لا أحدَ يُنكر على الدولة- أية دولة- أن تقوم بواجباتِها في حفظ الأمن والاستقرار وحمايةِ القانون والشرعيةِ الدستوريةِ وصيانةِ الأخلاقيات العامة للمجتمع، ولا أحدَ يمكنه أن ينكرَ على الحكومة- أية حكومة- أن تقومَ بدورِها الواجبِ عليها دستوريًّا القيامُ به في هذا الصدد، باستخدام الأدوات التي كفلها لها الدستور، وبالشكل الذي يوافق الشرعية، وطبقًا للقانون الوضعي والإنساني.
إلا أن الحكومةَ المصرية تستخدم هذه المبرراتِ في فرض قبضتها وسطوتها على مختلف المناحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية بما يقوِّي موقفَها ويضعف خصومها، وعلى ذلك فإن هناك الكثير من المشكلات الأخلاقية والإشكالات السياسية التي تثيرها مسألةُ احتكار الدولة للعنف، مع تحول هذا العنف المشروع- من وجهة نظر الدولة- عن مساره الطبيعي.
ومن أهم هذه القضايا أو الملفات التي تأثرت بهذا التطور قضية حقوق الإنسان ونشاط المعارضة، وفي المقابل فإن العنف غير المشروع الذي تمارسه الدولة أدَّى في النهاية إلى مجموعةٍ من الإفرازات "اللعينة" والأمراض الأمنية والاجتماعية، وكذلك السياسية التي كان من المفترض أن يتمَّ تلافيها من البداية، ولم يكن من مصلحة النظام الحاكم أن تظهر، أي أنه حتى على مستوى حسابات المكسب والخسارة الضيقة بالنسبة للدولة فإن ممارستها للعنفِ غير المشروع جاء في غير مصلحتها، مع ما أفرزه من ظواهرَ سلبيةٍ على رأسها "الإرهاب" أو على الأقل ما يمكن أن يطلق عليه في الأدبيات السياسية والاجتماعية اسم "العنف المضاد".
عنف الدولة بين المشروع وغير المشروع
إطار نظري وقانوني:
يقصد بمصطلح "العنف المشروع" داخل المجتمع ذلك اللون من "العنف" الذي تمارسه أجهزة الدولة الأمنية بالذات في سبيل تحقيق مجموعةٍ من الأهداف، طبقًا لما يقره الدستور ويرسمه لها القانون من خطوط عريضة من المفترض ألا تتجاوزَها هذه الأجهزة في عملها، مع مراعاة عددٍ من الاعتبارات نذكرها لاحقًا، وهذه الأهداف هي:
- حماية الشرعية الدستورية وحماية القانون والدستور من التعطيل.
- وقاية أجهزة الدولة الإدارية والسياسية والاقتصادية والإعلامية (وسائل الإعلام الجماهيري أهمها أو ما يعرف بالـ"Mass Media" وهي تحديدًا الصحافة والإذاعة والتلفزيون، وكذلك الخدمية.. النقل والمواصلات أهمها) من أية محاولةٍ تتم بغرض منعها أو على الأقل تعويقها عن أدائها لأدوارها المنوطة بها في صدد تسيير وتيسير المصالح العامة للدولة ومصالح المواطن حتى على المستوى الشخصي والخاص بكل مواطن.
- حماية الأمن الجنائي داخل المجتمع وملاحقة مَن يخالفون القانون في الأمور الجنائية والإجرائية (السرقة والقتل وسائر الجرائم العادية).
- حماية الأمن القومي بدءًا من حماية القوات المسلحة ذاتها (الأفراد أولاً، ثم المعدات، وأخيرًا المنشآت على الترتيب)، ووصولاً إلى مستوى درء الأخطار التي تهدِّد حدود الدولة ووجودها الإقليمي والجغرافي وكيانها السياسي، سواءٌ على المستوى الداخلي أو الخارجي، وغير ذلك من المهام التي تندرج تحت هذا البند، ومن أهم هذه المهام- وطبقًا للقانون المصري وقوانين دول أخرى كثيرة- "جلب وتهريب المخدرات" و"الجاسوسية، خاصةً في وقت الحرب مع دولة عدوة" و"مكافحة التخريب"، وهذه المهمة الأخيرة جرى توسيعها في السنوات الأخيرة باسم "مكافحة الإرهاب".
- وتبقى هنا مهمةٌ شرعيةٌ أخيرةٌ أمام أجهزة الدولة الأمنية، وهي تلك المتعلقة بحماية النظام السياسي الحاكم من أية مخاطرَ تهدِّد وجودَه واستمرارَه الشرعي وأية محاولة لتعطيله عن أداء مهامه في صددِ حماية مصالح الدولة والمواطن أو الخروج عليه، ما دام موجودًا في إطار الشرعية الدستورية التي تحكم البلاد، فيكون في هذه الحالة الخروج عليه أو محاولة تعطيله عن أداء مهامه جزءًا من المهمة الأولى لأجهزة الدولة الأمنية- وهي الأهم- "حماية الشرعية الدستورية وحماية القانون والدستور من التعطيل"؛ باعتبار أن النظام الحاكم مهمته الأساسية هي تنفيذ القانون في حدود الدستور والصلاحيات التي خوَّلها له هذا الأخير.
