- العراق جزء رئيس من الإستراتيجية الأمريكية الجديدة للأمن القومي.
- عصا مكافحة "الإرهاب" الأمريكية انقلبت على الساحر وتفتتت القاعدة إلى تنظيمات أخرى أكثر خطورة.
- الحرب الأمريكية على المقاومة في العراق فشلت في القضاء على مشروع المقاومة السياسي الرامي لطرد الاحتلال من هناك.
تقرير: أحمد التلاوي
لا زلنا مع التقرير الأمريكي الجديد الخاص بملف "الإرهاب" العالمي واتجاهاته العامة في العام المنصرم 2005م، والذي أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية في الثامن والعشرين من شهر أبريل الماضي، وهو تقريرٌ مثيرٌ للجدل بكلِّ ما في الكلمةِ من معانٍ لا سيما مع اعتماد الولايات المتحدة على مجموعةٍ من المعايير شديدة الذاتية، وترتبط بالأساس بوجهات النظر الأمريكية تجاه العديد من القضايا لتوجيه "الاتهامات" بـ"الإرهاب" لعددٍ من بلدان الأمة العربية والإسلامية والعالم، لمجرد خلافاتها مع الولايات المتحدة أو حتى لـ"عدم تأييد" هذه الدول للسياسة الأمريكية.
فعلى سبيل المثال كان الدعم الإيراني والسوري للمقاومة العربية والإسلامية المشروعة في كل من فلسطين ولبنان على رأس الأسباب التي أدَّت لإدراج كل من سوريا ولبنان في قائمة "الإرهاب" الأمريكية الجديدة، كما أن معارضة كوبا للاحتلال الأمريكي للعراق أدَّى لاستمرار إدراجها على القائمة الأمريكية السوداء.
وعلى أهمية مثل هذه الأمور، إلا أن التقرير الأمريكي الجديد كان فيه مجموعةٌ أخرى من القضايا والملفات ذات الأهمية القصوى بخلاف ذلك، مع كون ما مضى من حديث متوقعًا من إدارة يمينية متطرفة مثل الإدارة الأمريكية الحالية، أما القضايا والملفات الأخرى المشار إليها فهي تلك المتعلقة أولاً بواقع القراءة الأمريكية لملف الإرهاب والعنف المسلح في العالم والاتجاهات العامة للسياسة الأمريكية في العالم في هذا الصدد، بما يشمل مجموعة البلدان العربية والإسلامية المعنية أكثر من غيرها بهذا الملف، إضافةً إلى التركيز الكبير للتقرير على العراق باعتباره "ساحةً رئيسةً للحرب العالمية ضدَّ الإرهاب" حسبما ورد في التقرير.
الفصل الثاني.. الفصل السابع!!
يعتبر الفصل الثاني من التقرير الأمريكي الجديد عن "الإرهاب" هو أهم أجزاء التقرير، وعلى ما جاء فيه من معلوماتٍ ووجهات نظر واتجاهاتٍ عامة للسياسات الأمريكية حول هذا الملف يمكن أن يقفزَ إلى الذهن على الفور الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة والذي يضع ترتيباتِ العقوبات أو العمل المسلح كخيارٍ رئيس أمام أطراف الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي في حالات تهديد الأمن والسلم الدوليين!!
وهي فكرةٌ ليست بعيدةً عن التفكير بعد أن باتت المصالح الأمريكية الأمنية والسياسية والاقتصادية.. إلخ هي المعيار الرئيس لتحديد ما هو يهدد أو لا يهدد الأمن والسلم الدوليين، وهو أمرٌ شديد الوضوح في موقف واشنطن من كل من الملفين النوويين في كل من إيران وكوريا الشمالية.
ويقدِّم الفصل الثاني من التقرير الأمريكي الجديد مجموعةً من الملفات ذات الأهمية التي من المفترض لها أن تحتل أولويةً على جدول أعمال الحكومات العربية والإسلامية وأجهزتها العاملة في مجال الأمن الوطني، وهذه القضايا عرضها التقرير في إطار واحد عام، وهو "تقييم إستراتيجي لأوضاع الإرهاب في العالم"، هي:
1- الاتجاهات العامة للإرهاب في العالم.
2- العناصر الرئيسية للحكم على أوضاع الإرهاب في العالم.
3- المتغيرات الراهنة الحاصلة على صعيد تنظيم القاعدة.
