كتب- علي عبد العال
تباينت ردود الأفعال السياسية في مصر حول مفاجأة وزارة الداخلية المصرية يوم الأربعاء باكتشاف تنظيم إرهابي سرِّيٍّ، وهو الإعلان الذي اعتبره المراقبون بمثابة تبريرٍ مسبَقٍ من النظام المصري باستمرار قانون الطوارئ لثلاث سنوات قادمة.
حيث فاجأت الداخلية المصرية مواطنِيْها والمراقبين لتطورات الشأن الداخلي في البلاد وأعلنت الأربعاء 19/4/2006م تفكيكها (جماعة إسلامية سرية) قالت إنها كانت تخطِّط لشنِّ تفجيراتٍ بالقنابل في عددٍ من المواقع السياحية والدينية والاقتصادية وبعض المواقع الحساسة، وكذلك خط أنابيب نقل الغاز حول مدينة القاهرة، بالإضافة إلى اغتيال رجال دين مسيحيين وعلماء مسلمين.
وأفاد بيان الوزارة بأنَّ الجماعة- التي أَطلقت على نفسها اسم "طلائع المنصورة"- تضمُّ 22 شخصًا ويقودها طالب جامعي يبلغ من العمر 26 سنة، وأنها كانت تحاول شراءَ قطعةِ أرض في منطقة "الصف" جنوب القاهرة؛ بهدف استخدامها كمعسكر للتدريب، كما أجرت اتصالاتٍ بجماعاتٍ خارجيةٍ للمساعدة في إرسال مقاتلين إلى الخارج.
وتثير هذه الإفادات الرسمية- من قِبَل النظام الحاكم في مصر- الكثيرَ من الشكوك، في وقتٍ تشهد البلاد فيه حراكًا سياسيًّا مشحونًا بالتجاذبات بين الحكومة وقوى المعارضة السياسية؛ ولعل القراءة المتمعنة لهذه المعلومات التي أفادت بها وزارة الداخلية في بيانها تشير إلى ما يمكن تسميته بهجومٍ عسكريٍّ شاملٍ على البلاد، من قِبَل 22 شابًّا، قائدُهم في السادسة والعشرين من عمره، وقال البيان إنه طالبٌ بكلية الآداب جامعة بنها.
كما يأتي الإعلانُ الحكوميُّ بعد يوم واحد من تصريح الرئيس حسني مبارك الثلاثاء 18/ 4/ 2006م بأنه سيمدد العمل بقانون الطوارئ- سيئ السمعة المرفوض شعبيًّا- والذي ينتهي سريانُه في يونيو من هذا العام، قائلاً: إن وجودَ فراغ تشريعي قبل إصدار قانون مكافحة الإرهاب الجديد سيكون خطرًا شديدًا، وقال صفوت الشريف- الأمين العام للحزب (الوطني) الحاكم-: إن مبارك قال أيضًا: "إننا نعيش في منطقةٍ مشتعلةٍ، ولا بد أن نقدِّر من وقتٍ لآخر أن مصرَ مستهدفةٌ، ولدينا الكثير والكثير من المخاطر التي يمكن أن تعرضنا للخطر".
واستبقت القوى السياسية ومثقفون مصريون وأعضاء برلمانيون جهودَ الدولة والنظام الحاكم لمدِّ العمل بقانون الطوارئ، وأعلن 114 من أعضاء مجلس الشعب وهم نواب الإخوان المسلمين ومستقلون وحزبيون وثلاثة من نواب الحزب (الوطني) الحاكم تشكيلَ تكتلٍ برلمانيٍّ سُمِّي بـ"نواب ضد الطوارئ".
وقال أعضاء التكتل: إنهم سيسعَون لإقناع أعضاء المجلس من الحزب الحاكم بالاقتراع ضدَّ أيِّ مشروع قانون يُبقي على حالة الطوارئ في البلاد، وقال أحد الأعضاء: "سنشنُّ حملةً في الدوائر الانتخابية هدفُها أن يضغط الناخبون على النوَّاب للاعتراض على مدِّ العمل بالطوارئ"، وأشار العضو سعد الحسيني بالقول: لا بد أن يعلم النظام أن الأمور قد تغيَّرت.
وكان الرئيس المصري حسني مبارك وعد في برنامجه الانتخابي بإلغاء قانون الطوارئ، غير أنه أكد- في المقابلة التي بثَّها تليفزيون (العربية) في الثامن من أبريل الجاري- أن حالة الطوارئ لن تُلغَى إلا بعد إصدار قانون جديد لمكافحة الإرهاب، وأعلن أن إعدادَ هذا القانون سيستغرق قرابة عامين، قائلاً: "إن قانون الإرهاب سيكون جاهزًا بعد سنتين على الأكثر"، في إشارةٍ ضمنيةٍ إلى عزمه على تمديد حالة الطوارئ.
ويسمح قانون الطوارئ للحكومة باعتقال المواطنين بدون أي اتهام أو محاكمة ولفترات غير محددة، وإحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية، وتقييد الاجتماعات العامة والمظاهرات والاحتجاجات الشعبية والطلابية، كما يخوِّل القانونُ المعمولُ به منذ عام 1981 صلاحياتٍ واسعةً للشرطة في التفتيش والاعتقال، وترى المعارضة المصرية أن الحكومةَ تستخدم السلطاتِ المخوّلةَ لها بموجب قانون الطوارئ في الحد من النشاط السياسي.
