تقرير- حسين التلاوي

أعلن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد يوم أمس الثلاثاء 11 من أبريل نجاح بلاده في تخصيب كميات من اليورانيوم بنجاح في خطوة وصفها بأنها "أنباء سارة" نقلها في خطاب تليفزيوني إلى الشعب الإيراني، وقد قدرت الجهات المختصة في إيران الكميات التي تمَّ تخصيبها من اليورانيوم بأنها 110 أطنان من غاز سادس فلوريد اليورانيوم.

 

وتعددت ردود الأفعال العربية والدولية إزاء هذه الخطوة، فقالت الإدارة الأمريكية : إنها "خطوة في الاتجاه الخطأ"، وقد تبعتها روسيا في الإدانة بذات الألفاظ في تحركٍ نادرٍ من الدبلوماسية الروسية التي تحاول اتخاذ اتجاه مستقل بعيدًا عن التأثيرات الأمريكية، وفيما اعتبر الصهاينة أن التطور الأخير في البرنامج النووي الإيراني يعتبر "تهديدًا للعالم الحر"، قال البريطانيون إن التحرك الإيراني الأخير "غير مفيد"، كما قال مسئولون كويتيون إنه من الضروري أن تكون هناك ضمانات تمنع تأثير البرنامج النووي الإيراني على الأوضاع البيئية في الخليج.

 

ومن جانبه أعلن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية- محمد البرادعي- أنه سوف يزور إيران الشهر القادم من أجل بحث الملف مع المسئولين الإيرانيين، بينما رفض الإيرانيون المطالبات الروسية بوقف أنشطة التخصيب.

 

وتعتبر هذه الخطوة تصعيدًا من جانب الإيرانيين بخصوص الأزمة المثارة بينهم وبين الغرب حول البرنامج النووي الإيراني الذي يرى الغرب أنه عسكري الاتجاه فيما يقول الإيرانيون إنه سلمي الأهداف، وتفتح أبوابًا جديدةً أمام التصعيد الغربي ضد إيران، والذي تتضارب التقارير حول إمكانية وصوله إلى استخدام الغرب للقوة العسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية.

 

خلفيات الأزمة

يعتبر البرنامج النووي الإيراني من أهم الإنجازات التي قدمها النظام الإيراني منذ الثورة التي قادها الإمام الخوميني في العام 1979م، وكان من أهدافها امتلاك أسباب القوة في عالمٍ لا يعترف بغيرها فبدأت في البرنامج سريًّا حتى كشفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أمره في تقرير  العام 2003م، قائلة: إنَّ البرنامجَ بدأ في العام 1985م، بهدف تخصيب اليورانيوم وهو ما يعني أن البرنامج بدأ في أوج الحرب الإيرانية العراقية؛ الأمر الذي يلقي الشكوك حول أهدافه العسكرية لردع الجيش العراقي الذي كان يمتلك أسلحة بيولوجية يقال إنه تمَّ استخدامها ضد الجنود الإيرانيين.

 

لكن الإيرانيين ردوا على ذلك بقولهم إن البرنامجَ النووي الإيراني سلمي الأغراض يهدف إلى تطوير مصادر الطاقة الإيرانية الأمر الذي يساعد على دعم العملية التنموية، إلى جانب أن إيران تستند في إصرارها إلى المضي في البرنامج النووي إلى أنَّ المعاهدات الدولية تضمن لإيران حقها في تخصيب اليورانيوم إلا أن هذه الآراء لم تلق ردًّا جيدًا من الغرب بسبب ما شعرت به القوى الغربية من "فقدان الثقة" في الإيرانيين بسبب السرية التي بدءوا بها  برنامجهم النووي.

 

وبالتالي بدأ الغرب في الضغط على إيران لكبح جماح طموحها النووي وعدم السماح لها بمواصلة تخصيب اليورانيوم منعًا لتوصلها إلى التكنولوجيا الخاصة بتصنيع السلاح النووي، وهو ما سيحولها إلى قوة نووية تقف فى وجه الأجندة السياسية الغربية في الشرق الأوسط مع سوريا وتقف حائلاً أمام السيطرة السياسية الصهيونية على المنطقة وهي السيطرة التي تجلت بصورة كبيرة بعد الغزو الأمريكي للعراق.

