جددت تصريحات الرئيس مبارك لقناة (العربية) يوم 8/4/2006م، الجدل حول عدد كبير من الموضوعات الشائكة، بدءًا بموقف مصر من المأساةِ العراقية، وانتهاءً بالتداعياتِ السلبية لهذه التصريحاتِ على مجمل المصالح القومية المصرية، وقبل تحليل هذه النقاط وغيرها، تجدر الإشارة إلى أنَّ رئيسَ الدولة هو الذي يحدد المصالح القومية، ويحدد لها خطوط المواقفِ والسياسات التي يظن أنها تخدمها. ولكن هذا التقدير من جانبِ الرئيس قد يختلف عن تقديرات أخرى مصرية، كما قد يختلف عن مشاعرِ الشعب المصري ككل، وهذا أمر جائز ومقبول، ولا يقدح في تقديرِ الرئيس ما دامت تلك قناعته ولا تلتبس بأمورٍ أخرى، خاصةً أنَّ موقفه من العراق يتطابق تمامًا مع الموقف الأمريكي، مما يُثير التحفظات، وربما التفسيرات والأحاديث.
فقد أكد الرئيس مبارك في حديثه لقناة (العربية) الفضائية أنه يعتقد أن انسحاب القوات الأمريكية من العراق في هذه المرحلة يُعدُّ كارثة؛ لأنَّ العراقَ يُعاني الحربِ الأهلية، وأن الانسحاب الأمريكي يؤدي إلى تفاقمِ هذه الحرب، كما أنه انتقد الحكومة العراقية لأنها لم تسمح بوجود قواتٍ عربيةٍ أو دولية، وأنَّ الشيعةَ في العراقِ يكنون الولاء لإيران، فإلى أي مدى تتفق رؤى الرئيس مع الرؤى الأخرى، ومع التوجهاتِ العامة للشعب المصري؟
وقد أدَّت هذه التصريحات إلى ردودِ فعلٍ حادةٍ من جانبِ القيادة العراقية والإيرانية وقيادات الشيعة في البحرين والخليج، بل إنَّ بعضَ قيادات العراق اتهمت الرئيس بشكلٍ واضح بأنَّ موقفه يخدم مصالح أجنبية، ويضر بمصالح الشعب العراقي، كما أنه يسهم في إشعال الحرب الأهلية، ويشكك في وطنية الشيعة في العراق وانتمائهم الوطني والعربي.
وللأمانة التاريخية، يجب أن نُفرِّق بين موقف عموم الشعب المصري، وموقف الحكومة المصرية، وبعض الأقلام القليلة للغاية في مصر من قضايا مأساة العراق، فمنذ إعلان واشنطن أنها تتهم العراق بحيازة أسلحة الدمار الشامل، وصدور قرار مجلس الأمن رقم 1441 عام 2002م، بشأن التفتيش في العراق، كانت مصر من أعلى الأصوات التي حثت العراق على قبول التفتيش والإخلاص له، ربما خوفًا على العراق، ورغبة في أن يتفادى بالتفتيش أي خطط أمريكية أخرى، وعندما أعلنت الولايات المتحدة صراحةً أنها ترسل قوات إلى الخليج لغزو العراق، والقيام بنفسها بالتفتيش صمتت مصر تمامًا، وكانت السفن الحربية الأمريكية تمرُّ في قناةِ السويس، وهي تعلن أنها ذاهبة لغزو العراق.