كما يأتي إعلان الداخلية عن كشف تنظيم صنَّفته إلى (السلفية الجهادية) متزامنًا مع الزيارة التي يقوم بها وفدٌ من الكونجرس الأمريكي لمصر؛ من أجل البحث في قضايا مكافحة الإرهاب، التقى خلالها مبارك، وقال النائب الأمريكي روبرت كرامز- عضو الوفد-: إن المباحثات مع مبارك تناولت الوضعَ في الشرق الأوسط وجهود مكافحة الإرهاب.
كما يأتي كشف الداخلية متزامنًا مع تصعيدٍ برلمانيٍّ وقضائيٍّ لأزمة تحويل وزارة العدل القاضيَيْن هشام البسطويسي ومحمود مكي إلى "مجلس الصلاحية"، ووصف قضاة وسياسيون معارضون ومستقلون مصريون الإجراءَ- الذي اتخذه وزير العدل بإحالة المستشارَين- بأنه مقدمةٌ لمذبحةِ قضاةٍ جديدةٍ، ومحاولةٌ لتصفية الحسابات مع القضاة الإصلاحيين الذين انتقدوا الانتخابات، وتحدثوا عن تزوير في بعض دوائرها.
كما اندلعت في مجلس الشعب 16/4/2006م مواجهةٌ كلاميةٌ شديدةٌ بين نواب الإخوان والمعارضة والمستقلين من جهة ورئيس البرلمان الدكتور فتحي سرور من جهة ثانية بعدما حذَّر النوابُ في مجلس الشعب من أن قرار وزير العدل يُعَدُّ مذبحةً جديدةً للقضاء، ورفض رئيسُ المجلس مناقشةَ هذه الأزمة في البرلمان، وهناك مخاوف من انتهاء هذه الحالة إلى قرارٍ بعزل للقضاة المعنيين.
ولم تكن الاشتباكات التي وقعت على خلفية الاحتقان الطائفي بين المسلمين والأقباط في الإسكندرية بمنأى عن إعلان وزارة الداخلية عن كشفِها الجديد، فقد أشارت مصادرُ أكاديمية في القاهرة إلى أنه جرى اعتقالُ هؤلاء الشباب منذ ما يزيد عن 40 يومًا، متسائلةً عن السبب الذي أحجم السلطاتِ عن الإعلان منذ أن ألقَت القبضَ عليهم، ورأت هذه المصادر في الإعلان الحكومي مسوِّغًا لترويج قانون الطوارئ في ظل الأحداث الطائفية في البلاد.
وتعليقًا على إعلان وزارة الداخلية اعتبر المتحدث باسم الكتلة البرلمانية لجماعة الإخوان المسلمين د. حمدي حسن إعلانَ السلطات عن ضبط تنظيمٍ سرِّيٍّ يخطط لتنفيذ عمليات "أمرًا متوقَّعًا"، وقال إنه مع اقتراب موعد "تمديد حالة الطوارئ ستسعى الحكومة إلى إعلان مثل هذه العمليات لتبرير التمديد".
ومن جانبه قال الأمين العام لـ"المنظمة المصرية لحقوق الإنسان" حافظ أبو سعدة: إن الحكومة المصرية تتهرَّب من التزاماتها، وأضاف: "هذه إشارةٌ قويةٌ للشعب على أن الحكومة أوقفت الإصلاحَ السياسيَّ والدستوريَّ".
وفي هذا الإطار قال منتصر الزيات- محامي الجماعات الإسلامية في مصر-: إن هذا الإعلان من قِبَل وزارة الداخلية المصرية سيظل أشبهَ باللغز حتى يتم الكشف عن أسراره، مضيفًا: أنا شخصيًّا أول مرة أسمع عن وجود مثل هذا التنظيم في مصر، وكم في مصر من المُضحكات ولكنه ضَحِكٌ كالبكاء، وأفاد الخبير في شئون الجماعات الإسلامية بأن المقبوض عليهم أغلبُهم طلابٌ يدرسون في الجامعات المصرية، وقد تم القبضُ عليهم منذ أيام دون أن يمكَّنوا من الاتصال بذَويهم أو أيِّ محامين للدفاع عنهم، ورأى أن الشيء المُلفت للانتباه في الإعلان أن أجهزة الأمن لم تنسب هذا التنظيم لأيٍّ من التنظيمات الإسلامية المعروفة كـ(القاعدة) أو (الجهاد) مثلاً.
وربط الزيات بين إعلان وزارة الداخلية وبين سعْي الدولة لمدِّ العمل بقانون الطوارئ في البلاد، مؤكدًا أن ما يُسمَّى بـ(السلفية الجهادية) ليس لها أيُّ وجود في مصر، وقال إن الرغبةَ في تمديد قانون الطوارئ واضحةٌ، وهذه الرغبة لدى الدولة اقتضت الإعلانَ عن اكتشافِ تنظيمٍ سرِّيٍّ.
واختَتَم كلامه قائلاً: إن حكومة الحزب الوطني لا تستطيع أن تحكم البلاد دون قانون الطوارئ.