 

وقد بدأت الأزمة أخيرًا في الدخول إلى سياقٍ آخر أكثر جدية من المشادات السياسية التي طبعت الحوار الغربي- الإيراني حول هذه القضية في الفترات السابقة، فقد بدأت التهديدات الأمريكية والبريطانية بوجود إمكانية لاستخدام الحل العسكري ضد إيران وهي التهديدات التي اعتاد البريطانيون تمريرها في تقارير صحفية قبل أن يصدر نفي رسمي من المسئولين البريطانيين، وهي أيضًا التهديدات التي تؤكد الإدارة الأمريكية على الدوام أنها مطروحةٌ على الطاولة ولكن كحل أخير في التعامل مع الأزمة.

 

إلى جانب ذلك، أكد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في اجتماع أخير أنهم سوف يسعون إلى توقيع عقوبات على إيران، وهو التأكيد الذي جاء قبل الخطوة الإيرانية، فما هي الخطوات المتوقعة من جانب الغرب والروس في هذا السياق بعد الإعلان الإيراني الأخير عن هذا "النبأ المفاجأة"؟

 

الحسم العسكري

في الخطاب الأخير الذي ألقاه الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في إحدى الجامعات الأمريكية، قال بوش: إن استخدام القوة العسكرية الأمريكية ضد إيران أمرٌ مستبعد تمامًا، مشيرًا إلى أنه يفضل استخدام الوسائل الدبلوماسية في التعامل مع الملف.

 

كما أشار رئيس مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة ريتشارد هاس في مقال له بجريدة (فاينانشيال تايمز) البريطانية في عددها الصادر 12 من أبريل إلى أن الحل العسكري أمر مستبعد بسبب وجود العديد من المحاذير السياسية والاقتصادية حوله ومن بينها ما سيؤدي إليه من ارتفاع سعر برميل النفط الواحد إلى 100 دولار، فيما سيؤدي إلى العديدِ من الخسائر السياسية الأمريكية في العالم الإسلامي، وبالإضافةِ إلى كلام هاس يؤكد المحللون السياسيون صعوبة بدء الأمريكيين عمليات عسكرية ضد إيران فيما لم تتخلص من التورط في العراق.

 

وإلى جانب ذلك، فإن استمرار الوجود العسكري الأمريكي في العراق يعني أن الجنود الأمريكيين سيكونون هدفًا سهلاً للمتسللين الإيرانيين إلى العراق؛ نظرًا إلى صعوبة ضبط الحدود العراقية مع إيران بصورة كاملة، كما أن هناك إشارات من البريطانيين على أن المشاركات البريطانية في أي عمل عسكري ضد إيران ستؤدي إلى الإضرار بالقوات البريطانية الموجودة في الجنوب العراقي وفي كل مكان بالأراضي الأفغانية.

 

من هذه النقاط يتضح أن الحل العسكري مستبعد من الخطط الغربية في التعامل مع الملف النووي الإيراني، ويؤكد ذلك أيضًا أن الصهاينة بدأوا يخففون من لهجتهم في التعامل مع الملف الإيراني على المستوى العسكري وبخاصة بعد خروج رئيس الوزراء الصهيوني السابق أرييل شارون من دائرة العمل السياسي، فما هو البديل؟

 

يعمل الأوروبيون على التعاطي مع الملف من خلال أسلوب العقوبات وهو ما عبر عنه وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير- في ختام مؤتمر جمع الدول الخمسة الدائمة العضوية إلى جانب ألمانيا في العاصمة الألمانية برلين قبل أسابيع- عندما قال إن الإيرانيين سوف يواجهون العزلة في نهاية الأمر.

 

إلا أن العقوبات لن تفرض في الوقت الحالي نظرًا إلى أن الصينيين والروس يصرون على ضرورة التعامل مع الملف النووي الإيراني من خلال الجهود الدبلوماسية وهو الإصرار الذي حال دون توقيع عقوبات على إيران خلال الفترة الماضية، والذي من المتوقع له أن يستمر في الفترة المقبلة ولكن ليس إلى الأبد حيث سيعتمد ذلك على مدى التعاون والمرونة التي ستبديها إيران في التعامل مع الأطراف الفاعلة في الملف وبخاصة الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي ألزم البيان الرئاسي الصادر عن مجلس الأمن الدولي مديرها العام برفع تقرير لمجلس محافظي الوكالة عن مدى التزام إيران بمطالبات البيان الدولي بوقف أنشطة تخصيب اليورانيوم.