وكان الجدل في ذلك الوقت يدور حول مدى قانونية مرور السفن الأمريكية لضربِ العراق في ضوءِ اتفاقية القسطنطينية لعام 1888م، وقامت المظاهرات مطالبة بمنع مرورِ هذه السفن التي تعلن عن وجهتها، وطالبت جموع الشعب الحكومة بتطبيق اتفاقية الدفاع العربي المشترك، التي سبق أن ألح عليها الرئيس مبارك في قمةِ القاهرة في أغسطس 1990م، لتأكيد حق الكويت في المساندة العربية ضد الغزو العراقي لها، وأصدرت القمة بأغلبية بسيطة (صوتان فقط) قرارًا بهذا المعنى عقب مشادة حقيقية مع بعض الزعماء العرب، ثم شاركت مصر، في إطارِ التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة، ضمن خطتها التي شجَّعت العراق على الغزو، وخططت لضربِ العراق بعد ذلك، وهو مرتكب للجرمِ المشهود الذي أوقعته فيه، ولكنَّ هذه المرة بتوظيفِ الشرعية الدولية، التي وجدت العراق فعلاً منتهكًا للميثاقِ ومستحقًا للجزاء.
وسواء انتظمت مصر في الحملةِ العسكرية في إطارِ علاقاتها الأمريكية، أو مصالحها الخليجية، أو لقناعة بعدم مشروعية الغزو العراقي، وعجز العالم العربي وحده عن وقفه وإزالته، فإن شطرًا من الشعب المصري اتهم الرئيس بالعمل مع الولايات المتحدة ضد دولة عربية، وطعن قضائيًّا في صحة قرار إرسال قوات مصرية بغير مراعاةٍ دقيقةٍ لأحكامِ الدستور، وضمن خطة أمريكية لضربِ العراق تحت ستار تحرير الكويت.
وهذا القرار لم يكن شعبيًّا في مصر، رغم أنَّ الشعبَ المصري بأكمله استنكر غزو العراق للكويت، وألقى باللائمة على الولايات المتحدة وخدعتها لصدام حسين، واعتبر أنَّ العمليةَ كلها، الغزو والتحرير، لعبة أمريكية وظفت فيها مصر، وبررت الحكومة المصرية للشعبِ المصري آنذاك موقفها بأنها تهدف أيضًا، إلى جانبِ تحرير بلدٍ عربي شقيق، وصد عدوان بلد عربي معتد، الاقتراب من خيرات النفط تحت ما سمى في ذلك الوقت "إعلان دمشق"، الذي ضمَّ دول الخليج الست، بالإضافةِ إلى مصر وسوريا بهدف مكافأة الدولتين على جهودهما الدبلوماسية والإعلامية والعسكرية مع الولايات المتحدة أكثر من كون هذه الجهود تضامنًا مع دولِ الخليج.
أما موقف مصر من الجزاءات التي فرضت على العراقِ طوال ثلاثة عشر عامًا (1990م حتى 2003م)، فكان يُركِّز على المطالبةِ برفعها بسببِ آثارها اللا إنسانية، وليس بسببِ انتهاء صلاحيتها القانونية، وما دامت الولايات المتحدة هي الطرف الآخر في القضية، وهي التي تحدد شروط إنهاء الجزاءاتِ وليس مجلس الأمن، فقد اعتقد كثيرون في مصر أنَّ الحكمَ لا يشذ عن الموقفِ الأمريكي بحكم التحالف الوثيق بين البلدين.
وعندما انعقدت قمة شرم الشيخ في الأول من مارس 2003م، كان العراق يتأهب للغزو الأمريكي، فانضمت مصر إلى موقف القمة الذي يناشد واشنطن بضبط النفس، والقمة على يقينٍ أنَّ الجميعَ ساهم أو سكت أو سهل للغزو الأمريكي، أحيانًا بحجة أن صدام لا يمكن إزالته إلا بقوة خارجية، وتارة أخرى لأنه يجب أن يزال لأنه غزا الكويت، وهدد دول الخليج طيلة بقائه في الحكم، حتى رغم العقوبات القاسية التي أذلت العراق، وأنَّ استمرارَ وجوده رغم كل شيء يمثل تهديدًا مستمرًا لأمن الخليج. والغريب أن قصف الولايات المتحدة لبغداد كان مصدر سعادة فائقة لبعض أطفال العالم العربي، وهي المرة الأولى في تاريخ المنطقة التي نرى فيها بعض العرب يبتهجون ويتبادلون التهاني بسقوط عاصمة عربية كبرى كبغداد.