وبالنظر إلى المهمة الأخيرة فإن الدستور والقانون في مصر حددا لها مجموعةً من الشروط، فحماية شخص رئيس الدولة على سبيل المثال بشكلٍ خاصٍّ ليس لمجرد كونه مواطنًا عاديًا، بل لأنه رمز الدولة ورأس السلطة التنفيذية بها، وحياته مهمةٌ فقط لارتباطها بتحقيق مصالح الدولة والمواطن وتسيير أمور الوطن وليس لاعتباراتٍ شخصيةٍ متعلقةٍ بكونه هو فقط، وحركة أجهزة الدولة ضد التهديدات التي تواجه النظام الحاكم ليست مطلقةً، فهي أيضًا محددةٌ بمجموعة من الشروط، على رأسها وجود تهديد خارج عن الشرعية الدستورية، موجهًا للنظام باعتباره واجهةً أو معبرًا عن الشرعية الدستورية وحاميًا وممثلاً لها.
احتكار الدولة للعنف
إن احتكار الدولة للعنف مع إساءة استخدامه خارج النطاق الدستوري حتى في قمع المظاهرات السلمية التي كفلها القانون والدستور أدَّى إلى العديد من المشكلات، حيث أرجع عددٌ من الباحثين إلى أن موجة العنف الأصولي المسلح في أواخر الثمانينيات وحتى عام 1997م، والتي انتهت نهايةً دمويةً ضخمةً كلَّفت الدولة الكثيرَ على المستويين الأمني والسياسي، كما في حادثة الأقصر، التي راح ضحيتها نحو 59 سائحًا، والتي كان سببها واقعة محددة، وهي قيام أجهزة الدولة الأمنية باغتيال علاء محيي الدين- مسئول العمل الإعلامي في الجماعة الإسلامية عام 1989م- فردَّت الجماعة باغتيال الرئيس السابق لمجلس الشعب الدكتور رفعت المحجوب، ثم دخلت البلاد دوامة العنف مجددًا.
كما أن احتكار الدولة للعنف واستخدامه بشكل مكثف وغيرِ مبرَّر أو دستوري ويخالف حقوق الإنسان أدَّى ضمن ما أدَّى إليه إلى ظهور التنظيماتِ السريةِ المسلحة وتبنِّي الكثير من الجماعات السياسية والأحزاب المعارضة لأسلوبِ العمل السري؛ حيث الابتعاد عن أيدي النظام الباطشة.
والمتابع لتقارير منظمات حقوق الإنسان المصرية والدولية حول الحالةِ الحقوقيةِ في مصر يرى الكثيرَ من أوجه إساءةِ السلطةِ الحاكمةِ لمسألةِ "احتكار العنف" أو الأداة الأمنية التي كفلها لها الدستور، فهناك تقريرٌ لمنظمة "مراقبة حقوق الإنسان" الدولية الأمريكية أو الـ"هيومان رايتس ووتش" الصادر في مايو 2005م، والذي دعا دول العالم إلى عدم تسليم أية عناصر إسلامية أو مشتبه بهم مصريين في قضايا أمنية للسلطات المصرية؛ لأنهم يتعرَّضون للتعذيب، وقد صدر التقرير بناء على حالاتٍ تمَّت بالفعل بحق إسلاميين مصريين سلَّمتهم الولايات المتحدة لمصر بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، في إطار التعاون الأمني بين الطرفين.
كذلك هناك تقاريرُ عديدةٌ صدرت خلال الفترة الماضية من جانب "المنظمة المصرية لحقوق الإنسان" تحدَّثت عن انتهاكاتِ حقوق الإنسان العديدة التي تتم بحق المتظاهرين والمعتقلين من المعارضة، ومن بينهم ثلاثة آلاف معتقل من جماعة الإخوان المسلمين، رغم قانونية ودستورية كافة المظاهرات والتحركات أو الفعاليات الأخرى التي تقوم بها المعارضة بقيادة الإخوان، وفي تقريرِ "منظمة العفو الدولية" لعام 2005م- لم يصدر بعدُ تقرير 2006م- عن حالة حقوق الإنسان في مصر في الفترة من 1 يناير إلى 31 ديسمبر 2004م نجتزئ الفقرات التالية لأهميتها:
"لقي ما لا يقل عن 34 شخصًا مصرعهم وأُصِيب أكثر من 100 آخرين في عمليات تفجير استهدفت فندق هيلتون في طابا ومنتجعين سياحيين في منطقة رأس شيطاني في سيناء يوم 7 أكتوبر (2004م)، وفي أعقاب الهجمات قُبِض على عددٍ كبيرٍ من الأشخاصِ شمال سيناء خلال النصف الثاني من أكتوبر، وتباينت التقديراتُ بخصوص عدد المقبوض عليهم- بسبب الهجمات- تباينًا كبيرًا؛ حيث ذكرت أنباءٌ رسميةٌ أن العدد لا يزيد على 800 شخص، بينما قَدَّرت بعض المنظمات المحلية غير الحكومية عددَ المقبوض عليهم بنحو ثلاثة آلاف.
وذكر كثيرون- ممن أُطلِق سراحُهم في نوفمبر- أنهم تعرَّضوا للتعذيب، ومن بين أساليب التعذيب المستخدمة الضرب والتعليق من الرسغين أو كاحلي القدمين والصعق بالصدمات الكهربائية، وورد أن الغالبية العظمى ممن ظلوا رهن الاعتقال بحلول نهاية العام كانوا محتجزين بمعزلٍ عن العالم الخارجي في فروع مباحث أمن الدولة، بما في ذلك مقر مباحث أمن الدولة الرئيس في ميدان لاظوغلي بالقاهرة، والذي كثيرًا ما وردت أنباء عن ممارسة التعذيب فيه، وقُدِّمت إلى النائب العام عشرات الشكاوى بخصوص أوامر اعتقال المقبوض عليهم، وحصل 15 شخصًا على حكم بالإفراجِ عنهم في ديسمبر، ولكن لم يكن قد أُفرِج سوى عن ستة بحلول نهاية العام على حدِّ علم منظمة العفو الدولية".