4- العراق من جهة تطورات الوضع الأمني فيه، وكذلك العلاقة بين العراق والحرب الأمريكية الأوسع نطاقًا على "الإرهاب" في العالم.
ورغم أن التقرير مبدئيًّا حاول التركيز في هذا الفصل على تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن والتنظيمات الفرعية المنبثقة عنه، وكذلك على الأوضاع في العراق باعتبار أن هذين هما الضلعان الرئيسان الآن في صدد ملف الإرهاب والعنف المسلح في العالم، إلا أن التقرير- وهذا الفصل منه بالذات- تناول حزمةً كبيرةً من القضايا الأمنية في العالم على النحو الذي ذُكِرَت عناوينه سابقًا.
تقييم أمريكي موجز
بدايةً أكد الفصل الثاني من التقرير على أن هناك اتجاهاتٍ عامةً للتطورات فيما يتعلق بقضية "الإرهاب" وملف العنف المسلح في العالم، ولا تقتصر هذه الاتجاهات على تنظيم القاعدة وشركائه وحدهم، وإنما تشمل في الأساس الفاعلين الأصغر في هذا الصدد، وهذه الأطراف هي التنظيمات المسلحة التي تمارس العنف السياسي في العالم أيًّا كان انتماؤها السياسي أو الفكري والأقل مرتبة في انتشارها وأدواتها من تنظيم القاعدة أو تعمل في نطاقات جغرافية وسياسية مخالفة تمامًا لما تعمل في إطاره القاعدة.
وتعتبر السمات الأساسية لهذه المجموعات هي أولاً الاعتماد على التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة مثل الاتصالات عبر الأقمار الصناعية والعمل عبر الإنترنت، وذلك تحقيقًا لعدد من الأهداف مثل تطوير قدرة هذه التنظيمات على رصد واستكشاف الأهداف واستعمال مختلف أدوات تبادل المعلومات وحركة الأموال على مستوى العالم، كما كان هناك عمل واسع النطاق في صفوف اللاعبين الأصغر هؤلاء لتطوير القدرات التكنولوجية لهم في عددٍ من المجالات التي تمس أنشطتهم مثل التخطيط للعمليات، والاتصالات، والاستهداف، والدعاية السياسية وغير ذلك.
وثانيًا الارتباط بشبكات الجريمة المنظمة في العالم، لتنفيذ عملياتهم في دول متعددة والانطلاق من دول أخرى، وذلك "لتعزيز قدرتهم على الحركة وحشد التأييد لبرامجهم الإرهابية، وتجنب تعقبهم".
القاعدة الهاجس الأمريكي الأكبر
كان التركيز الرئيس للتقرير الأمريكي على تنظيم القاعدة، وفي هذا الصدد تناول التقييم الإستراتيجي الأمريكي مجموعةً من التطورات التي مرت بتنظيم القاعدة خلال الخمسة عشر أشهر المنصرمة أي طيلة عام 2005م، وكذلك الشهور الثلاث الأولى من العام الحالي، سواء من جهة أدوات العمل أو النشاط أو وسائل الدعاية والإعلام وتبادل المعلومات وغير ذلك.
وكانت الملاحظة الرئيسة التي خرجت بها أجهزة الاستخبارات الأمريكية عن تنظيم القاعدة خلال الفترة النصرمة هو أن الضرباتِ الأمنيةَ والعسكريةَ التي وجَّهتها الولايات المتحدة إزاء تنظيم القاعدة في العام 2005م دعا التنظيم إلى محاولةِ تعديل بعض آليات عمله، سواء فيما يتعلق بأدوات الاتصال أو عناصر الربط والسيطرة بين التنظيم الرئيس والتنظيمات الفرعية للقاعدة، لا سيما في العراق والقرن الأفريقي، وكذلك ما تسميه أجهزة الأمن الغربية بـ"الخلايا الأمنية" في أوروبا.
وفي هذا الإطار فقد بات من الواضح لدى القيادات الأمنية الأمريكية والغربية أن القيادةَ الرئيسةَ لتنظيم القاعدة كانت في الغالبية العظمى من الأحوال تشجِّع وتوجِّه فقط لارتكاب أعمال عنف مسلحة، إلا أنها لم تعد لديها القدرة على توجيهها بشكلٍ كاملٍ كما كان يحدث من قبل، طبقًا لما ورد في التقرير الأمريكي الجديد.