أما مصر فلم تعلن إدانتها للغزو مثل بقية الدول العربية، وإنما ركز الرئيس مبارك على أنه حذر صدام مرارًا من سوء عمله، ونصحه بما يلزم ولم يستجب.
وعندما بدأت المقاومة العراقية للاحتلال الأمريكي كانت محل إعجاب الشعب المصري، الذي آلمه أن يرى عاصمة الرشيد تئن تحت احتلال سعى إليه التحالف الصهيوني الأمريكي للقضاء تمامًا على العراق كوطن وقوة في المنظومةِ العربية، بعد أن أفسد صدام، فأصبح من الصعب لدى كثيرين أن يميزوا بين فساد الحكم وفساد الدولة، مادام الحاكم في العالم العربي هو الوطن، والولاء للوطن يفترض الولاء للحاكم أولاً، ولا أظن أن العالم العربي سوف يدرك أي ممارسة للديمقراطية ما لم ينجح في الفصل بين الولاء للحاكم والولاء للوطن، وما لم يكن قادرًا على تقييمِ الحاكم وفْق قدرته على خدمةِ مصالح الوطن.
والمعلوم أنَّ مصرَ لم تستخدم في خطابها الرسمي كلمة "المقاومة العراقية"، كما توقفت منذ قمة بيروت العربية، مع سائر الدول العربية- عدا سوريا وليبيا مؤخرًا- عن استخدام مصطلح "المقاومة الفلسطينية" بعد أن قررت واشنطن أنها إرهاب، وأن الشعب الفلسطيني "الإرهابي" تجوز إبادته لكي تمارس "إسرائيل" حقها في الحياة كما تشاء، وتدافع عن شعبها "المقدس" ضد "الغاصب والإرهابي" الفلسطيني.
ورغم ذلك، ظهرت أقلام معروفة في مصر تطالب مصر بالتدخل لمساندة واشنطن على قمع "الإرهاب" العراقي، قبل أن يصبح الإرهاب في العراق صناعة أمريكية و"إسرائيلية" مقصودة، وقبل أن يصبح العراق غابة اختلطت فيها المقاومة الشريفة مع الإرهاب الأعمى الذي ينفذ المخطط الأمريكي في القضاء على عقل العراق باغتيال علمائه وأساتذته والشرفاء فيه، بعد أن نهب ثروته البترولية والأثرية، ودمر البنية التحتية، ووضع البلاد على شفا الحرب الأهلية، وهو الذي يرسل عملاءه لإذكاءِ الفتنة.
وقد سارعت مصر بالاعترافِ بكل الحكومات المؤقتة في العراق، رغم الرفض الشعبي في مصر لهذه الحكومات العميلة للاحتلال، وقدرت مصر أن سقوط النظام في بغداد يحتم وجود حكومة للبلاد حتى لو كانت صنيعة هذا الاحتلال لإدارة شئون المجتمع العراقي، خاصةً أنَّ المجتمعَ العراقي تفرقت مصالحه ومواقفه من الاحتلال، وذلك بفعل الخطة الأمريكية التي أعدت قبل الغزو بسنوات، ربما ترجع إلى عام 1991م، عندما شجعت التمرد الشيعي والكردي على ما أسمته "الدكتاتورية العربية".
وكرست حقيقة مغلوطة، وهي أنَّ استبدادَ وبطش نظام صدام حسين قد استهدف الشيعة والأكراد وحدهم، مع أنَّ صدام لم يميز بين طوائف الشعب، وإنما نال الجميع شره، وقررت واشنطن أن صدام هو الذي فرَّق الشعب، وأنَّ الغزو نعمة كبرى لتخليص الشيعة والأكراد من "جلاد العرب".