 

كما أن بعض الأصوات الأوروبية مثل النمسا ترفض العقوبات استنادًا إلى أنها سوف تؤدي إلى عزلة الإيرانيين وبالتالي عدم إمكانية التعرف على التطور الحاصل في البرنامج النووي الإيراني، كما أن بعضًا آخر من الأوروبيين يقولون إن الخسائر الاقتصادية التي سوف تترتب على الأوروبيين جرَّاء تلك العقوبات المفترضة لا يمكن أن تكون محتملة بالنسبة للأوروبيين لا سيما في مجال الطاقة (النفط والغاز).

 

إذن، المتوقع بالنسبة لمستقبل الملف النووي الإيراني هو المزيد من التحركات الدولية والوساطات الروسية من أجل إيجاد حل سياسي للأزمة بعيدًا عن العقوبات أو العمل العسكري، إلا أن الأمر قد ينتهي بفرض عقوبات في المدى البعيد أو قيام الأمريكيين بعمل عسكري فجائي ضد إيران بعد إتمام الانسحاب الأمريكي من العراق وهو الأمر غير المتوقع حدوثه قبل عامين.

 

العرب في المشهد

يغيب العرب نسبيًّا عن المشهد النووي الإيراني، إلا أن البعد العربي موجود في الملف ويكتسب بعض الفاعلية وفق تطورات الملف، فعندما بدأ الأمريكيون في محاولة توقيع عقوبات على إيران في مجلس الأمن الدولي قامت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس بجولة عربية شملت مصر والسعودية والإمارات بهدف حشد التأييد العربي لتوقيع عقوبات على إيران، لكن مصر والسعودية رفضتا هذا التحرك وتحول الخلاف إلى واحد من ملفات التجاذب في العلاقات العربية- الأمريكية المتشابكة.

 

إلا أن بعض الأصوات العربية بدأت في الدخول ضمن الإستراتيجية الأمريكية الهادفة إلى حصار إيران إقليميًّا، فقد أشار مسئولون في الإمارات إلى أن البرنامج النووي الإيراني يشكل "تهديدًا بيئيًّا" للمنطقة وبالتالي يجب العمل على إنهائه، ويمكن تبرير هذه التصريحات على أنها رد فعل على الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية الثلاث الواقعة في الخليج وهي طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، ويعني زيارة رايس إلى الإمارات بعد هذه التصريحات أنها محاولة من جانب الأمريكيين لاستغلال الأزمات القائمة في العالم العربي لتحقيق مصالحهم في المنطقة.

 

إلى ذلك، خرجت من الكويت بعض التصريحات التي دعت إلى ضرورة اتخاذ الضمانات الكافية من أجل منع أية تداعيات سلبية بيئية أو مدنية للبرنامج النووي الإيراني كما حدث في المفاعل النووي السوفيتي في مدينة تشيرنوبل.

 

يظهر مما سبق أن التدخل العربي في الملف يعتبر محدودًا وضعيفًا نظرًا إلى أن إيران دولة إسلامية إلا أنها في "القائمة السوداء" الأمريكية، وبالتالي فإن الموقف العربي يتسم بالحذر؛ حيث إن تأييد إيران يعني خسارة الأمريكيين والدخول في القائمة الأمريكية وهو الأمر غير المرغوب فيه من جانب كل النظم العربية في الوقت الحالي، فيما أن التشدد ضد إيران يعني خسارة القاعدة الشعبية لأي نظام يتخذ هذا الموقف بسبب تيار الرفض القائم في البلاد العربية في الفترة الحالية لكل السياسات الأمريكية تحت تأثير دموية المشهد العراقي الحالي والتي تسبب فيها الغزو الأمريكي للعراق في مارس من العام 2003م.

 

إذن المتوقع ألا يحدث جديد في الملف النووي الإيراني على المستوى الدولي، حيث ستحاول الولايات المتحدة التمسك بالشرعية الدولية في سياستها إزاء إيران للابتعاد عن احتمال السقوط في فخ خرق الشرعية الدولية كما حدث عندما غزت العراق، كما أن التمسك الأمريكي بالتعامل الدولي يعني أن الإدارة الأمريكية تحاول إظهار أنها تمسكت للحظة الأخيرة بالجهود الدولية، وذلك لتبرير أية عملية عسكرية تقوم بها ضد المنشآت النووية الإيرانية في المستقبل.

 

ويعني هذا أن احتمال التعامل العسكري الأمريكي- والغربي- مع إيران ليس مستبعدًا على المدى البعيد، واللافت أن أية عملية عسكرية أمريكية ستنطلق ضد إيران ستتخذ من القواعد في المياه الإقليمية والأراضي العربية مركزًا لها.