وفي السياق حاول تنظيم القاعدة التكيفَ مع الأساليب الجديدة المستخدمة في مجال مكافحة "الإرهاب" حول العالم ولا سيما مع بدء السلطات في عددٍ من البلدان الغربية في التضييق من المساحات التي كان من المتاح لها التحرك من خلالها، وكان ذلك بطبيعة الحال على حساب حقوق الإنسان وحركة الهجرة والحريات العامة ولا سيما حرية التعبير في المجتمعات الأوروبية والأمريكية.
وكانت أبرز مظاهر هذا التحول هي:
- التركيز المتنامي من جانب تنظيم القاعدة على العمليات الخاصة ذات الصبغة الأيديولوجية والمتصلة بالدعاية المباشرة للقاعدة، وذلك للمساهمة في الترويج لفكرِ القاعدة والقضية التي يدعو إليها، وكان لذلك تأثيرٌ في خلق شكل من أشكال التعاون الوثيق على سبيل المثال بين تنظيمِ قاعدةِ الجهاد في بلاد الرافدين والذي ينشط في العراق ويقوده أبو مصعب الزرقاوي، وبين كل الجماعات التي لها علاقة واتصالات بالقاعدة في جميع أنحاء العالم، بالإضافة إلى الجيل الجديد ممن دعاهم التقرير الأمريكي بـ"السُّنَّة المتطرفين".
- محاولة تحقيق انتشار واسع لشبكات أصغر وخلايا نائمة مكونة في الغالب من عدد لا يتجاوز أصابع اليدين، ورغم أن هذه الشبكات والمجموعات "أكثر تفككًا" إلا أنها أيضًا لها ميزةٌ مهمةٌ على المستوى الأمني، وهي أنه يصعب التنبؤ بسلوكهم أو بأماكنهم، وبالتالي تتزايد قدرة المجموعات المحلية على القيام بعمليات، وهذا ما جرى في لندن وشرم الشيخ في يوليو الماضي 2005م ودهب في أبريل 2006م الماضي.
- ظهرت ثم تزايدت عمليات التفجير الانتحارية التي تنفذها عناصر محلية- أي من ذات المجتمع الذي تنفذ فيه هذه العمليات- وكانت أيضًا تفجيرات لندن وشرم الشيخ رمزًا مهمًّا في هذا المقام، وكان تفجير لندن بالذات والذي وقع يوم السابع من يوليو 2005م هو الهجوم الأول من نوعه في أوروبا بأسرها، حيث كان ثلاثة ممن قاموا بتنفيذ العمليات الأربعة من الجيل الثاني لمواطنين يحملون الجنسيةَ البريطانيةَ من سلالة بعض المهاجرين من دول جنوب آسيا- أي من الهند وباكستان وبنجلاديش- كما لاحظت أجهزة المخابرات الأمريكية والغربية تناميًا في عدد التفجيرات التي يقوم بها أشخاصٌ بأنفسهم في أفغانستان ضدَّ قوات الاحتلال الأمريكي وقوات حلف شمالي الأطلنطي، الناتو هناك.
وفي هذا المستوى أيضًا من التحليل تنامت مساحات عمل الشبكات المعاونة من وجهة النظر الإستراتيجية، وبخاصة تلك التي تقوم بتوريد المال والعتاد وتهريب المقاتلين العرب والأجانب إلى العراق.
وقد شهدت عمليات القاعدة- أي التنظيم الرئيس- مجموعةً من التحولات وأوجه التجديد والتغيير ما بين حالتي ما قبل وما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، فيقول التقرير إنه قبل أحداث سبتمبر كانت القيادات الرئيسة للقاعدة "تميل إلى توجيه العملياتِ وإصدار التعليمات المتعلقة بها، بالإضافة إلى توفيرِ الأموال، والتدريب والخبرة التقنية للشبكات المتحالفة معها، وعلى وجه التحديد فإن القيادةَ الأساسيةَ كانت تقوم بالدور الرئيس في الهجماتِ المذهلةِ غير المألوفةِ مثل تلك التي حدثت في 11 سبتمبر 2001م، والتي تتطلب تخطيطًا وتنسيقًا على المستوى الدولي، وأدَّى القبض على، ومقتل اثنين من كبار مخططي العمليات خلال فترة لم تتجاوز نصف العام في 2005م إلى اضطرار القاعدة للتكيف مع ما حدث من انكسار في التدرج القيادي والسيطرة لقيادات التنظيم وللضغط المتزايدة عليهم في منطقة كانوا يعتبرونها في السابق ملاذًا آمنًا".
