تقرير- حسين التلاوي
شهدت دوائر صناعة القرار البريطاني والأمريكي العديدَ من الاستقالات في الفترة الأخيرة وهي الخطوات التي جاءت بسبب محاولات كل من الحكومة البريطانية والإدارة الأمريكية تحسين الوضع الداخلي لهما.
ولكن على الرغم من هذه التبريرات الداخلية، إلا أنَّ العنصرَ الخارجي- وبالذات الشرق أوسطي- هو الفاعل الرئيسي في العديد من هذه التغييرات، حيث أدَّت أخطاء حكومة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير وإدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في كل من العراق وأفغانستان إلى جانب بعض الملفات الأخرى المتعلقة بالحالة العربية والإسلامية إلى تزايد السخط الشعبي ضدهما وهو ما تمثَّل في العديدِ من المظاهرات التي خرجت في كلٍّ من بريطانيا والولايات المتحدة للتنديد بالحرب على العراق.
والسوابق عديدة للتأثير العراقي في الحياة السياسية الداخلية للدول الغربية أو تلك المشاركة بقوات في إطار قوات الاحتلال الدولية العاملة في العراق حاليًا تحت القيادة الأمريكية، فلا أحدَ يُنكر أنَّ مقتلَ عناصر الاستخبارات الأسبانية الـ7 قد ساهم بدورٍ كبيرٍ في إسقاطِ حكومة رئيس الوزراء الأسباني السابق خوسيه ماريا أزنار الذي كان يُمثل الضلع الثالث في مثلثِ القوى الغربية التي بدأت الحرب على العراق.
وبالمثل، فإنَّ حكومةَ بلير وإدارة بوش بدأت تعاني من "العرض العراقي"، إلى جانب بعض الأعراض الأخرى، وستكون بعض الإضاءات على تلك الدائرة من الاستقالات والإقالات كافية للتعرف على أثر "الأعراض الأوسطية" في السياسات الداخلية للدول الغربية.
بوش يتجمل!!
أجرى الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن العديد من التغييرات في هيكل إدارته وكان من بينها الإطاحة بأحد أبرز الشخصيات التي ساهمت في فوز الرئيس الأمريكي بفترة رئاسة ثانية في الانتخابات التي جرت في نوفمبر 2004م، وهذه الشخصية هي كارل روف الذي يعتبر أحد أبرز المساعدين للرئيس الأمريكي أيضًا إلى جانب دوره في الحملة الانتخابية الرئاسية.
وقد كانت الحملة صعبة بكل المقاييس نظرًا إلى أنها أتت في وضع مأزوم بالعراق وتردٍ اقتصادي وفي أعقاب أحداث 11 سبتمبر ما يشير إلى حجم الإنجاز الذي حققه روف في إدارة الحملة الانتخابية لبوش الابن.
وتأتي هذه الاستقالة في إطار محاولة من جانب الإدارة الأمريكية لتقديم "كبش فداء" لفضيحة تسريب اسم عملية استخبارية أمريكية وهي فاليري بلام، وهي الفضيحة التي جاءت ضمن انتقادات لعدم دقة المعلومات الخاصة بامتلاك النظام البعثي السابق في العراق لأسلحة دمار شامل، ويقال إنَّ هذا التسريب جاء انتقامًا من زوجِ العميلة الاستخبارية وهو جوزيف ويلسون السفير الأمريكي السابق لدى النيجر والذي كشف عدم دقة المعلومات التي قالت إنَّ النظام العراقي المخلوع حصل على اليورانيوم من النيجر.
تغيير آخر أجراه الرئيس الأمريكي في صفوفِ إدارته، وتمثل ذلك التغيير الجديد في استبدال الناطق باسم البيت الأبيض سكوت ماكليلان في إطار التغييرات الشاملة التي يقال إنَّ الرئيسَ الأمريكي يعتزم اتخاذها، وقد حل الصحفي والمذيع اللامع توني سنو محل ماكليلان، ويعرف عن سنو أن أبرز الانتقادات التي وجهها إلى الرئيس الأمريكي هي أنه "ليس محافظًا بما يكفي".
وبرر الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن هذا التغيير بأنه يهدف إلى توضيح مضمون السياسات التي يتخذها البيت الأبيض، وهو ما يمكن التعبير عنه بالقول إنَّ الغرضَ الرئيسي هو "ترويج" سياسات الرئيس، أو "التلميع الإعلامي" للإدارة الأمريكية والرئيس نفسه في وقت تدنت فيه شعبية الرئيس إلى ما دون الـ32% وهي أسوأ نتيجة تظهرها استطلاعات الرأي لشعبية رئيس أمريكي عبر التاريخ.
والسبب الرئيسي لتدني شعبية الرئيس الأمريكي- وفق استطلاعات الرأي الأمريكية- هو الحرب على العراق؛ حيث إنَّ فشلَ الأمريكيين في الحسمِ العسكري أو تأسيس نظام ديمقراطي بالعراق هو السبب الرئيسي في تصاعد الاحتجاجات ضد الحرب هناك، وكلما تصاعدت الاحتجاجات انخفضت شعبية بوش الابن وإدارته.
