراق عن وجود عمليات تهجير طوعي أو قسري تقوم بها الميليشيات للعناصر السنية من مناطق شيعية إلى مدن وأحياء سنية في بغداد وخارجها واختفت تدريجيًّا العديد من المناطق المختلطة في طوائفها، وبلغ حجم السكان من الجانبين ممن تمَّ تهجيرهم في هذا السياق إلى نحو 30 ألفًا.
والحقيقة أن العراق يعيش أزمةً أمنيةً وإنسانية حقيقية والمثير أنَّ التقاريرَ الأمريكية هي التي تؤكد حدوث هذه الأزمة بجانب تقارير الأمم المتحدة، ومما تناقلته هذه التقارير الصورة التالية:
1- شهد عام 2005م حدوث نحو 34 ألف عملية مسلحة مختلفة في حجمها ونطاقاتها ضد قوات الاحتلال الأمريكية وكذلك قوات الأمن والشرطة والجيش العراقية بشكلٍ طال المدنيين العراقيين بنسبة زيادة نحو 30%.
2- كانت الأرقام حول القتلى الأمريكيين العام الماضي 2005م 846 قتيلاً مقارنة بـ848 قتيلاً في العام السابق عليه بإجمالي قتلى 2240 من بينهم 1750 في عمليات قتالية مباشرة والباقون سقطوا إما منتحرين أو مرضى أو في حوادث طرق، وكان هناك حوالي 6000 مصاب من الأمريكيين في العام الماضي بإجمالي 16 ألفًا و500 مصاب طوال سنوات الغزو الأمريكي للعراق فيما سقط 3713 قتيلاً من قواتِ الأمن العراقية في العام 2005م.
3- في محاولة من القوات الأمريكية لاحتواء أنشطة المقاومة المسلحة فإنها قامت بعددٍ من العمليات العسكرية في الأنبار والرمادي وتل عفر وسامراء والنجف سقط خلالها عشرات الآلاف من المدنيين العراقيين قتلى، وتقول التقارير إنه من بين 190 ألف قتيل عراقي في السنوات الثلاث الماضية فإنَّ القوات الأمريكية وقوات الاحتلال البريطاني كانت مسئولة عن نسبة 40% من هؤلاء الضحايا.
على مستوى آخر فإنَّ الإجراءات الأمنية التي تبنتها القوات الأمريكية في العراق للحدِّ من مستوى العمليات المسلحة التي نفذت في البلاد- أيًّا كانت الجهة التي تقف خلفها- فإن هناك 14 ألفًا و55 معتقلاً أمنيًّا في السجون العراقية التي تشرف عليها القوات الأمريكية والبريطانية، من ثمانية آلاف فقط في العام الماضي 2005م بما يزيد على الطاقة الاستيعابية للسجون العراقية بنحو 20% وتحت يد الأمريكيين الآن نحو 465 معتقلاً من المقاتلين العرب والأجانب الذين يحاربون إلى جوارِ المقاومة العراقية والجماعات الأخرى في العراق.
ومع تفجر فضائح أبو غريب وبوكا وغيرها تعتزم الولايات المتحدة نقل تبعية السجون والمعتقلات إلى السلطات العراقية بنهاية العام الحالي، وهنا توجد وقفة لأنَّ فضائحَ وزارة الداخلية العراقية في حقِّ العرب السنة تفوق ما جرى في أبو غريب من لدن الأمريكيين، ضمن انتهاكات أخرى تورطت فيها وزارة الداخلية بقيادة بيان جبر صولاغ ضد العرب السنة مثل "فرق الموت" أو الميليشيا المسلحة التابعة للوزارة ذات النشاط الطائفي.
واقع إنساني مخيف
ربع الأطفال العراقيين يموتون نتيجة نقص الغذاء والدواء، إحصائية مخيفة ولكنها حقيقية وتجري فصول هذه المأساة الإنسانية يوميًّا في "العراق الحر" الذي يدعيه الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بجانبي معدلات بطالة وصلت إلى 50% وتضخم وصلت إلى 30% رغم أنها كانت في عهد صدام حسين- أيام الحصار الخانق- لم تزد على الـ5%.