وهذا الكلام يعني أن مع غزو الولايات المتحدة وحلف الناتو لأفغانستان وإسقاط نظام حركة طالبان هناك وتشديد الولايات المتحدة لقبضتها الأمنية والعسكرية ضد القاعدة، أصبح التنظيم بلا قواعد لوجستية، وبات زعماؤه "مبعثرين وفي حالة فرار دائم" ولكنْ لهذا الأمر تأثيراتٌ جانبيةٌ؛ فتكفيك القاعدة دون القضاء عليها بفعل السياسات الأمريكية أدَّى إلى حالةٍ من "الشيوع" في الحالة الأمنية المتعلقة بالتنظيم، ومن ثمَّ صعوبة السيطرة عليه مع اتساع نطاق صلاحيات وعمل التنظيمات الفرعية المرتبطة بالقاعدة، مما أدَّى إلى عدم إحكام السيطرة على هذا الملف.
ويعتبر اتصال القيادات الرئيسة للقاعدة مع القياداتِ المحلية، وممارسة القيادات الرئيسة- مثل بن لادن وأيمن الظواهري- لنفوذهم الروحي والسياسي والتنظيمي القديم وتقديم الإرشادات الأيديولوجية لأتباع القاعدة في العالم كله من عناصر الاستمرار فقط في أُطُر عمل القاعدة القديمة.
فقد ظهرت مظاهرُ من عدم السيطرة على التنظيمات المحلية وقياداتها، فمن خلال مراسلات تمَّ اعتراضها من الظواهري وبن لادن في شهر أكتوبر 205م الماضي فقد انتقد كلاهما أبو مصعب الزرقاوي بسبب أساليبه في العراق والتي أدَّت إلى فقدان القاعدة للكثير من عوامل التعاطف الشعبي في مناطق من العالم العربي والإسلامي وكذلك في الغرب.
وقد خلق ذلك مشكلةً أمنيةً كما سبق القول، وهي أن التنظيمات الإقليمية والمحلية المرتبطة بالقاعدة لم تعد هي ذات الإطار التنظيمي المتماسك الذي يسهل تتبعه، بل بات الأمر وكأن هناك "عشرين قاعدة" في العالم، فالتقارير الصحفية والأمنية الغربية تقول إن ثمة أدلة على أنه مع تبدل دور القيادات الأساسية في القاعدة؛ بدأت القاعدة ذاتها في التفكك على مستوى العالم، "وما كان في وقتٍ ما شبكة متينة البنيان نسبيًّا أخذت تبدو كحركةٍ أكثر تفككًا في جميع أنحاء العالم، أو كمجموعات صغيرة أو أفراد من ذوي العقليات والأفكار المتشابهة، ممن يشتركون في الأهداف والمظالم، ولكنهم غير منظمين بالضرورة بصورة رسمية، وبينما كان من يتولون عمليات التدريب وتسهيل تسيير الأمور يتصرفون في أغلب الأحيان على أنهم العنصر المحفز للعمليات "الإرهابية"، فإن ذلك لم يعد يلزم بالضرورة بالمعني العملي، وبدأ ظهور الخلايا الصغيرة المكتفية ذاتيًّا، وتحوَّلت الكثير من عناصرها إلى التطرف بشكل تلقائي"، بشكلٍ يصعب معه تصنيف هذه القوى والمجموعات أو تتبعها كما جاء في التقرير الأمريكي محل المناقشة.
واللافت للنظر أن شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) باتت محورًا مهمًّا من المحاور التظيمية لهذه الشبكات سواء فيما يتعلق بتلاقي أعضائها أو تبادل المعلومات أو حتى التدريب واكتساب الخبرات، وباتت عناصرُ هذه الشبكات أكثرَ عزلةً عن بعضها البعض، وبالتالي يصعب تتبعهم، لا سيما وأن الانتماء العِرقي أو القومي بات هو العنوانَ أو السمتَ الرئيسَ لها في غالبية الأحوال، أو ما تطلق عليه أجهزة الأمن الأمريكية والغربية "رابطة الأخوة" الذين يصعب اختراقهم أو العثور عليهم، وإن كانوا أقل مهارةً من الآخرين.