تحرك ثالث اتخذه الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن من أجل تحسين أداء الإدارة الأمريكية وهو التحرك الذي تمثل في قبول استقالة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "CIA" بورتر جوس والذي لم يمض على تعيينه أكثر من 18 شهرًا، وقد برر الرئيس الأمريكي نفسه هذه الاستقالة بأنها تأتي في إطار الإصلاحات في هيكلية الوكالة التي باتت مسرحًا للإخفاقات والتسريبات.
وربما ترجع هذه الاستقالة إلى سببين الأول منهما هو ما قالته وسائل الإعلام الأمريكية من أن بورتر جوس قد أقال العديد من "الرؤوس الكبيرة" في الوكالة الأمنية الأمريكية بسبب دوافع سياسية؛ الأمر الذي جعل الإدارة في حالةٍ من السخطِ بسبب هذه الممارسات التي تأتي في وقت تشتد فيه الحرب بالعراق.
إلا أن التفسير الثاني هو الأكثر قبولاً حيث يشير إلى أنَّ الإقالةَ أو الاستقالة جاءت بسبب تسريب أحد الموظفين في "CIA" معلومات متعلقة بوجود سجون سرية تديرها الوكالة الاستخبارية حول العالم وهو ما أثار انتقادات واسعة في الأوساط الدولية السياسية والحقوقية ضد الولايات المتحدة وبالتالي تم فصل الموظف الذي تمت التسريبات عن طريقه، كما تمَّت الإطاحة بجوس نفسه الذي عجز عن إجراء الإصلاحات المطلوبة في الجهاز الأمني الأمريكي الأشهر حول العالم.
بنظرة واحدة نجد أن كل التغييرات التي قام بها الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن كانت تهدف إلى تحسين الوضع الداخلي للإدارة الأمريكية إلا أن الدافع الرئيسي هو سوء تعاطي إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن مع الملفات الخارجية وبخاصة الملفين العراقي والأفغاني.
مذبحة بلير الحكومية
بدوره قام رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بما دعته الصحف البريطانية "مذبحة" في صفوف قيادات حزب العمال الذي يقوده والحكومة التي شكلها حزب العمال، بعد الخسارة المهينة التي مني بها الحزب في الانتخابات المحلية التي جرت الخميس الماضي، حيث حل في المركز الثالث في تلك الانتخابات التي شهدت أيضًا صعود تيار اليمين المتطرف.
أبرز التغييرات التي قام بها رئيس الوزراء البريطاني توني بلير كانت في صفوفِ وزارات الخارجية والداخلية والدفاع، فقد أطاح بلير بوزير الخارجية جاك سترو وجعله رئيسًا للأغلبية البرلمانية، وعين مكانه مارجريت بيكيث المعروفة بأنها من المحافظين داخل حزب العمال، كما أطاح بوزير الداخلية تشارلز كلارك وعين مكانه وزير الدفاع جون ريد، فيما تولى الدفاع ديس براون والذي كان يشغل منصب وزير المالية.
وعلى الرغم من أن الدافع الرئيسي لتلك التغييرات تعتبر داخلية إلا أنَّ محللين يقولون إن وزيري الدفاع والخارجية يتسمان بأنهما لم يكن لها علاقة سابقة بالملفين العراقي والأفغاني؛ الأمر الذي يعبر عن إدراك لرئيس الوزراء البريطاني للسبب الرئيسي لتراجع شعبية الحكومة البريطانية وهو الفشل في الحسم في كل من أفغانستان والعراق.
فعلى الرغمِ من مرور 5 سنوات تقريبًا على الاجتياح الأمريكي البريطاني لأفغانستان إلا أنَّ الوضعَ هناك لم يستقر بعد، بل إنَّ قوات حلف شمال الأطلسي "NATO" بدأت في الانتشار في الأراضي الأفغانية إلى جانب ما قامت به القوات البريطانية من زيادة عدد جنودها لتغطية الانسحاب الأمريكي من الأراضي الأفغانية، أي أن بريطانيا باتت تدفع ثمن "المغامرات الأمريكية" في العالم العربي والإسلامي.
إلى جانب أن تبعية السياسة الخارجية البريطانية للولايات المتحدة وبخاصة في ملفات العراق وإيران والقضية الفلسطينية باتت مصدر ضيق لدى البريطانيين بسبب فقدان السياسة الخارجية البريطانية صورتها المستقلة؛ وهو الأمر الذي تفاقم في عهد رئيس الوزراء توني بلير سواء في عهد الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون أو الحالي جورج بوش الابن.
التغييرات وشعبية الحكومات!!
من الواضح أن أية إجراءات يتخذها كل من توني بلير أو جورج بوش الابن لن تفلح في تلافي المشكلات التي يواجهها كل منهما في الداخل بسبب سوء التعامل مع الملفات الخارجية وبخاصة تلك المتعلقة بالشرق الأوسط وبالعالم الإسلامي.