ثم بدأت العملية السياسية التي شجَّعتها مصر، ربما لأنها- مثل غيرها- كانت تظن أنها تؤدي إلى عراق ديمقراطي جديد، رغم أنَّ هذه العملية، وكذلك خطة إعمار العراق كانت خططًا لنهبِ العراق وتسويغ الاحتلال، والعمل تحت هذا الستار الديمقراطي لتمزيقِ لحمة المجتمع العراقي، كما أيَّدت مصر دستور العراق الدائم، رغم أنَّ الاحتلالَ لا يضع الدساتير عادةً، والدساتير الدائمة مصطلح غير معروف إلا في مصر عام 1971م، تمييزًا له عن الدساتيرِ المؤقتة.
وكان واضحًا أنَّ الاحتلالَ ادعى أنه يريد إنتاج ديمقراطية دستورية لم يألفها العراق، وحرص في الدستور "الدائم" على تمزيقِ العراق حتى يضمن أن النظام الجديد هو الذي سيطالب ببقاء الاحتلال، وهو ما حدث بالفعل، بسبب تناقض الموقف والمصلحة من الاحتلال.
أما علاقة الاحتلال بالحرب الأهلية، فقد أصرَّ بعض زعماء الشيعة والأكراد على أنَّ الاحتلالَ هو الضمان لمنع الحرب الأهلية، وهو الحماية لهم من المقاومةِ العراقية، ولكنَّ الحقيقةَ هي أنَّ الاحتلالَ هو الذي هيَّأ العراق للحربِ الأهلية تحت ستارِ الديمقراطية، وهذا هو أكبر انتصارٍ للولاياتِ المتحدة، وأكبر مكافأة لـ"إسرائيل".
ويجب ألا نستغرب أن يربط الرئيس بوش بحزم بين الانسحاب الأمريكي والفوضى والحرب الأهلية، ولكننا نستغرب بشدة أن يعتبر الرئيس مبارك انسحاب القوات الأمريكية المحتلة كارثة، وهي التي تذكي الحرب الأهلية، وتفجر المساجد فوق رؤوس المصلين، وترعى خطة إكمال تدمير العراق. ربما تُرضي هذه الجزئية في تصريح الرئيس مبارك الأكراد والشيعة على النحو الذي أوضحناه، لولا أن الرئيس استفز الشيعة باتهامهم بالولاء لإيران وليس للعراق، وهو اتهام على أيةِ حال محل نظر، يقبل الصحة والخطأ.
فهل صحيح أنَّ الوجود العسكري الأمريكي في نظر الرئيس مبارك هو الذي منع حتى وقتٍ قريبٍ نشوب حرب أهلية، أم أن إشعال واشنطن و"إسرائيل" للحرب الأهلية في العراق يؤدي إلى إشغالِ المقاومة عن ضرب قواتِِ الاحتلال، والتفرغ للقتال بين أبناء الشعب الواحد، بزعم تمايزهم في المذهب؟ ولو صح ما تردده واشنطن من أن الحرب الأهلية في العراق أمرٌ طبيعيٌّ بسببِ الاختلاف بين الأكراد والشيعة والسُنة، فلماذا لا تقع حرب أهلية مدمرة في الولاياتِ المتحدة، وهي تجمع كل الأعراق والأديان والمشارب من جميع أنحاء العالم؟
على أيةِ حال، أثار موقف الرئيس مبارك استغراب المثقفين الملتزمين، الذين يرون في الاحتلالِ سبب مأساة العراق، وأنَّ وهْم الديمقراطيةِ في العراق والمنطقة قد كشفه واقع العراق، وتحالف الغرب كله ضد حماس، وهي الخيار الديمقراطي الحق للشعب الفلسطيني.
وأخيرًا، نرجو أن يعلم أبناء العراق جميعًا أنَّ شعبَ مصر يشعر بالأسى لما آل إليه حال العراق، ويأمل أن يُدرك الجميع أنَّ العراقَ العربي الديمقراطي هو طوق النجاة للجميع، وأنَّ العراقَ الجديد الذي يُلملم جراح المأساة قادرٌ على تجاوزِ المحن ليعود العراق عضوًا نافعًا في أسرته العربية والإسلامية، والله غالبٌ على أمره.