وفي "العراق الحر" أيضًا فإنَّ إمدادات الكهرباء إلى بغداد- إحدى أهم عواصم الشرق العربي والإسلامي- لا تزيد على الساعات الخمسة يوميًّا بخلاف أزمة إمدادات المياه النقية، ويحصل العامل العراقي على نصف دولار يوميًّا كمعدل أجر، وهي كلها أرقام من تقارير موثقة للأمم المتحدة.
وحتى الأمريكيون رأوا أن هناك كارثةً في العراقِ ومن الواجب الانسحاب من هناك، فنحو 60% من الأمريكيين طبقًا لاستطلاع رأي أجرته شبكة (CNN) وجريدة (USA Today) ومعهد (جالوب) للأبحاث، وتراجعت شعبية الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن لمستويات لم تتحقق في حكم أي رئيس أمريكي آخر، وكان الداعي إلى ذلك الموقف عددٌ من الأمور على رأسها البعد الإنساني الذي نقله الإعلام عن الوضع في العراق ودلالاته السياسية في صدد فشل الإدارة الأمريكية هناك.
وبخلاف ارتفاع أرقام القتلى الأمريكيين في العراق تحمل المواطن الأمريكي نحو 370 مليار دولار تكلفة الحرب في العراق إلى الآن، فيما ذهب عالمٌ اقتصاديٌّ أمريكي إلى أن التكلفة الحقيقية للحرب بحساب معدلات أسعار النفط التي ارتفعت والاستثمارات الأمريكية التي أضيرت في الشرق الأوسط وعوامل أخرى بخلاف التكاليف المباشرة تصل إلى تريليوني دولار، وشهريًّا يتكبد البنتاجون وحده في العراق نحو 4.5 مليار دولار خسائر، ولذلك فإن هناك لجنةً خاصةً شكَّلها الكونجرس لإعادةِ تقييم وتوجيه السياسة الأمريكية في العراق لعلاج هذا الوضع غير المسبوق.
وقد جاءت الدعوة الإيرانية للولايات المتحدة للتفاوض حول الوضع في العراق بمثابة طوق نجاه أخير للأمريكيين هناك، ولكن الكثيرَ من المحللين لا يعولون على هذا الحوار المرتقب للاختلافات والأزمات العميقة بين الجانبين الإيراني والأمريكي أولاً والتي انتهت الجولة الأولى منها بإحالة الملف النووي الإيراني لمجلس الأمن الدولي، كما أن طهران لا تقبض على كامل زمام الأمور في العراق، فهناك ملفات أمنية وسياسية لا تدركها السيطرة الإيرانية حتى في مناطق نفوذها التقليدي في العراق غربًا وجنوبًا فهناك الأكراد وهناك الوجود الاستخباري الصهيوني وغير ذلك، كما أنَّ الرأي العام الإيراني لا يميل لإعطاء الأمريكيين تنازلات مجانية في العراق فيما تهدد واشنطن "بخراب بيوت" الإيرانيين عبر العقوبات فيما يتعلق بالملف النووي.
والآن تحاول الولايات المتحدة وشركاؤها في الحكم في العراق اجتذاب العرب لكي يتقاسموا معها الأعباء في العراق سواء عبر إرسال قوات عربية لحفظ الأمن هناك أو تفعيل الوجود الدبلوماسي العربي في بغداد سواء من جانب الحكومات العربية أو جامعة الدول العربية وهي كلها قضايا ناقشتها قمة الخرطوم العربية الفاشلة الأخيرة.
المهم في ذلك إن العراق وطبقًا للتعبيرات الأدبية الغربية إنما هو- وبفعل السياسات الأمريكية هناك- "بلد ذاهب إلى الجحيم" إن لم يكن قد ذهب فعلاً كما رأى الرئيس المصري حسني مبارك في حديثه الأخير لإخبارية (العربية) الفضائية، فكيف يمكن تدارك هذا الوضع عربيًّا وإسلاميًّا دون التورط في دعم الأجندة الأمريكية في العراق، هذا هو ربما سؤال الحالة السياسية الآن.