وقد بدأت بوادر ذلك في اتجاه حزب العمال لخسارة المزيد من المقاعد في الجولات القادمة في الانتخابات المحلية، حيث لن تقدر التغييرات الحكومية على إعطاء الحزب أصوات الناخبين.
أما في الولايات المتحدة فإن الرئيس الأمريكي سيغادر البيت الأبيض في الانتخابات القادمة بسبب قضائه فترتين وهما الحد الأقصى المسموح به في الدستور الأمريكي لتولي شخص مقاليد الرئاسة الأمريكية، لكن الخسارة لا ترتبط فقط بشخص الرئيس الأمريكي ولكنها تمتد إلى حزبه، وعلى الرغم من أن استطلاعات الرأي لا تشير إلى تراجع شعبية الحزب الجمهوري ككل إلا أن الديمقراطيين بدأوا في استغلال الأخطاء الجمهورية لتحقيق أقصى استفادة ممكنة في انتخابات التجديد النصفي البرلمانية القادمة في خريف العام الحالي.
كما أن الحزب الجمهوري سيواجه استحقاقًا كبيرًا هو الانتخابات الرئاسية في نوفمبر من العام 2008م، والتي تبدأ الاستعدادات لها قبل إجراء الانتخابات بعام، وبالتالي فإن الجمهوريين مطالبون بتحسين صورتهم أمام الناخب الأمريكي، وعلى الرغم من اتجاه وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس القوية لحمل راية الجمهوريين في تلك الانتخابات إلا أن الديمقراطيين قد يقدمون هيلاري كلينتون قرينة الرئيس السابق بيل كلينتون، وهي التي سوف تكون المنافسة القوية لرايس، ما يعني أن الجمهوريين قد يدفعون الثمن غاليًا بعد عامين دون أن تفلح التعديلات الأخيرة في إنقاذهم.
وبوجهٍ عامٍ فقد بات من الواضح أن الحرب على العراق على "حماقةِ" قرار غزوه من جانب القيادة الأمريكية بدعم من بريطانيا وإيطاليا- بيرلسكوني وإسبانيا- أزنار وكذلك أستراليا قد أدى- ضمن ما أدى إليه من كوارث سياسية وأمنية- إلى أزمة بنيوية عميقة على مستوى الممارسة السياسية الديمقراطية في الغرب وخصوصًا في دول التحالف الأنجلو- ساكسوني في الولايات المتحدة وبريطانيا.
فهناك بالفعل أزمة سياسية في واشنطن ولندن تكاد تعصف بأركان الإدارة الأمريكية، بعد "عزل" واستقالة عدد كبير من موظفي البيت الأبيض، وتصاعد المطالب الخاصة باستقالة وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد الذي واجه موقفًا محرجًا أول من أمس أمام رموز المؤسسة العسكرية الأمريكية، وقال المراقبون إن رامسفيلد عجز حتى "عن أن يجد الكلام" للرد على الانتقادات التي وجهها إليه عدد من العسكريين عن الحرب على العراق ومبرراتها.
كذلك فإنَّ الإدارةَ الأمريكية بسبب المقاومة المتزايدة في العراقِ وأفغانستان والتي أدت في اليومين الأخيرين إلى سقوط عشرات من القتلى الأمريكيين والبريطانيين والإيطاليين وتحطم عدد من الطائرات بشكلٍ أوضح تنامي القدرات البشرية وممكنات التسليح اللوجستية لدى المقاومة العراقية وحركة طالبان؛ حيث استطاع الطرفان استخدام نوعيات جديدة من الصواريخ وأدوات النيران لإسقاط مروحيات قوية مثل الـ(شينوك) الأمريكية.
إن الخلافات "تكاد" تعصف بالإدارة الأمريكية، وهي قد عصفت فعلاً بحكومةِ بلير في لندن حيث خسر خسارةً كبيرةً في الانتخابات المحلية الجزئية الأخيرة، وقام بعزل ركنين مهمين من أركانِ حكومته وهما ريد وسترو، وهو ما دعا زعيم حزب المحافظين البريطاني ديفيد كاميرون إلى أن يقول إن هذا التعديل الوزاري "يظهر أن الحكومة فقدت سلطتها، وأنها في آخر مراحل الانهيار"، ودعم من هذا التصور أن بعض نواب حزب العمال في مجلس العموم البريطاني طالبوا رئيس الوزراء بتحديد موعد تنازله عن منصبه، وعزز من هذا الاحتمال المحادثات التي عقدها بلير مع خلفه المتوقع جوردون براون وزير المالية الحالي حول مستقبل حزب العمال الذي بدأ يتجه نحو الانحدار السياسي.
يعني ذلك أن التعديلات التي أجراها كلٌّ من بلير وبوش لن تسهم في إبقاء قطارى حزبيهما في محطة السلطة، وباتا في حاجة إلى معجزة سياسية في زمن انتهت فيه المعجزات وسادت فيه المفاجآت المبكية!!