العراق والرقم الصعب
يعتبر العراق أحد أهم محددات إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي، ويُعتبر أيضًا جزءًا لا يتجزأ من الحرب الأمريكية المعلنة على العالم باسم "الإرهاب" في مرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، وهو ما وضح تمامًا في إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة التي سبق وأن أعلنها الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن ربيع العام الحالي، والتي ركز فيها على مسألة (الضربات الاستباقية) أو الحرب الوقائية والذي بدأت واشنطن في تبنيها كسياسةٍ رسميةٍ لها حتى من قبل أحداث سبتمبر كما تقول نماذج لاحتلال الولايات المتحدة لبنما عام 1989م وهاييتي عام 1995م وغير ذلك.
وهناك بُعدٌ قانوني ترتكن إليه واشنطن- والدول التي تشارك في القوات الدولية الموجودة هناك- فيما يتعلق بالوضع في العراق، حيث إن الأمريكيين يعملون في العراق بموجب "المهمة الأمنية" التي صدر بشأنها قراران عن مجلس الأمن الدولي، وهما برقمي 1546 و1637، ولكنْ هذان القراران كانا يتحدثان بالأساس عن دعم الحكومة العراقية الجديدة، ولم يتحدثا عن أيةِ مهمات أمنية.
وفي تصنيف القوات الأمريكية وأجهزة استخباراتها للجماعات المسلحة وفصائل المقاومة في العراق فقد حدَّد التقرير ثلاثةَ مجموعات كبرى لها.. المجموعة الأولى هي فصائل المقاومة المسلحة التي ترفض الوجودَ الأجنبي الاحتلالي في العراق، وهي مكونة من العرب السُّنَّة بالأساس، وهؤلاء ترى الولايات المتحدة وأجهزة التقدير والمعلومات الرسمية الخاضعة لها أن معظم هؤلاء من العرب السنة في العراق ازداد اهتمامهم بالعمل السياسي، باعتبار أن العمليةَ السياسيةَ- وليس العنف المسلح- هي السبيل الأوفق لتحقيق الأهداف السياسية التي يسعون إلى تحقيقها.
المجموعة الثانية وهي تضم العناصر الموالية للنظام العراقي البعثي السابق بقيادة صدام حسين، وهم من ميليشيات حزب البعث وبقايا قوات الجيش العراقي السابق الذي أعلنت سلطات الاحتلال الأمريكي عن حَلِّه بعد الانتهاء من العمليات العسكرية الرئيسة في العراق في مايو 2003م، وكذلك الفصائل المسلحة التي شكلها صدام حسين قبل الحرب بفترة مثل فدائيي صدام.
وهذه المجموعة لها أهدافٌ سياسيةٌ أقل شأنًا من سابقتها التي تسعى إلى تحرير العراق من الوجود الأمريكي الاحتلالي، فهؤلاء يريدون عودةَ السيطرة السياسية في العراق لحزب البعث.
المجموعة الثالثة هي الأقل حجمًا والأكثر كثافةً في عملياتها، وهم عناصر تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين وعدد آخر من التنظيمات المرتبطة بالقاعدة، ويتشكلون بالأساس من عناصرَ عراقيةٍ، إلا أن هناك مقاتلين من عرب والمسلمين انضموا إلى القاعدة، ويشكل هؤلاء ما نسبته 4% إلى 10% من نحو 20 ألف أو أكثر من العناصر المسلحة الناشطة في العراق.
وأكبر جماعتين مسلحتين في العراق هما تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين بقيادة أبو مصعب الزرقاوي، وجماعة أنصار السنة، وقد تشكل مجلس شورى المجاهدين في العراق ليضم تقريبًا كافة الفصائل المسلحة والناشطة في العراق، ويضم أيضًا كتائب ثورة العشرين وجبهة المقاومة الوطنية الإسلامية.
وهناك اتهامان رئيسان توجههما الولايات المتحدة إلى هذه المجموعات، أولها تقويض الحكم الذي فرضته واشنطن في بغداد تحت مسمى "تقويض المجتمع الديمقراطي الجديد هناك"، وكذلك السعي لإشعال حرب أهلية لطردِ القواتِ الأمريكية من البلاد، عبر ضربِ الشيعةِ بشكلٍ مفزع لتأليبِ الطوائفِ العراقية بعضها على بعض.
وقد اعترضت الاستخبارات الغربية رسالة وجَّهها الزرقاوي لابن لادن في العام قبل الماضي 2004م، وجاء فيها: "إذا نجحنا في جرِّ الشيعة إلى حرب طائفية، سيصبح من الممكن أن نوقظَ السنة من غفوتهم عندما يشعرون بالخطرِ المحدق، إن الحلَّ الوحيدَ بالنسبة لنا هو أن نوجِّهَ ضرباتٍ للكوادر الشيعية الدينية والعسكرية وغيرها ضربة تلو الأخرى".
ورغم محاولة الزرقاوي الأخيرة التي حاول فيها عبر شريطه المتلفز أن يُظهرَ مدى سيطرتِه على أتباعِه، وأنه لا يزال القائدَ الميدانيَّ الأهمَّ، فقط أظهرت الفترة الممتدة من انتخابات ديسمبر 2005م التشريعية الماضية وجودَ انقسامٍ كبير بين عددٍ من العرب السنة وفصائل المقاومة المسلحة في العراق من جهة وبين القاعدة لا سيما في صدد المشاركة في العملية السياسية في البلاد.
وفي هذا المجال فقد رصدت تقاريرُ صحفيةٌ وأمنيةٌ متطابقةٌ- رصدت من مناطق في غربي وشمال وكذلك وسط العراق ذات الغالبية العربية السنية- اشتباكاتٍ عدةً لعدد من الجماعات المسلحة- وبعضها كان عبارة عن عمليات كبيرة- ضدَّ تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بسبب استهداف القاعدة للمدنيين العراقيين ومعارضته للانتخابات.
وعودة إلى التقريرِ الأمريكي، فقد كان من أبرز ما ركَّز عليه في صددِ ملف العنف في العراق، هو ارتباطات هذا الملف الإقليمية والدولية، أي أن العراق- كما سبق القول- هو جزءٌ رئيس من الحرب الأمريكية على ما تسميه واشنطن بـ"الإرهاب".
فالتقرير اهتم أكثر ما اهتم في هذه النقطة بمسألتين، أولاهما أن هناك شبكاتِ دعم سريةً في الخارج، تمد الجماعات المسلحة في العراق بالعناصر المقاتلة من مناطق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بل وأيضًا أوروبا وجنوب ووسط آسيا والقوقاز، أما النقطة الثانية فهي أنه وفي العام 2005م قام تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين بتكرار بعض العمليات في الخارج.
ويمكن في هذا الشأن رصد ثلاثة قضايا أو عمليات رئيسية في هذا المقام وهي:
1- في شهر أغسطس الماضي أعلن تنظيم الزرقاوي مسئوليته عن الهجوم الصاروخي الذي جرى على اثنتين من سفن البحرية الأمريكية في ميناء العقبة الأردني، نتج عنه إلحاق بعض الدمار في الأردن وميناء إيلات الصهيوني.
2- الهجوم الذي جرى على فندق في العاصمة الأردنية عمان يوم 9 نوفمبر 2005م ونفذه أيضًا تنظيم القاعدة في العراق.
3- تبنى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين أيضًا عملية إطلاق عدة صواريخ على شمال الكيان الصهيوني من داخل لبنان، في أواخر شهر ديسمبر المنصرم.
وبجانب هذه العمليات، وفي أغسطس 2005م، ألقت السلطات التركية القبض على الناشط السوري لؤي السقا باعتبار أن له علاقةً بتمويل التفجيرات التي جرت في مدينة أسطنبول التركية في شهر نوفمبر من العام 2003م، وكذلك بمقتل عدد من أفراد القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي في العراق، ووقتها قالت السلطات التركية إن السقا كان متواجدًا في تركيا لتدبير ما وصف بأنه هجوم إرهابي على بواخرَ سياحيةٍ صهيونية كانت ترابط في الموانئ التركية على البحر الأسود.
وبخلاف هذه الحقائق التي تتكشف من خلال قراءة التقرير الأمريكي الجديد عن "حالة الأمن القومي" في العالم، من جهة النظر الأمريكية بطبيعة الحال، فإنه بات من المهم بالفعل أن تعمل القيادات العربية والإسلامية على التعاون للتوصل إلى صيغةٍ ما للتعاون للحفاظ على الحدِّ الأدنى للأمن القومي العربي والإسلامين، في ظلِّ التهديداتِ الأمريكية لسوريا وإيران وحصار حكومة حماس في فلسطين، وغير ذلك من مفردات أجندة "إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي" الجديدة!!